أُمَّاه

 

بقلم: طارق بن خويتم المالكي*

ذاتَ ليلةٍ صافيةٍ قمراءَ بالغةِ الجمال. نَثَرَ البدرُ فيها شعاعَه على التلال. ذهبتُ لزيارةِ أمّي، و هي أمكم جميعًا. و أنا أحملُ لها بقلبي من الحبِّ ربيعًا. ذهبتُ إلى بيتِها، فلم أجدها. فذهبتُ إلى بستانِها، أتفقّدُها. سألتُ عنها الوردَ الجميل. فقال: كانت تسقيني قبلَ قليل. فسألتُ النخلةَ الباسقة. قالت: لقد كانت تحتي واقفة. ثم سألتُ النسمةَ الحانية. فقالت: لقد ذهبت إلى هذه الناحية. حتى أبصرتُها جالسةً على الرابية. تتوشحُ الجمالَ و تلبسُ العافية.

ما إن رأتني حتى قامت و حَيّت. و هَشّت و بَشّت. سلّمتُ عليها، و قبّلتُ رأسَها و اليدين. و جلستُ جوارها كأنني طفلٌ بين الوالدين. سكبتْ لي فنجانًا من قهوتِها الداكنةِ المُرّة. و قدّمتْ لي من نخيلِ بستانها تمرةً بعدَ تمرة. و قبل أن نتجاذبَ أطرافَ الكلام، رأيتُ في عينيها عتابًا و ملام.

قلتُ: أمّاه! تعلمين كم أحبُّكِ. و أتمنى أن أعيشَ العمرَ قُرْبكِ. وأقولُ لكِ ما قاله نزار قباني، عندما كان شاعرًا للغواني:

أنا أحبُّكِ.. لا تفسيرَ عندي لصبوتي

أُفَـسِّــرُ مـاذا؟ و الـهـوى لا يُـفَـسَّــرُ!

قالت: أجل أعرف و أقدّر لك ذلك. و أعلمُ حتى تصلَ إليَّ، أنكَ تمرُّ بدربِ المهالك. و لكن في قلبيَ عتبٌ كبير، على إخوانِك كبيرِهم و الصغير. فهم يهجرونني أيامًا طويلة، و اتخذوا غيري حبيبةً و خليلة.

قلتُ: أمّاه! حتى و إن ذهبوا لحسناواتِ الشرقِ و الغرب. فأنتِ تظلّين حبَّهم الأولَ في القلب.

قالت، و قد ظلَّلَ وجهَها سحابةُ حزنٍ رمادية: لقد ولدتُ ثلاثمائة مليونًا من أشقّائك، و أرضعتُ من صدري ملياراً و نصف المليار من إخوانك. و من لم ألِدَه من رحِمِي، فقد أرضعتُه من صدري، و لكنهم أدخلوا عليَّ الدخائل، و جعلوني مُخْتلفةً بين الشعوبِ والقبائل.

قلتُ: أماه! و لكنّكِ تتحدثين على كلِّ لسان، و ترافقينهم في كلِّ زمانٍ و مكان.

التفت إلي غاضبةً و قالت: لا تخدعني بالغزلِ الجميل. فأنا أعاني وحشةَ ليلٍ طويل.

قلتُ متعحبًا: كيف ذلك و أنتِ موجودةٌ في القرآن، و لكِ على العلماءِ و الأدباءِ سلطان؟

قالت: و لكن لم أجد عشيقًا كالأصمعي، أو حبيبًا كالشافعي؟!

قلتُ: هؤلاء أعلامٌ من أمةٍ قد خَلَت. لن نكونَ مثلهم و لو الأرضُ على السماءِ مَشَتْ. و لكن ألمْ تشاهدي في عصرِنا كم يحبُّكِ ابن عقيل، و كيف دافعَ عنكِ شاعرُ النيل، عندما تعرّضتِ لهجومٍ وبيل، و قالَ على لسانِكِ:

أنا البحرُ في أحـشـائِـه الـدرُّ كـامـنٌ

فهل ساءلوا الغوّاصَ عن صَدَفاتي؟

افترّ ثغرُها عن بسمةٍ هانئة. كَأَنّ الشمسَ أشرقت علينا في الرابية، ثم تساءلت: و أخوانك و أخواتك؟!

قلتُ: يحبونكِ حُبًا جليلًا، حتى و إن قصَّروا في بِرِّك قليلًا. فأنتِ تغتسلين في عيُونِهم. و تسبحين في قلوبِهم. فلا كثرةُ الزيارةِ تعني الوفاء، ولا طولُ الانقطاعِ يعني الجفاء.

أيها الإخوةُ الأعارب، أيتها الأخواتُ الكريمات! هذه أمُّنا تدعونا أن نَبرَّها، و أن نعودَ إلى حضنِها و نستعيدَ أمجادَها، و أن ننشرَ على الأرضِ شعاعَها، فهل عرفتم من هي؟

إنها لغتنا العربية.

كاتب سعودي*

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *