علم الأنساب .. من التاريخ إلى علم الاجتماع

قراءة في كتاب تبصير ذوي الألباب بما يلزم معرفته عن علم الأنساب

المؤلف : بدر رافع العودة الحسيني

قراءة : محمد الظفيري*

اهتم العرب منذ فجر تاريخهم بعلم الأنساب , وحرصوا على تعلمه وتعليمه , ومن ثم حفظه , ووضعوا لهذا العلم الاجتماعي المتماس مع الدين بعد مجيء الإسلام ضوابط وتقسيمات .

اهتم العرب منذ العصر الجاهلي بحفظ أنسابهم لأنهم أمة أمية لا تكتب ولا تدوّن , ولم يظهر هذا الاهتمام إلا مع بزوغ الحضارة العربية الإسلامية , حيث ظهر منهم النسابون المدونون كابن الكلبي وابن هشام والهمداني وغيرهم من العلماء .

ما دعانا للبدء بهذا الكلام هو الاطلاع على أول أعمال الباحث في هذا الشأن الأستاذ بدر رافع العودة الحسيني الذي صنّف كتابًا في ” علم الأنساب ” تحدث فيه الباحث عن هذا العلم وفصّل في فروعه وأقسامه , وهو الكتاب الصادر عن دار مؤسسة الريان في لبنان في طبعته الأولى 1439 – 2018 في 173 صفحة من الحجم المتوسط , الذي جاء تحت اسم ” تبصير ذوي الألباب بما يلزم معرفته عن علم الأنساب ” , ويلاحظ القارئ المتابع من النظر لطبيعة هذا العنوان الذي جاء بصيغة تقليدية سجعية أنه مختص بدراسة ” علم النسب ” من حيث كونه علمًا قائمًا بحد ذاته .

يقول الباحث الأستاذ بدر الحسيني عن سبب تصنيفه لهذا الكتاب : ” ما دفعني لتصنيف هذا الكتاب ، أسباب عدة ، من أهمها التخبط الحاصل من بعض المشتغلين بالأنساب ، حيث إنهم يشتغلون بهذا العلم الجليل على غير هدى ” لهذا أراد المؤلف تعديل كفة الميزان – من وجهة نظره ووفق ما يعتقد – ثم يضيف في هذا السياق , معددًا بعض الأسباب التي دفعته لهذا الاهتمام ” انتشارُ الجهل الشديد بخطورة انتساب المرء إلى غير أبيه ، والجهلُ بالوعيد واللعن لمن فعل ذلك ، وقِلَّةُ الوعي بأهمية علم الأنساب ، من جهة تعلق كثير من الأمور الشرعية به ، ودَحْضُ قول من قال “إِنَّ عِلْمَ النَّسَب عِلْمٌ لا ينفع وجَهالةٌ لا تَضُرُّ” ، وإثباتُ أَنَّ العلم به ينفع نفعًا عظيمًا ، وأنَّ الجهلَ به يضُرُّ أيما ضرر. “

لم يقف جهد المؤلف عند هذه النقاط , بل كان يسعى لتبيان فضل هذا العلم المرتبط بصلة الأرحام , والمتصلة كذلك بقسمة المواريث , إذ أورد عددًا من الشواهد والمقولات التي تدعم هذه الأفضلية .

لقد قسم الباحث الحسيني مفردات هذا الكتاب إلى مقدمة وتمهيد أفاض فيهما في شرح عدد من النقاط التي تحدث عنها في أبواب الكتاب وفصوله , التي جاءت على النحو الآتي :

الباب الأول : التعريف النسب لغةً واصطلاحًا , حيث أورد الباحث بعض الأقوال التي تناولت علم النسب لغةً واصطلاحًا , ثم ختم هذا المبحث بقوله : ” يمكن تعريف علم النسب بأنه العلم الذي يبحث في العلاقات التي تربط ( علم الأنساب ) بأصوله وفروعه وحواشيه ” .

الباب الثاني : صلة الأقارب وأنواعها , واشتمل هذا الباب على ثلاثة فصول ، جاءت وفق هذا الترتيب : الفصل الأول : الصلة بالوالدين . الفصل الثاني : الصلة بالعم والجد القريب . الفصل الثالث : الصلة بالجد البعيد .

الباب الثالث فقد حمل اسم الأنساب ، وفي هذا الباب أفاض الباحث في الحديث عن هذا العلم , وكان بحق بمثابة العمود الفقري لهذا العمل , وكأن ما تقدم من بابين بمثابة توطآت لهذا الباب الذي جاء في عشرة فصول . الفصل الأول : معرفة النبي – عليه الصلاة والسلام – بالأنساب . الفصل الثاني : أهمية علم الأنساب , وقد احتوى هذا الفصل على سبعة عشر مبحثًا . الفصل الثالث : طبقات الأنساب . الفصل الرابع : أنواع النسب . الفصل الخامس : درجات النسب . الفصل السادس : مصطلحات الأنساب . الفصل السابع : رموز الأنساب . الفصل الثامن : طرائق إثبات النسب . الفصل التاسع : المشجر والمبسوط في الأنساب , وقد احتوى هذا الفصل على خمسة مباحث . الفصل العاشر : الصفات المطلوبة في الباحث بعلم الأنساب .

الباب الرابع : تراجم أشهر النسابين منذ العهد النبوي إلى العهد العباسي .

ثم ختم المؤلف هذا المجهود العلمي بخاتمة قصيرة مختصرة راجيًا أن يسهم هذا العمل ” في الإثراء المعرفي للباحثين بهذا العلم النبيل , الذي يظل بحاجة للمزيد من الغوص في بحوره , وسبر أغواره ” .

في خاتمة هذا العرض يجدر بنا الإشارة بأن ما يميز أمثال هذه الكتب أنها متقاطعة مع علوم التاريخ والاجتماع وبعض مباحث العلوم الدينية كصلة الرحم وعلم المواريث , وهذا التداخل الدقيق مع مثل هذه الفروع يجعل مثل هذا العلم شيّق الدراسة , وجديرًا بالبحث والاهتمام .

باحث سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *