تعانق الأجناس الأدبية في كتاب ” عروق الذهب ” للدكتور سعود اليوسف

محمد مهاوش الظفيري

صدر كتاب الدكتور سعود بن سليمان اليوسف” عروق الذهب، دراسة لجماليات النقد الأدبي ” عن نادي تبوك الأدبي الثقافي بالتعاون المشترك مع دار الانتشار العربي، الكائن في طبعته الأولى عام 1437هـ / 2016م تبوك/بيروت، في 590 صفحة من الحجم المتوسط . وقد جاء تحفة أدبية زاخرة بالعلم والمعرفة وإشراقة ثقافية تسطع بنور شمسها على عالم الأدب والنقد بالمملكة والخليج خاصة , وفي عموم أقطار العروبة بشكل أعم .

ذكر الدكتور اليوسف في أول الكتاب بأن هذه الدراسة النقدية الأدبية ” كان أصلها أطروحة قدمها للحصول على درجة الدكتوراه بعنوان : أدبية الخطاب النقدي في المشرق العربي حتى نهاية القرن الرابع الهجري – دراسة إنشائية ” لكنه حينما أراد طرح هذه الرسالة للقراء لتكون في متناول أيدي الجميع ارتأى المؤلف حجب هذا العنوان الأكاديمي الثقيل، وعرضه بصيغة فنية قابلة لانجذاب النفوس إليها، لاسيما وأن مدلول “عروق الذهب ” له دلالات أبعد من عالم الشعر والأدب، إضافة لحضور هذا الكلام في أدبيات الموروث العربي القديم .

من يتصفح الكتاب سيجد فيه زخمًا معرفيًّا وافرًا تراوحت منهجية المؤلف فيه ما بين النقد الأكاديمي الدقيق كونه في الأساس رسالة علمية لنيل درجة الدكتوراه، وبين الطرح الأدبي الذي يراعي عوامل الفن والجمال في تذوق هذا النوع من الكتابات .

اشتمل الكتاب على مقدمة وتمهيد وخمسة فصول وخاتمة وتوصيات، منهيًا هذا المجهود العظيم والجميل بقائمة كبيرة من المراجع والمصادر بلغت 500 مرجعًا ومصدرًا .

حمل الفصل الأول اسم ” لغة الخطاب النقدي ” اشتمل على مدخل وثلاثة مباحث، وكان المبحث الأول ” اختيار الألقاب ” وفيه تحدث المؤلف عن جماليات الألقاب، وتطرق لبواكير هذا الاهتمام منذ العصر اليوناني، ولم يكن مقصورًا على العرب دون سواهم، إذ تحدث عن الألقاب العامة والخاصة للشعراء وغيرها من المفردات الأخرى . ثم كان المبحث الثاني ” جماليات التراكيب ” وفيه درس الباحث الألقاب المركبة، مثل ” طفيل الخيل – باعث الطيلسان ” وغيرهما من المفردات الأخرى . وجاء المبحث الثالث ” الروافد النصية ” واشتملت هذه الروافد على الجانب الديني والأدبي , وأوضح المراد من الروافد بقوله : ” أن يستعين المنشئ في رسالته باقتباس معنى من القرآن الكريم، أو الحديث الشريف ،  أو من الشعر ” وميزة هذه الروافد للنص أنها تمثل عاملاً جماليًّا في تنوعيه الأسلوبي .

حمل الفصل الثاني اسم ” الصورة في الخطاب النقدي ” ، وقد جاء مثل تقسيم الفصل السابق،  حيث اشتمل على مدخل وثلاثة مباحث، المبحث الأول ” مصادر الصورة ” ومن أهم محفزات تكوين الصورة هو الخيال الذي ينتج عن عوامل عدة كالتخيل والمشاهدات وما يختزنه الوعي الباطني , وهذه المصادر ترفدها عوامل عدة كالطبيعة والخرافة والغيبيات، وقد أقرّ المؤلف اليوسف على صعوبة حصر الحقول الدلالية ، وعلى ضوء هذا قال بأن ” استقصاء مصادر الصورة أيضا على قدر من الصعوبة ” ، لكن واصل البحث فأخرج للقراء والمتابعين قدرًا هائلاً من الثمرات اليانعة في هذا المجال . أما المبحث الثاني ” أنواع الصورة ” التي ذكر منها : الصورة البصرية ، الشمية ،السمعية ، الحركية ، اللمسية ، الذوقية ، النفسية والحركية . بينما كان المبحث الثالث ” تناسل الصورة ” ، وفي نظرة عاجلة لهذا المبحث سيكتشف القارئ بأن هذا المبحث يدور في حقل علم التناص تأثيرًا وأتأثرًا ، وهذا ما اتضح من عناوين هذا المبحث كما هي مبينة في الكتاب ، وهذا الشيء – وهو المبحث الثالث – يؤكد على حقيقة أن الثقافة الأدبية نسيج متداخل يأخذ من بعضه بعضًا .

حمل الفصل الثالث اسم ” الإيقاع في الخطاب النقدي ” واشتمل على مدخل ومبحثين ، وكان هذا الفصل يتناول تأثير الحالة الصوتية في تشكيل بنية الخطاب الجمالي إيقاعيًّا , وهو ناتج عن ملازمية تواجده في العمل الأدبي ، لهذا كان النقاد لا ينظرون للمحسنات البديعية ، ن باب الزخرف اللفظي فحسب ، بل نظروا إليها من جانب إدراكهم بحقيقة ” أثرها الجمالي ، وقيمتها في سياق الأساليب التأثيرية ” لهذا عقدوا لها الأبواب والفصول كالجاحظ وابن المعتز ، لذا تناول الباحث ” وقع اللفظة ” وأثرها الجمالي في تشكيل الخطاب النقدي ، وتطرق لمدلول ” تناغم الكلم ” وهو الذي أشار إليه أبو حيان التوحيدي ” أحسن الكلام ، ما رق لفظه ، ولطف معناه ، وتلألأ رونقه، وقامت صورته بين نظم كأنه نثر ، ونثر كأنه نظم ” .

حمل الفصل الرابع اسم ” تداخل الخطاب النقدي مع الأجناس الأدبية ” واشتمل على مدخل وخمسة مباحث، وهذا في ظني هو جوهر الكتاب وعموده الفقري ، ويجدر بنا هنا التوقف عند ما نقله الدكتور سعود اليوسف في مقدمة كتابه عند مقولة نسبها للدكتور محمد أحمد ربيع تقول : إذا كان الشعر مصنوعًا بطريقة خاصة ، فإن الكتابة عنه ينبغي أن تكون بلغة خاصة لها أسلوبها التعبيري المميز ، ومصطلحاتها التي تضيء النص الشعري ، وتحدد ملامحه الفنية ،  وعناصر الإبداع فيه . لهذا تداخل النقد مع عدد من الأجناس الأدبية كالشعر والمقامة والرسالة على سبيل المثال كما أوضحها المؤلف في الكتاب .

حمل الفصل الخامس اسم ” وظائف الأدبية في الخطاب النقدي ” ، وقبل الحديث عن مفردات هذا الفصل ، يلزمنا العودة لِمَا ذكره المؤلف في تمهيد كتابه ، للوقوف عند المراد بمصطلح ” الأدبية ” الذي جاء متوافقًا مع مصطلح ” الشعرية ” وكلاهما آفاق جمالية وفنية ومجازية وانزياحية ينبعان من الأدب والشعر ، فالأدبية على الأدب كالشعرية على الشعر ، وهما مثل قياس الكلام على اللغة .

هذا الفصل يشتمل على مدخل وثلاثة فصول ، وهذه الفصول تدور جول التعانق الجمالي والأسلوبي ما بين النقد ومباحث الأدب الأخرى ، وقد جاءت مباحث هذا الفصل مشتملة على وظائف : التعبير – الإقناع – الإبداع ، وكان أول ما طالعنا به المؤلف هو الحديث عن وظائف اللغة في الخطاب الإبداعي والنقدي كونها تحوم حول فكرة التواصل والتوصيل ، وتبحث في غايات المتحدث والأساليب التي يتوسل بها لإبلاغ رسالته . ومن هذا المدخل تسلسل به الحديث عن تلك القيم الفنية التي ختم بها فصول هذا الكتاب .

في خاتمة هذا العرض لكتاب ” عروق الذهب ” للدكتور سعود اليوسف الذي جاء برؤية نقدية تحليلية ، يكتشف القارئ بأن المؤلف قد وضع كل ما لديه من مهارة وإتقان في ترتيب وتنسيق مفردات كتابه ، وكانت لغة الباحث الأكاديمي واضحة عليه ، وهذا الوضع جاء متناسقًا ربما مع طبيعة عنوان الرسالة الأصلي الذي قدمها للجامعة كونها بحثًا أكاديميًّا ، علاوة على ما سبق يتضح الجهد المضني الذي استغرق من وقت الباحث ، وذلك من خلال الاطلاع على الكم الهائل من المصادر والمراجع التي توقف عندها من أجل إخراج هذا الكتاب بهذه الحلة الأدبية النقدية الجمالية القشيبة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *