(قليل الأصل) عند الفنان محمد العربي !

بقلم: محمد أحمد بابا*

يُطربُ الفنان المصري (محمد العزبي) محبّيه ومتابعيه ومن يروق لهم هذا النوع من الغناء ذي المعاني البسيطة عندما يغني أغانيه التي يحفظها أصحاب المهن الحرة والكدّ البدني في حياة أصبحت فيها العلاقة بين الروح والجسد تحتاج لشحذ وصقل ..
وفي أجندة المواقف النفسية التي تَمُرّ على الشخص مع أقرانه وأصدقائه كثير مما يوحي لكتّاب النصوص الغنائية الشعبية بمجال واسع من الرؤى والإبداعات ليؤدّيها المغنون بقدر متفاوت من الإحساس والتفاعل عندما تحين الفرصة في حفل أو مناسبة حتى ولو لم تكن تليق بعرض فنّهم وأغانيهم بها، فيلتقط المستمعون إلى هذه الفواصل راحةً وشجوناً كأنهم يستدعون لحظاتٍ مستحقّة لطبائعهم الطيّبة ..
وكنتُ ممّن دفعتهم هذه الجملة من أغنية (العزبي) التي تقول: أنّ قليلَ الأصل عملَ فصلاً تطلّب ردة فعل غاضبة منه، فكثيرٌ ما نحاول أن نعزو حوادث تحصل بين أي اثنين يعاتب أحدهما الآخر على شيء فعله أو تصرّف صدر منه لأسباب خارجة عن موضوع الموقف الأصلي كعادات أو تقاليد أو أعراف أو حتى نميمة أو وشاية حفّزَت هذا الجوّ الطارئ من المشاحنات ، وغالباً ما يأتي مصطلح (الأصل) منقذاً لكلّ المواقف وتخبّطات التفكير الباحث عن سبب لما حدث ..
وفي هذا الجزء بالذات (الأصل) نقف حائرين عند سؤال من يسألنا لو تفوّهنا بأنّ الأصل هو السّبب فيما حدث من صاحب أو رفيق درب، إذْ يغيبُ المقصود تماماً وتتبعثر الإجابات عند الأغلب ممّن يملكونَ حياءً من الوقوع في اتّهامات لأصول النّاس العائلية أو التكوينية العرقيّة أو انتمائه لإحدى الطبقات الاجتماعية ذات التصنيف المتدني لدى عقلية تفكير تؤمن بذلك ..
ما هو (الأصل) الذي نزعم أنّه قليل عندَ صاحبنا الذي غضبنا منه أو كان مصدر عتبنا أو (زعلنا) هذا؟ وما هي فلسفة وصف ذلك الأصل بالقلّة ؟ هل هي قلّة نوعيّة بمعنى تحجيم الفائدة أو القدر الوصفي الاجتماعي؟ أو قلّة عددية بمعنى نقص توافر الأخلاقيات والسلوكيات المانعة من إحراج الآخرين؟ أو هو أصلٌ تحكّم في طبيعة بعض النفوس جعلَ من محاولاتهم أن يغيّروا ما بأنفسهم أمراً مهدّد بالزوال وانقشاع الغطاء والزّيف؟ لتأتي هذه الجملة مريحة لمن فقَد النوم حرقة على صديقه الذي صُدِمَ فيه وبدا منه ما لم يكن يتوّقعه متّهماً طيبتَه وسذاجتَه متناسياً واقعه ..
من الممكن أن تكونَ أصول النّاس موزّعة في خارطة التّعامل على هيئة سلبيات وإيجابيات ليظهَر مَن أصله في الإيجاب أكثر طواعية وسلاسة وحيوية وصدقاً في تعامله مع العالم، وأمّا مَن حظّهُ في مربّعات السّلبيات أعظم فهو أحرى (بالغلط) على الأصدقاء وردّ الجميل لهم بالسّوء والتنكّر والمضايقات ..
كما أنّ منظار الرؤية الجمْعيّة التي نرى بها من نعرف ومن نتعامل معه على أنّه واحد من جماعة أو فرد من محيط ينتسب إليه وتبدو عليه نفس الطبائع والخصال التي شاعت عن هذا المجتمع أو ذاك هي التي تقودنا للحكم على إنسان بعينه أنّ أصلَ نشأته هو الذي خوّلَ له فعل هذا (الفصل البايخ) .. حكايَةُ (الأصول) أمر في غاية التعقيد رغم حبّ العقل البشري لاكتشاف الأسباب والمسبّبات لحدوث كلّ الظواهر والحوادث سواء كانت من نفس الإنسان أو من الطبيعة أو في الأجرام المحيطة بالكون، ويبقى قليل الأصل محيّراً مع هذا فلا يسلَم الواحد من أثرِ المضايقات أو (الفصول) المزعجة التي تصدر من إخوانه إلا بأن يعزّي نفسه بأن (قلّة الأصل) هي السّبب !

وخلاصة القول : أنّ النّاس في الأصل طيّبون يحملون في صدورهم شحنات موجبة كبيرة من التعاون والتفاني لخدمة الآخرين تستطيع التفاعل بشكل موفّق مع أيّة شحنة سالبة تصدرها نفس مريضة أو قلبٌ (قليل الأصل).

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *