ظاهرة التحول من جنس أدبي لآخر بين مؤيد ومعارض

ظاهرة التحول من جنس أدبي لآخر بين مؤيد ومعارض

تحقيق: ملاك إبراهيم العجيلي

سلطت مجلة فرقد الإبداعية في ملفها للتحقيقات الضوء على ظاهرة التحول بين الأجناس الأدبية عامة، وبين التحول من جنس لآخر قبل التميز في جنس أدبي محدد، خاصةً لكون هذه الظاهرة أصبحت سمة من سمات المبدعين في هذا العصر؛ فقد أصبح من الممكن أن نرى الشاعر روائياً، وناقداً، ومسرحياً، بعد أن كان التخصص كقاص فقط وشاعر لا غير.. إلخ هو الدارج والمتعارف عليه، وأخص كلمة الدارج بالذكر؛ لأن التحول بين الأجناس الأدبية ظاهرة ليست جديدة أو مستحدثة، ولكنها أصبحت سمة بارزة للمبدعين الآن، كما أنه قد تعددت حولها الآراء واختلفت؛ فهناك من يراها من المتخصصين فتحاً لأفاق جديدة، وهناك من يراها فوضى؛ والمبدع المتحول بلا هوية.

لذا قمنا في مجلة فرقد الإبداعية بطرح عدة تساؤلات حول هذه الظاهرة، المثيرة للجدل على مستوى الوطن العربي، وهي: ما رأيك بهذه الظاهرة عامة؟، وما رأيك بتنقل الكاتب بين أكثر من لون أدبي، قبل أن يتميز في لون منها خاصة؟، وما سبب عدم ثباتهم في الكتابة بجنس أدبي محدد؟.

  • الرمادي: مررت بهذه المرحلة من التشتت، حتى وجدت ضالتي، من يتحول من جنس أدبي لأخر بغية الشهرة؛ هو كاتب بلا هوية إبداعية، وعمره الإبداعي قصير.
  • الخضير: أخطأ العقاد في خوض تجربة الشعر، من حقك كمبدع أن تخوض التجربة في كل جنس أدبي، ولكن تحمل عواقبها.
  • الدرورة: أحلام مستغانمي لا أحد يعرف أنها كانت شاعرة في بداياتها، تعدد الأجناس الأدبية موهبة ربانية، وتجربة قل من يخوضها.
  • البلوي: التحول من جنس أدبي لآخر ميزة، الأعمال الرديئة ستندثر، وتذروها الرياح.

شاركنا الأديب الدكتور علي الدرورة  بقوله:

تحول الأديب من نسق أدبي إلى آخر، فيه دلالات على القدرة الإبداعية، فإذا كان تحولاً سريعاً فهو من باب التجريب، وإلا عد من باب الإلغاء؛ وهذا لا يعني أنه ركوب الموجة كما يقال، فهذا حكم قاسٍ على المشتغل بالأدب، دون معرفة قدرته الإبداعية، وميوله الفكرية؛ كثير من الشعراء بدأوا بالشعر وانتهوا روائيين، مثل أحلام مستغانمي فلا أحد يعرف بأنها كانت شاعرة في بدايات انطلاقتها، ثم تحولت إلى الرواية، وهذا ليس عيباً كما يظنه البعض؛ فالطفل يحبو ثم يجري، والأديب في نشأته يكتب الخواطر كتاباً واثنين وثلاثة، ثم يتخذ مساراً صحيحاً لمسيرته الثقافية، وهذا لا يعيبه إذا عمل في عدة أجناس أدبية، فما المانع أن يكون شاعراً، وقاصاً، وروائياً في الوقت نفسه؟، وتعدد الانساق أوالأجناس الأدبية دلالة إبداعية واضحة، وموهبة ربانية، وقل من يخوضها؛ ولهذا نجد كثيراً من الأدباء محشورون في نسق أدبي واحد، لا يستطيعون الخروج منه؛ فالقاص لا يمكن أن يعطي قصيدة، والعكس كذلك، الشاعر لا يمكنه كتابة رواية، والسبب في ذلك لم يخض الغمار منذ بداياته الأدبية.

أجابنا الناقد الدكتور أبو المعاطي الرمادي قائلاً:

أنا مع كتابة الأديب في أكثر من جنس أدبي، على أن يكون متميزاً في واحدٍ منها، تميزًا ملحوظًا، وله باع في الكتابة فيه، بشهادة النقد والنقاد، لا بشهادة الجوائز. أعرف أدباءً شباباً من شرق الوطن العربي وغربه كتبوا الشعر، وخلفوا منجزًا إبداعيًا راقيًا، يشار إليه بالبنان، وكتبوا الرواية، فبلغ إبداعهم السردي من الرقي مبلغًا يحسدون عليه، وكتبوا في المسرح، فأصبحت كتاباتهم علامة، لكن انتقالهم من الكتابة في جنس أدبي إلى جنس أدبي آخر، كان بعد إخلاص إبداعي للجنس الأول، وهم ليسوا بدعاً في ذلك؛ فقد سبقهم إلى ذلك شوقي أمير الشعراء، الذي كتب (شيطان بنتاؤر)، وحافظ إبراهيم شاعر النيل الذي كتب (ليالي سطيح)، وجبران خليل جبران الذي كتب (الأجنحة المتكسرة)،

لقد كان تنقلهم بين الأجناس المتفقة في خطوطها العريضة؛ سببًا في إنتاج نماذج إبداعية متميزة؛ فقد ساعدهم الشعر على إبداع نصوص سردية مختلفة مع السائد، وساعدهم السرد على كتابة قصائد ذات ملامح جديدة؛ ضمنت لهم التحليق في سماوات الإبداع، وأتاح لهم هذا الإمساك بتلابيب أكثر من جنس أدبي فرصة التجريب ـ التجريب الواعي ـ الذي لا يحيا الأدب بدونه.

وأيضاً مع الكتابة في أكثر من جنس أدبي، من المبدع الموهوب الذي لم تتضح أمامه معالم الوجهة الإبداعية، المتنقل بين أغصان شجرة الإبداع؛ حتى يجد الغصن المناسب لإمكاناته، وميوله الفنية، فهذا الصنف من المبدعين الموهوبين، عندما يضعون أيديهم على الجنس المناسب لطاقاتهم الإبداعية؛ يخلصون له إخلاصاً عظيماً، ويتميزون فيه.

وقد مررت بهذه المرحلة من التشتت في بداية رحلتي مع الإبداع؛ حتى وجدت في القصة القصيرة ضالتي، فقد كتبت الشعر، لكن ما كنت أريده كان لا يأتيني، وما يأتيني كان بعيداً جداً عما أريده.

وأرفض بشدة من ينتقلون بين الأجناس الأدبية؛ رغبة في الوجود تحت مركز أضواء الشهرة، أرفض من يحضر في ندوة قاصًا، وفي الثانية شاعرًا، وفي الثالثة ناقدًا بغية الشهرة والانتشار؛ فهؤلاء بلا هوية إبداعية، وعمرهم الإبداعي قصير، همهم صفة الأديب القاص، الشاعر، الناقد، والوجاهة الاجتماعية من وراء ذلك، يظهرون فجأة، ويختفون فجأة، دون أثر إبداعي يعرفون به، ومن يطول عمره الإبداعي منهم، يظل على هامش الجودة الأدبية، مهما سلطت عليه الأضواء.

ويرى الشاعر عبدالله الخضير:

أنه قد حيط بالأديب حالة من الفوضى في الكتابة، إن لم يكن مخلصاً لفنه، والجنس الذي يكتب فيه؛ ولذلك يجد نفسه بين متغيرات فكرية، تنعكس على حالة اللاوعي الكتابية، وبهذا قد يكون مثقفا أحاط من كل علم بطرف، ويريد أن يكتب ويبدع في كل المعارف، دون النظر إلى الجنس الأدبي الذي هو يتقنه. هنا يتحول الشاعر إلى روائي، والصحفي إلى مسرحي، والقاص إلى كاتب مقالة، والمفكر إلى شاعر، هنا تحدث الفوضى وعدم احترام الجنس الأدبي بالنسبة للمبدع، فإما أنه يريد الشهرة في كل جنس، أو لأنه لم يلتفت إليه أحد فيما يكتب، ويريد أن يجرب فيدخل في دائرة التجربة؛ اعتقاداً منه أنه يمتلك ثقافة تؤهله لخوض هذا الميدان .  .

نعم نقول هناك تجارب نجحت في هذا التنقل إن صح التعبير، ولكن يظل معروفاً بالجنس الأساسي الذي هو ابتدأ به، طه حسين عرف ناقداً ومفكراً، رغم أنه من كتاب النثر، العقاد عرف مفكراً وفيلسوفا، وله تجربة شعرية، ولكن شعره ضعيف، وأخطأ العقاد في خوض هذه التجربة؛ ولكن لا نستطيع أن نقول أن هدفه الشهرة ؛ لأنه لا يحتاج لذلك ولكنه يحب الشعر وينقده، وليس كل ناقد شاعر، تجربة القصيبي كانت ناجحة بامتياز شعراً ونثراً، فمن المجموعة الشعرية الكاملة إلى شقة الحرية، وهكذا ومن يقرأ مقدمة غربة الراعي، وهي سيرة ذاتية لإحسان عباس، يدرك مدى خوف المبدع من النقد؛ ولذلك قال هي ليست رواية، وإنما ألح علي أخي وأصدقائي لكتابتها فكتبت، وهو لا يراها رواية وهنا احترام الفن.

قرأت قصائد شعرية للغذامي في معجم البابطين، ولكنه احترم جنسه الأدبي، وهو التنظير للنقد الثقافي، وقد أبدع ولم يعط للشعر إلا ما يكون بينه وبين نفسه. ما أريد قوله تلك نماذج لا تبحث عن الشهرة، أو أنهم لا يحترمون فنهم، ولكن هي محاولات لخوض جنس أدبي جديد، يرى بأنه قادر على خوضه بحكم الرصيد الثقافي لديه. الآن في مشهدنا الثقافي العربي، أصبح الكتابة في كل الأجناس هاجس الكثيرين، بل ويرى البعض أنها فرصة للشهرة، كسب مردود مادي لو نجح فيها.

كما أنني التقيت بأحدهم وهو شاعر، ويقول حتى تكون مشهوراً أكتب الرواية؛ لأنها أصبحت ديوان العرب؛ وفعلاً قرأت له مجموعة قصصية، وللأسف أخفق فيها برأي النقاد الذين اطلعوا عليها، وخسر الشعر والنثر، وأصابه الإحباط من عدم نجاحه في الجنسين. على المستوى الشخصي، ومن خلال ممارستي للحالة الشعرية، حاولت أن أكتب سيرة ذاتية، في تجربة ابتعاث إلى إحدى الدول؛ حيث قضيت فيها أربع سنوات، نعم كتبت فيها شعراً، ولكن تنقصها التفاصيل التي هي في الرواية، وكلما حاولت أن اكتبها كرواية لا أستطيع وأتوقف، ولكن هناك نافذة من الأمل لكل مبدع؛ أنه يحق له الكتابة في كل الأجناس، بشرط إذا كان يتقن أدوات الكتابة في هذا الجنس الأدبي، وتستتم عنده الآلة كما يقولون. رسالتي لكل مبدع لا تدخل ساحة المعركة، وتظن أنك ستنتصر، وسيصفق لك الجمهور، بل ادخل المعركة وأنت واثق أنها انتصار وهزيمة؛ فلا تثق بنفسك كثيراً، ومن حقك أن تخوض التجربة، ولكن تحمل عواقبها؛ فإما أن يرميك الجمهور بالحصا وقوارير الماء؛ كرها في إبداعك، أو يرشون عليك عطر الأماكن؛ حباً وابتهاجاً باحترامك لذائقتهم.

ويعقب الروائي الأستاذ براك البلوي قائلاً:

لا أرى ما يمنع من عدم ثبات الكاتب على جنس أدبي معين، طالماً هو ضمن مسار الأجناس الأدبية المعروفة، من الشعر، أو النثر، أو القصة بكافة فروعها، بل هي ميزة لا يستطيع ممارستها إلا من يملك الموهبة، ولكن الإشكالية في أن يكون ما يكتب لا ينتمي لأي جنس أدبي ، من الأنماط الأدبية المعروفة، سواء القديمة أو الحديثة.

وإذا تتبعنا تاريخ الأجناس الأدبية لدى بعض الثقافات؛ فإن الإخلال بالجنس الأدبي أو تداخله، يعتبر خروجاً عن المألوف، بينما لدى ثقافات أخرى يعتبر حداثة وتجديدا، ويرى أرسطو في هذا المجال؛ أن مهمة الأديب تتسم في الابداع والابتكار، وربما توجيه هذه الأسئلة في هذا التحقيق للنقاد أفضل من أي شخص آخر؛ كونهم يرون بزاوية لا يراها سواهم،. وفي النهاية يمكن القول بأن الأعمال الرديئة ستندثر وتذروها الرياح، ويبقى العمل الجيد المتقن يخلد اسم صاحبه.

3 thoughts on “ظاهرة التحول من جنس أدبي لآخر بين مؤيد ومعارض

  1. طرح مميز و ثري ،،
    هي كذلك الحياة خوض تجارب عديدة حتى يحدد وجهته الأديب و أين سترسوا سفينته الأدبية .

  2. ابدعتتتي في اختيار الموضوع وحبيت وجهات نظر الكتاب المتنوعة …

    وجهة نظري على الكاتب أن يبحر في شتى أنواع الكتابة ليجد ضالته بنوع أدبي واحد فقط ، ولا يمنع ذلك أن يخوض بتجربة جميعها
    ” فالموهبة تحتاج إلى تغذية ، والكتابة تحتاج إلى ممارسة “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *