الثنائيات المتضادة في رواية الجنين الميت للروائي ناصر الجاسم

 

بقلم: أحمد طاهر العليو 

عين الروائي عين دقيقة وعميقة البعد والغوص وهي تربط الطبيعة ومكوناتها المحيطة بالإنسان وانعكاسها عليه في حياته. الروائي له رؤية مملوءة بالأحاسيس والعاطفة وتلمس الأشياء والمخلوقات بطريقة يتفرد بها عن الآخرين مما تجعل قيمة ما ينتجه من سرد روائي يحرك المشاعر والعاطفة لدى الآخرين، ويلفت أنظارهم إلى أماكن ومفاصل في حياتهم اليومية لم تكن مثارا لتأملهم وعقولهم. وقد يكون الحدث يفرض عليه أسلوبا أو تقنية تأتي من اللاوعي حين تهيمن الأحداث والشخوص والأمكنة على وعيه. وقد يختلف القراء في تلقيهم للرواية، وهذه الإضاءة لرواية الجنين الميت للروائي ناصر سالم الجاسم حتما لن تشع أو تضيء كل مساحات الرواية وتفاصيلها. وإنما ستتمحور حول سمة بارزة في الرواية، وهي الثنائيات المتضادة التي ارتكزت عليها في أعمدة الرواية الشخوص والمكان والزمان والأحداث واللغة.

 الجنين الميت بلغتها الجاذبة ومخيلتها المحلقة تستبطن قاع الإنسان لتكشف ما في أعماقه من رؤى وأفكار وأحاسيس في ذاته، أو متجهة نحو الآخرين، كما تغوص في منطقة اللاشعور في أعماق الإنسان بطريقة تقنع القارئ. إنّ كل إنسان تمور في داخله أفكار ورؤى متنوعة، لكنه ربما لا يستطيع البوح بها لعدم قدرته اللسانية أو اللغوية في التعبير عنها، وربما الخوف المعشعش في داخله بسبب الرقابة الاجتماعية والسياسية يقمع تلك الأفكار فتظل حبيسة داخل أسوار الصمت، وهذا ما نجده في”الجنين الميت” التي سُردت بضمير المتكلم للشخصية الرئيسة (عمر السالم) التي تعيش وتنشأ وسط مدينة الشمال المحفوفة بالقسوة واللإنسانية وتتعلق روحها بفتاة من الشقيق، فيصبح إنسانا آخر قد انقطع حبله عن مدينته المنبجسة بالعنف والقسوة والتدمير. هذه الشخصية التي لا نكتشف اسمها إلا في نهاية الرواية، وكذلك أيضا اسم محبوبته دانة الحسن عندما تذيل رسالتيها باسميهما. الرواية المكونة من 82 صفحة والتي كتبها الروائي ناصر الجاسم تميزت بالثنائيات المتضادة في الرواية، وهذه الثنائيات المتضادة وجدت في الشخوص والعنوان والمكان والزمان واللغة.
المكان المستمد من بيئة محافظة الأحساء شرق المملكة العربية السعودية ساهم في تشكيل هذه الثنائيات لما للمكان من قدرة في التأثير على الشخوص واللغة السردية التي كتبت به الرواية، وواحة الأحساء محافظة تتميز بالخضرة والنخيل والأنهار الصغيرة والعيون الدافئة والباردة، وهذه الرواية اقتربت من معالم هذه البقعة ذات الطبيعة السّاحرة، واستطاعت أنْ تحفر بنباتها وخضرتها ومائها وكائناتها الحية في الشخصية الرّئيسة ومكونات الرواية.


 *ثنائية المكان.
وردت في الرواية عدة أسماء للأماكن، وكلها أسماء حقيقية باستثناء مكان واحد أعطاه الروائي اسمًا لا يمت للواقع بصلة، ولا أدري لماذا الروائي صرّح بأسماء أمكنة حقيقية بينما كان اسم “الشمال” رمزا؟ وربما كانا مكانا الشمال والشقيق هما الأكثر حضورا وهيمنة في الرواية، وشكلتا ثنائية متضادة في الرواية. بينما حضرت مكة المكرمة كمكان ثانوي في الرواية في نهاية الرواية، أما القارة والقرين فحضرتا بصورة سريعة وقد حملتا إشارات ومعالم لهما هما جبل القارة وزراعة الأرز (الحساوي). أما الشمال والشقيق فحضورهما كان طاغيا، فمدينة الشمال ذات ملامح قاسية وأفكار متناقضة والتي تحاول الشخصية الساردة أن تقاوم وتجابه البناء الثقافي والاجتماعي المتسلط في هذه المدينة الخالية من معاني الإنسانية، وتزرع في بيوتها كل أنواع القسوة والعنف الدموي رغم التزامهم بالواجبات الإسلامية، وتتضاد مع الشمال مدينة الشقيق والتي يفتتح الراوي مشهد الرواية بوصف هذه المكان الجميل الرومانسي الممتلئ حبّا وجمالا بلغة شعرية عذبة متعانقة مع الحب والاشتياق، وهو المكان الممتلئ أمنا (فخذيني إلى صدرك وقوسي أضلاعك عليّ، اخنقيني بحضنك مرات كثيرة، وأنسيني طعم الموت بعيدا عنك). إذن هناك تضاد في مكانين متناقضين، فالشمال القاسي وأهله نفوسهم قاسية تقطر الدماء من أنيابهم، وبينما الآخر الشقيق الأنثى البيضاء.


*ثنائية الزمان.
حينما نلتقط جزءا من الزمن، وهو وقت الصباح نجد أنّ الروائي ناصر الجاسم برع في تصوير الصباح في كلا المكانين، فصباح المدينة المحبوبة (كل هذا يا شقيق والعشب يقف وسيما جذابا للعصافير يدرج في جداوله الصغيرة) أما صباح الشمال ( فهو يقطر بالبرودة القاسية. فالحواس متضادة في التعامل مع الزمنين، فهي تنتشي بصباح الشقيق، وينبعث الأمل والحياة، بينما تصاب الحواس بالرائحة الكريهة والمنظر القبيح في صباح الشمال.


 *ثنائية الشخوص.
عمر السالم شخصية وُلدت في الشمال إلا أنّها تخرج من رحم هذا المكان بصفات تناهض شخوص هذه المدينة، فهو لا يشعر بالغربة والألم والوحدة فقط، وإنما يشعر بأنه كائن يحاول أهل مدينته أن يجعلوه فارغا من الإحساس والمشاعر وأحيانا يشعر بأنهم يريدون أن يتحول إلى حيوان، بينما نجد يوسف الشمالي الكافر والقاسي والتي قامت الرواية بوصفه جسديا واجتماعيا فهو النقيض لـ عمر السالم. فعمر لا يمت بأفكاره ورؤيته إلى مدينته، وهو معجون بالليونة واللطف بسبب ارتباطه بأنثى الشقيق (أنثى الشقيق لمست وجهي فرّقت خدودي، فكرهت حمل السلاح والرصد به، واكتفيت بحمل الهدايا والعطور والورود).


 * ثنائية العنوان.
حين نلمح العنوان المكون من كلمتين( الجنين / الميت) نجد أن المفردتين متضادتان، فالجنين يوحي بالولادة وبداية الحياة، والأم والأب يستبشران بقدومه، بينما مفردة الميت هو النهاية، لذلك العنوان لا يفصح عن معناه، إنما يفهم عند النهاية، وهكذا هي بعض العناوين لا يتضح كنه معناها إلا مع آخر علامة ترقيم، فالحب هو جنين قتل في بدايته، ولم يستمر فيما بعد إلى طفل ينمو وينمو.


 *ثنائية اللغة.
اللغة مكون من مكونات الرواية الأساسية، واللغة هي من تشد القارئ لقراءة الرواية مع العناصر الأخرى. واللغة قد تكون متوشحة بالخيال العذب، فتشد القارئ وتهب له المتعة والدهشة، والجنين الميت لديه معجمان من المفردات، فالسارد حينما يقترب من بلد المحبوبة تصبح اللغة متدفقة بالحب والوجدان والصور الناعمة الرقيقة، أما حين تقترب من الشمال المكان المتضاد تصبح اللغة دلالتها وحشية خشنة دموية (الشماليون نسل لصوص، نسل قطاع الطرق تجمعوا حول التمر والماء وحكموا أنفسهم بالسلاح والدماء). وهذه إحدى الثنائيات المتضادة في الرواية، والتي تعمق الشخوص والمكان.
ولا يمكن الانتهاء من هذه الورقة دون الإشارة إلى زمن أحد الفصول وهي ليلة النصف من شعبان التي لها طابع خاص بما تحمله من موروث ديني واجتماعي في الأحساء (ليلة الخامس عشر من شهر شعبان ورائحة الحناء تملأ المكان والشقيق كلها تتخضب به). وكلّ هذه الطقوس الجميلة والفرح والبهجة والروائح النباتية الزكية لا تستطيع إيقاف الأحاسيس المريضة في نفس عمر السالم حين يلتقي بحبيبته، بل يتحول الزمان والمكان إلى لعنة تحل على عمر السالم، وتفقده توازنه النفسي فيما بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *