رثاء الأحاسيس للشاعرة ” ليلى الاخيلية “

رثـاء الأحاسيــس !
للشاعرة: ليلى الأخيلية

بقلم الباحثة:
عائشة فؤاد هاشم كوثر علي

بين صفحات حياة الأخيليّـة ونص الدراسة:
ليلى الأخيلية، من أهم شاعراتِ العربِ المتقدماتِ في الإسلامِ، واسمها لَيْلَى بنتُ عَبدِالله بن الرحّالةِ بن كعبٍ بن معاويةٍ بن عبادةٍ، من بني عقيلٍ بن كعبٍ، وتنتسب إلى قبيلة بني عامر . التي عُرف عن أفرادها بأنَّهم من عُشَّاق العربِ شِعرًا. وكان بينها وبين ابن عماه البعيد (توبة بن الحمير) قصة عشق مشهورة، إلا أن والدَ (ليلى) حطّم عُشّ زَوَاجِهما برفْضِه؛ لانتشار قصةِ حُبّهما بين النّاس. وزوّجها أبوها من (أبي الأذلع)، غير أن حبها لتوبة لم ينقضي ووصلها له لم ينقطع، ثم إنه قتل في أحد غاراته على بني عقيل فقالت هذه القصيدة في رثائه.
تحليلُ القصيـــــــدةِ:
تبدأ ليلى قصيدتها بكيفية مقتل المرثي، فهي تصف بدقة متناهية دقائق ما لحق بـ (توبة) وكأنها تريد أن توضح كلّ التفاصيل في محاولة محبوكة لإظهار قوته وشجاعته. كما ستَتَفَتّق لنا هذه النظرة في القصيدة بأَسْرِهَا. وقد بدأتها بتلك المقدمة الطلليّة التي تجمع بين أهمية المكان وخوائه. وكأنَّهُ ذاتُها الخالية بعد موت (توبة)، فهي موجودة لكن لا مكان لمشاعرها. تقول:
نَظَرْت ورُكْنٌ مِنْ ذِقانَيْنِ دُونَه
مَفاوِزُ حَوضَى أيّ نَظْرَةِ ناظِرِ

لأونَس إنْ لَمْ يَقصُرِ الطّرفُ عَنْهُمُ
فلَمْ تَقْصُرِ الأخْبارُ والطَّرفُ قاصرِي

فَوارِسُ أَجْلَى شَأْوُها عَنْ عَقِيرَةٍ
لِعَاقِرِهَا فِيْهَا عَقِيرَةُ عاقِرِ

كانت تلتمس أخبار (توبة)، وكان يُقابلها بعد زواجها يتحادثان، وإنْ لم تفعلْ فستصلها أخباره، فرؤية العين لَتَبْخل إذا ما قورنت برؤية الأذن -السَماع- ووصول النبأ الجليل لها، حتى وصلها خبر وفاته وتابعت سردها
للقصة في البيت الثالث وعَنَت بـ(فوارس أجلى شأوها) أي ليس فارسًا واحدًا بل كثرة، فلو كان واحدًا لتمكن توبة بفروسيته أن يقضي عليه، و(فوارس) صيغة مبالغة على وزن (فواعل)، فنقول فارس من قوم فوارس أي عرفوا بالفروسيّة ، فلم تقل: (فارس) أو (فرسان) بل هم فوارس يركبون خيولهم وهي منطلقة نحو (توبة) وهو العقيرةُ، لعاقرِها وهو (عبد الله).
وكلمة (العقر) هُنا فيها تناصّ مع قصة قوم صالح -عليه السلام- تنسجم مع أبيات (ليلى) انسجامًا نفسيًّا، قال تعالى حكاية عن حالهم: ﴿فكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ حيث تتكشّف لنا فكرة (ليلى) بأنّ (توبةَ) كان معجزةً بالنسبة لها، ثم سلبُوها إيّاه، وهي أيضًا تتوعدُهم بالعقاب جزاءَ ما صنعوا.
ونرى كيف كررت لفظ (العقر)، في البيت جناسٌ له غرضه، (عن عقيرة … لعاقرها فيها عقيرة عاقر) هُنا وفي هذا البيت خاصةً يبدو أنّ التكرار خَدَمَ الإيقاع، حركة الناقة تميل ويميل ما عليها ناحية اليمين إن قدّمت يمناها، وتميل ويميل ما عليها ناحية اليسار إن قدّمت يُسراها، فوقعُ حركتها تناسب ومُوسيقيّة الحروف وتكرار الكلمات: عقيرة/يمين، عاقر/يسار، عقيرة/يمين، عاقر/يسار.
ثم أردفت:
فَآنَسْتُ خَيْلاً بالرُّقيِّ مُغِيرَةً
سَوابِقُها مِثْلُ القَطا المُتَواتِرِ

قَتِيلُ بَنِي عَوْفٍ وأيْصُرُ دُونَهُ
قَتِيْلُ بَنِي عَوفٍ قَتِيلُ يُحايِرِ

تَوارَدَهُ أسْيافُهُمْ فكَأنَّما
تصادَرْنَ عَنْ أَقطاعِ أَبْيَضَ باتِرِ

مِنَ الهِنْدُوانِيّاتِ في كلِّ قِطْعَةٍ
دَمٌ زَلَّ عَنْ أثْرٍ مِنَ السَّيفِ ظَاهِرِ

أَتَتْهُ المَنايا بَيْنَ زَعْفٍ حَصِينَةٍ
وأسْمَرَ خطّىٍّ وخَوْصاءَ ضَامِرِ

عَلى كلِّ جَرْداءَ السَّراةِ وسابحٍ
دَرَأْنَ بِشُّبَّاكِ الحديدِ زَوافِرِ

عَوابِسَ تَعْدُو الثّعْلَبِيّةَ ضُمَّرًا
وَهُنَّ شَراحٍ بالشّكِيمِ الشَّواجِرِ

هذه الأبيات تقلب الصورة السابقة تمامًا، وخاصة عندما نصل إلى كلمة (مغيرة)، فالإغارة لا تكون إلا في الحرب، منظر الخيول المغيرة، ومن كلمة (رقي) لعلّ هذه الخيول راقية جبلاً ثم هَوَت سَوية، فبدت كما لو كانت سربًا محلقًا لطيور القطا، التي تأتي متتابعة يلحق بعضها ببعض، ويُعرف عن هذا النوع من الطيور أنّه يعيش في أسراب وجماعات، كما أنّه يُعرف بثقل مشيته ، والقَطْو

 تقارب الخطو من النشاط ، واستخدمت ليلى هذا التعبير (مغيرة)؛ لأنّه يُقال “للخيل المُغيرة: غارة، … أي ذات عدوٍ شديد، فالقوم أغاروا على (توبة) وهو في حمى
قبيلته، فجُعلت ديار (توبة) ساحة للحرب، أغارت عليهم جماعة كبيرة تُريد الثأر، فتتالت فوقه أسيافهم كأنها قطع سيوف انطلقت نحوه مجتمعة، فلا مجال لتفاديها.
وفي البيت التالي، كررت لفظ (قتيل) وهي في المستوى الصرفي وزنٌ لصفة مشبهه (فعيل)، من تكرارِه هل تُحاول (ليلى) تأكيد أنّه قُتل على أيدي بني عوف؟ لماذا تفعل والجميع يعلم بذلك؟ إذًا خلف هذا التكرار معنى أعمق من التأكيد؛ فلا نملِكُ قرينةً هُنا غير اللّغة، وليس في البيت جديد غير (أيصَر) والأيصر موضع، وهو دلاليًّا: مَنْ ليس بينهما موَّدة ولا قرابة ، لعلّها أرادتْ حالة المقتول والقتيل، فلا صلة قرابة تجمعهم، ولا مودّة بل كراهية، وربما تسخط عليهم فتكرر ذلك لهم؟ كمن يُذكر من أخطأ في حقّه بخطئِه، والكراهية أقوى دلالة في البيت.
وإنْ نظرنا إلى البيت السادس جملةً، نجد كلمة (أسيافهم) (تصادرن/توارده) بينهما طباق، (أقطاع) (باتر) كلهّا كلمات توَازتْ مع الحدثِ وتقابلتْ زمن الحدث. أمّا التوازي فمن حيث (الضّجة)، مع أنّ قرعَ السيوف مُغيّب؛ لأن (توبة) لم يقاومهم بالسيف، فلا قَعْقَعَة مباشرة بين السيوف، ولكنّ أيّ شخص سيتعرض للقَتل لابد وأنّه سيدافِع عن نفسِه مُحدثًا ومُهاجميه ضجّةً وجَلَبَةً. وأمّا التقابل فهو قدومهم خلسة قبيل الفجر، وقتٌ لا ضجّة فيه يأخذ الناس فيه مضاجعهم.
لازالت الأبيات سرديّة، تحكي الحدث. لنَتَأمّل لفظة (أقطاع) من حيث المستوى الصوتي: حَوَتْ الكلمة أربعة أحرف قوية من أصل خمسة، كلّها جهوريّة واضحة، والخامس (الألف) أضْفَى عليها طولاً. ومن حيث المستوى اللغوي: الذي تكون له أقطاع هو الليل ، وَوَاحِدُه (قِطْع)، وفي قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ ، والليل إن دلّ على لون كان السوادُ ولا شكّ، على خلاف أن البيت قال: (أبيض)، فدلالة اللون هُنا متناقضة؛ لأن الموقف كان مختلطًا بظلام الموت وبريق السيف القاطع، وظلام الليل وانفراج الفجر. تضادٌّ أبرز شدّة الظلام، وحدّة البريق. ولو تناولناه من ناحية نفسيّة، تأسفُ (ليلى) على (توبة) لأنّه رأى ظلمة الموت عدّة مرات من السيوف البيضاء وكان بريقُها آخر ما رآه. أمّا الأقطاع قد تكون وصف للسيوف بحدّة النصل؛ لأن التوارد كان نحو جسد (توبة)، إذًا التصادر سيكون من جسده أيضًا، فأصبح الرآئي لظهره يرى ظبة السيف فقط.
ثم تعرج فتصف السيوف التي فتَكَت بـ(توبة) وتقول بأنّها سيوف الهندوانيات، وهي السيوف الهندية التي صُنعت في الهند، يُضربُ بها المثل في الصلابةِ والجودةِ، لأن الهند كانت من أقدمِ البلاد التي اكتُشِف فيها خام الحديد، وتمكّنت من صناعة الفولاذ. بذكر (ليلى) هذا النوع من السيوف، تُريد بالتأكيد مَدَحَ المقتول، فالسيوفُ التي قَضَى بها نَحْبَه أصيلةٌ مثله لذلك تمكّنت من هزيمتِه، فانساب دمُه عليها مُغْرِقًا كلّ جزء فيها، وهذا الدم ينساب بلا كُلفة، دلالة على كثرة الدماء، وكثرة الدماء دلالة على كثرة الجراح وعمقها، أي أنّه لم يمت من الضربات الأولى. واستخدام كلمة (زلّ) له لفتة صوتيّة، ومعنى (زلّ) من الزَلَلُ وهو الخطأ والهفوة، وهنا

هي التي اقترفتها بنو عوف، والمخطئُ يُنكّسُ رأسهُ خجلاً من خطيئتِه، نربِطُ هذا المعنى بالمستوى الصوتي: نقول: (زلْ) منظرُ انسياب الدماء على نصل السيف، و(لَ) سقوط قطرة الدم عنه. وكلُّ هذا البيت يحكي ما تَبِع انغراز السيف حتى نَفاَذِه من الظهر.
وهكذا ارتسمت المنيّة أمام عيني (توبة)، وليست منيّة واحدة بل منايا؛ لكثرة السيوف التي مزّقته، وكأنّه مات من جديد في كلّ طعنة، وفرسه التي كان يستطيع الفرار لو ركبها تدور حول المكان، ويبدو أن الشاعرة تعمّدت ذكر الفرس ولم تُغيبها وأثبتت لها
صفة السرعة، لتَنفي تمامًا تفكير (توبة) بالهرب، فقد اتصف بالشجاعة، ومحاولاته السابقة لركوب فرسه لم تكن محاولة فاشلة للفرار، بل مطيّةً للنِزَال.
تقول الأبيات: أتته المنايا بين زعف حصينة، والزعف الدرع، إذًا كيف وصلته السيوف إلى جسده ومن ثَمَّ أتته المنايا؟ لأنّ السيف الهنديّ يُعرف بأنّه يتعدّى البيضة المعدنيّة التي توضع على الرأس فيقطعها ويتجاوزها إلى الكاهل، فبذلك نستطيع أن نجمع بين وضع توبة للدرع الحصينة، واختراق السيوف لها وإصابته في مقتل.
ثم لم تتوقف عند هذا الحدّ بل أسهبتْ تصف الخيل التي أقبلوا بها، وهي: جرداء: و”الأجرد من الخيل: القصير الشعر، والسراة ظهر الخيل، وسابح: السابحُ من الخَيْل يَمُدُّ يديه في الجَرْي سَبْحًا ، ودرأن: “دَرَأْتُه عني أَدْرَؤه دَرْأً إذا دفعته” ، وشبّاك الحديد: هي اللُّجم ، وهي الحديدة التي توضع على فِيّ الخيل، زوافر: من الزفير وهو اخراج النفس بشدّة من الفم. والصورة أنّ ظهرها أجرد من الشعر، سريعة العدو، ومن سُرعة عَدْوِها تَزْفِر زفيرًا من شدّته يُحَرّك اللّجام الذي على فمها.
عوابس أي كأنهن غاضبات بسبب سرعتهن، ومن يغضب لا يشعُر عادةً بما يفعل، فكأنها تركض ركضًا على غير عادتها، يجمعُها الغضب فاقترنت واستوت سويةً، وتستخدم (ليلى) صيغة المبالغة نفسها، يجعلُنا هذا نشكُّ في أنّ الدلالة قاصِرةٌ على الخيل وحدها، فلعلّها تناقش ذاتَ راكبِ تلكَ الخيول، إلا إنها سياقًا أقرب لوصف الخيل ذاتها. تعدو الثعلبية: الثعلبية هو نوع من العدو، و”ذلك حين تجتمع يداه ورجلاه” . وهي تفغر أفواهها أمام حديدة اللجام التي تعترض فمها.
ينتهي وصفُ الخيلِ وساحةُ الحربِ وموتُ المرثيِّ عندَ هذه النقطة، وتكتفي (ليلى) بهذه المقدّمة الطلليّة الزّاخرة، وتنتقلُ بعدها بالتفاتٍ ضميري، من الغيبة إلى الخطاب:

فَلا يُبْعِدَنْكَ اللّهُ يا تَوبُ إِنّما
لِقاءُ الَمنَايَا دارِعًا مِثْلُ حاسِرِ

فإلاّ تَكُ القَتْلى بَواءً فإنّكُمْ
ستَلْقَوْنَ يَوْمًا وِرْدُهُ غَيْرُ صادِرِ

وإنَّ السَّلِيلَ إذْ يُباوِي قَتِيلَكُمْ
كَمَرْحُومَةً مِنْ عَرْكِها غَيْرِ طَاهِرِ

فإنْ تَكُنِ القتلى بَواءً فَإِنَّكُم
فَتًى مَا قَتَلْتُم آلَ عَوْفٍ بنِ عَامِرِ

فَتًى لا تَخَطَّاهُ الرِّفاقُ ولا يَرى
لِقدْرٍ عيالاً دُونَ جارٍ مُجاوِرِ

في البيت الحادي عشر تُخاطبُ (توبةَ) خطاب الحاضرِ مجازًا، وفي خطابها تتلطف وترقّ في النداء فتقول: (يا توب)، وتستخدم عبثيّة المعنى (حياة / موت) عندما أتبعته بقولها: (لقاءُ المنايا) وأنت تلبسُ الدرع مثل لقائها وأنت حاسر عنه، من جميع النواحي: من حيث المُساواة في الألم، ومن حيث النهاية الحتميّة للفرد الواحد، أو نهاية النوع البشري، أو نهاية المخلوقات كلّها، وقد ترقى لفكرة أسمى وهي ذِكْرُه بعد موته، فبعد الموت ينقطِعُ ذكر المرء ويُنسى إلاّ من فضائله وشمائله الحسنة، فكذا أنت يا (توبة)، وما فيك من حُسنِ خلق وطِيبِ سُمعَةٍ، سَتُذكر كيفما كانت نهايتُك.
قولها: (لقاء) اللقاء يكون لشخصٌ تُكّنُ له الودَّ، كأنّها أرادتْ أنتَ مِن الشجاعةِ بمكان فتلقى المنيّة في أيّ وقت وحال دون خوفٍ أو تردد. ثمّ تبعه لفظ (دارع) والمتدرّع المستعد والمتأهب، (حاسر) والحسرُ يكون للماء، فتنحسرُ المياه عن الشاطئ، وحاسر من الحسرة، فهو طباقٌ من نوعٍ مختلف، طباق المعاني الخفيّة خلف اللّغة؛ فالمتدرّع متأهّب ومستعدٌ ليقابل الموت بلا ندم، والحاسرُ يَجِدُ في لقائه به حسرةً وندمًا. وهذا الشَّطرُ يعتَبرُ حكمة.
نقف على غرابة الخطابِ في البيت، ففي جميع الأبيات السابقة غيّبت (ليلى) لغة الذات المخاطِبَة تمامًا، والآن تلتفتُ مُخَاطِبةً لشخصٍ ميّت! البيت أتى بعد عشرة أبيات كلّها سرد، حكاية لحادثة مقتل المرثي، تُشعِرُنا برتابة الحركة وإنْ انطلق النصُّ في بعض ألفاظ أبياته نحو الأعلى، إلاّ أنّ هذا البيت مربِطُ فرسِ العُلو، حوى: التفات الخطاب، ومخاطبة ونداء من يستحيل خطابه، وثُنائيّة ضديّة، وفلسفة الموت لدى (ليلى)؛ مع اجتماع هذه الأفكار يتجاوز هذا البيت كلّ الأبيات بقوّته.
ثمّ تستمدُّ من القرآن الكريم معنًى، من قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ مع قولها: (القتلى بواء) أي القتلى سواء، إنّ القاتل سيُقتل. وهذا المعنى نستطيع أنْ نقفَ عنده لو وقفت الأبيات، فالمقتولُ سيُقتصُّ من قاتلِه ما دام مُسْلِمًا، ولو لم ترِد لفظة (فإلاّ) لكان المعنى مُسَلّمًا به، هذا البيتَ مرتبط بالبيتِ الذي يليه، تقول:
وإنّ السليلَ، والسليلُ هو (ثور بن أبي سَمعان) الذي قتله (توبة)، فـ(توبة) قَتَل (ثور)، فأخذت بنو عوف بثأرِ (ثور)، فجعلت -أي بني عوف- قَتلَ (توبة) مساوٍ لقتلِ (ثور)، لكنّ (ليلى) تصرخُ بهم متهكمة:
وإنَّ السَّلِيلَ إذْ يُباوِي قَتِيلَكُمْ
كَمَرْحُومَةً مِنْ عَرْكِها غَيْرِ طَاهِرِ

هل تظنون أنّ (السليل) يساوي (توبة)؟ لا بل (السليل) مثل امرأة حائض غير متطهرة، فكيف تساوونه بـ(توبة)؟
ثمّ لا تلبثُ أنْ تزيدَ من تهكُمِها، فتقول:
فإنْ تَكُنِ القتلى بَواءً فَإِنَّكُم
فَتًى مَا قَتَلْتُم آلَ عَوْفٍ بنِ عَامِرِ

إنْ كُنتُم أردتم القصاصَ والدمَّ بالدمِّ، فـ(السليلُ) لا يساوي (توبة) بأي حالٍ من الأحوال، وإنْ أرادت أنْ تأخذ بثَأرِهِ منهم فلنْ تستطيعَ، فبني عوف لم يَقْتُلوا فتًى يُؤخَذُ بثأرهِ كأيِّ فتى، فهو يتجاوزُ كلَّ مقاييسِ الفتوّةِ من الكرامةِ والشجاعةِ والفضائلِ، مَدحٌ راقٍ امتزج بسخرية لاذعةِ للمعتدين، وهذا الهُزءُ وحدهُ يكفي.

وقبل أنْ ننتقلَ عن هذا البيت، قولها: (فتى)، لماذا قالت (فتى) ولم تقل (شاب) أو (رجل) أو (راشد)؟ أليس الفتى هو بدايةُ الشباب ونُبوتُ الشارب؟ يُستبعد أن تطلب (ليلى) هذه الدلالة، يقول الأزهري في التهذيب: “ليس الفتى بمعنى الشابِّ والحَدِثْ، إنّما هو بمعنَى الكامل الجزل من الرجال” .
وتُكمِلُ مدحَها لـ(توبة) فتُثبتُ له صفاتٍ محببةً إلى النفس الإنسانيّة الجاهليّة، وتأثرتْ بالدينِ الإسلامي من خلال الأخلاق الإسلاميّة السّامية، فأثبتت له صفةٌ عامة (لا تخطّاه الرفاق) في ماذا تخطّته؟ في الجود والكرم؟ في الشجاعة والإقدام؟ في السبق
والفروسيّة؟ كلّها يمكن أنْ تُتممَ السياقَ بصورة صحيحة، سكتت عن نوع التخطّي، قولها هذا مِن قبيلِ الإيجاز، يُرادُ به معانٍ كثيرةٍ بألفاظٍ قليلة.
(لا يرى لقدرٍ عيالاً دون جارٍ مجاورِ) لا يرى أنّ عياله لهم قَدرٌ أعلى من قدرِ جاره الذي يُجاورُه، دلالة على أنّ (توبة) يحفظُ حقَّ الجار ويحترمه، مع العلمِ أنّ توبة لم يكنِ متزوجًا ولم يكن لهُ عيال. وأيضًا هو كريمٌ لا يتردد في قِرى الضيف في أيّام الشتاء القاسية، فالأولى أنّه يفعل في غيره من فصول العام، ويقال للناقة إذا سمنتْ ذات رمح، وللنوق السمان ذوات رماح وذلك أنّ صاحبَها إذا أراد نحرها نظر إلى سنّها وحُسْنَها وامتنَع من نَحْرِها؛ نَفَاسَه بها لما يَرُوقُه من أسنِمَتِها، اختياره لهذا النوع من النوق يدلّ على جوده وسخائه، وكلُّ همّه إكرام من نزل بداره، حتى أنّه لم يلتفت لشدّة الفصل الذي هم فيه. تصف (ليلى) حال هذه النوق فهي حينما تراه مقبلاً ترى فيه سماتَ المُهِمّ بإكرام ضيفه تتقي قليلة اللّحم منها بالسّمان كثيرة اللّحم، رُغم أنّها تعلم أنّه لن ينحرها طمعًا في السمينة للضيف، دلالةً على أنّ لحضوره رهبة، فكلُّ مَنْ أقلُّ منه منزلةً يهابُ مروره، ومَنْ هم أهلٌ لمواجهتِه انطلقَ للقضاءِ عليهم.

إِذا لَم يَجُد منها برسلٍ فَقَصْرُهُ
ذُرى المُرْهَفاتِ والقِلاصِ التَّوَاجِرِ

قَرى سَيْفَه منها مُشاشًا وضَيْفَه
سَنامَ المَهارِيسِ السِّباطِ المشافِرِ

هذه النوقُ إذا لم تُدر عليه اللبن فلديه دقيقاتُ الساق طويلات القوائم، ولعلّها هُنا دلالة على سُرعتها، وكذلك لديه التواجر التي يُتاجَرُ بها لنَفِعها، وكذا السمينة التي امتلأت شفاهها، هذه كلّها كانتْ تُكرِمُ سيفَه إذا حلّ به ضيف. استخدمت (ليلى) الكثير من صفات الإبل وسِماتِها، كلا البيتان مليئان بحروف جهوريّة قويّة، وكذا الكلمات صعبة ووعرة، تتناسب مع طبيعة البداوة وقساوتها.
الآن تتابع ليلى ذكر محاسن (توبة) في عشرين بيتًا متتالية، والجميل في الأمر، لا تكرار في المدائح، صفات وخصال عديدة بعيدة عن التكرار.

وتَوْبَةُ أَحْيَا مِنْ فَتَاةٍ حَيِيَّةٍ
وَأَجْرَأٌ مِنْ لَيْثٍ بخَفّانَ خادِرِ

فَتًى لا تَراهُ النّابُ إِلفًا لسَقْبِها
إذا اخْتَلَجتْ بالناسِ إِحْدَى الكَبَائِرِ

ونِعْمَ الفَتَى إِنْ كَانَ تَوبَةُ فَاجِراً
وَفَوقَ الفَتَى إِنْ كَانَ لَيْسَ بِفَاجِرِ

فَتًى يَنْهَلُ الحَاجَاتِ ثمّ يَعُلُّهَا
فيُطْلِعُهَا عَنْه ثَنَايَا المَصَادِرِ

وتَوْبَةُ أَحْيَا مِنْ فَتَاةٍ حَيِيَّةٍ
وَأَجْرَأٌ مِنْ لَيْثٍ بخَفّانَ خادِرِ

الشطر الأول من البيت سلسٌ ورقيق، انسابت رقّته مِن قولها (فتاة حييّة)، رقّة الفتاة ورقّة الحياء، فالحياء سِمَةٌ واضحة في (توبة)، حتى أنّه أشدُّ حياءً من الفتاةِ التي من فطرتِها الحياءُ، وليس هذا فقط بل زادتْ لها صفة الحياءِ فقالت: (حييّة) على حياءِ الفتاةِ الطبيعي؛ زيادةً ومبالغةً في المعنى، ومع ذلك الحياء كلِّه فهو أجرأُ مِنْ أسدٍ مِن مأسدةِ خفّان، والمأسدة هي المكان الذي تتجمع فيه الأسود كالعرين، وخفّان موضع. يقتربُ الشطران من كونِهما مُقابلةً، الحياءُ / الجُرأةُ، الفتاةُ / اللّيثُ. وروتْ بعضُ الكُتب (أشجع) مكان (أجرأ) وأجرأُ في نظري أجودُ؛ فالشجاعة لا تُقابل الحياء لتضعهما شاعرةٌ كـ(ليلى) معًا في بيتٍ واحد.
الناس إذا انتشرت فيهم الكبائرُ والمعاصي وتفشّت حتى تصبح عادة لا رادع لهم عنها، وحتى الناقة التي تلدُ للتوّ مولودًا يرى هذه الكبائر بعينٍ راضيةٍ؛ لأنّه أبصرَ الدّنيا عليها، ومن باب أولى قياسُه على المرأة التي تلد ولدًا لا يفقَه شيئًا ويشبُّ والكبائر تشبُّ معه. إن حدث كلُّ هذا فإنّ (توبة) ليس مثلهم، فهو مهما حصل ثابت على أصوله، مستقيم في فكره وآرائه، لا يُخالطُ تمسّكه شكٌّ ولا ريب. في هذا البيتِ شهادة صريحة من (ليلى)
على أنّ الرجال مهما كانت قيمهم ثابتة راسية، يومًا ما سيتعثرون ويقعون، إلاّ (توبة) فإنّه مختلف ومميّزٌ، لا تأتلفُ نفسُه وعصيان خالقِه معًا. ويظهر جليًّا كيف تأثّرت معاني الرجولة والثبات عندها وارتبطت بأصول دينيّة ارتباطًا تامًا، وفي لفظة: (الكبائر) دلالة واضحةٌ على ذلك.
أيضًا تدلّ على محبّة عميقة ومشاعر صادقة، فلا فائدة للمادح سوى إظهار أحاسيسه، وهذا ما كان من (ليلى) تجاه (توبة).
ونِعْمَ الفَتَى إِنْ كَانَ تَوبَةُ فَاجِرًا
وَفَوقَ الفَتَى إِنْ كَانَ لَيْسَ بِفَاجِرِ

إنْ كانَ (توبةُ) فاجرًا فنِعمَ بهذا الفجورِ أمامَ الكبائرِ المنتشرةِ في الناسِ، وإنْ بدرَ منهُ ما بدرَ فلنْ يصلَ إلى الفجورِ الذي اعتادتهُ الناس فأَنْعِمْ به مِن فَاجِرٍ، وإنْ كان ليس بفاجرٍ فهو فوقَ الفُتُوّة كلّها وأعلى منزلةً منها.
لُغةُ البيت ومُوسيقيّة أحرفهِ تجذبُ السامعَ، ومعانيه تُظهر المبالغةَ من أول وهلة، لكنْ حين يَعلم القارئ أنّ الممدوح متوفى، وليس للمادحةِ مِنْ مدحِه فائدةٌ، يُدرِك صدْقَ مشاعرِها وحنينِها. ومِنْ طُرْفَةِ الالتقاء قولها: (توبةُ / فاجر)، صحيح أنّ (توبة) هو اسم الممدوح، لكن إذا سمعَ البيتَ مَنْ لا يعرِفُ صاحبةَ الأبياتِ أوْ لمَنْ قيلتْ، سيفهمُ مِن البيت: نعم الفتى إن تاب بعد عصيانه،

فيتبادر إلى ذهنه أنّ (توبة) هي التوبة من العصيان، والرجوع إلى الحقّ. وهُما (أي اللفظان) من هذا المنطلق أيضًا يُشكّلان ثُنائية ضدّية (التوبة / الفجور).
ولازالت تمدح (توبة) بصفاته الأخلاقيّة، فهو ينهلُ حاجاتِ الناسِ ولا يردُّ لهم طلبًا، وفعل (يُعلّها) دلالة على الاستمرار، فقضاء حاجات الناس عليه كشُرب الماء في السهولة واليُسر؛ لأنه اعتاد عليها، وكأنّ جريَهُ في حاجات الناس هو ماؤه الذي يرتوي به من شدّة كرمِه.

كَأَنَّ فَتَى الفِتْيَانِ تَوبَةُ لمْ يُنِخْ
قَلائِصَ يَفْحَصْنَ الحَصَا بِالكَرَاكِرِ

ولم يَبْنِ أبْرَادًا عتاقًا لفتيةٍ
كرامٍ ويرحلْ قبلَ فيء الهواجر

أتوقفُ هنا وقفةً متسائلة، لماذا تستخدمُ (ليلى) لفظ (فتى) دائمًا، لمَ لم تنوّع في الألفاظ؟ وهل هو فتى في الحقيقة؟ نعم رُبما كان فتى وتوفي صغيرًا، وهذا ما دلّتنا عليه الأبيات من تكرار لفظ الفتى، والفتى عمره ما بين الخامسة عشر إلى الأربعين، ورُبما كانت تراهُ بعينِها فتى.
رُغم بحثي المتواصل عن معنى البيتين السابقين إلا أنهما لم يتكشّفا لي كما أردتُ، فالأول كما توضّح لي أنّ (توبة) ليس الشخص الذي يجلس ويطيل الجلوسَ حتى كأنّه يتفحّص الحصا التي تحتَه من كثرة قعودِه، دلالة على حركته المستمرّة وانطلاقه الدؤوب وخروجه للحُروب، وتقول العربُ: “ما أبْيَنَ العِتْقَ فيه، أي الكَرَمُ والجميل” ، ويرحل قبل أن يحِلّ آخر النهار، وفيه دلالة على عودته إلى دياره مبكّرًا حتى لا يتأخّر عن الضيف إن حلَّ بداره.
من ناحية الدلالة اللغويّة، لماذا قالت (ليلى) أنّ اللاتي تبركنَ هنّ القلائص؟ لمَ لم تفتح المجال وتجعله: (بعيرًا)؟ فالبعير يشملُ الجمل والناقة، وكذا قبل هذا البيت خصّت النوق، فقالت: (الخفاف، الناب، القلاص، البهازر)، هل تُريد أنّه إنْ لم يكُن الأقلّ فلن يكون الأعلى منزلة بشكل طردي؟ فالنّاقةُ هي التي تُدرّ اللبن وتنجِب، بينما الجمل هو السبب في الإنجاب ومن ثمّ تُدرّ الناقة اللبن، فرُبّما كانت الناقة هي الأعلى منزلة، فذِكْرُها يُغني عن ذكر الأقلّ منها منزلة وهو هُنا الجمل. وإنْ كان الجملُ أعلى منزلة، فذكرُ الأقلّ منزلة إبرازٌ وبيانٌ للفروق الشاسعةِ بينَهُما، وذلك حسبَ السياق. كما أنّها قد تكون ثنائية ضدّية في الجنس، فـ(توبةُ) ذكرٌ، والناقةُ أنثى.
ولم يَتَجَلَّ الصُبْحُ عنْهُ وبَطْنُه
لطيفٌ كطَيِّ السَّبِّ ليس بحادِرِ

لم يظهر عليه النهار إلا وبطنه لطيف مثل الثوب الرقيق الذي إذا طويته كان مستقيمًا لا اعوجاج فيه، دلالة على زهدِه وعدم جريه وراء ملذات بطنِه. استخدام لفظ (التجلي) للصُبح يُذكرنا بقوله تعالى: “وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى” ، وللاهتمام بنوعِ الثوب لفتةٌ أعطت

معنى دقيقًا وصورة واضحة، فيه دلالة على الاستمرار، فلو أتى عليه صبح واحدٌ فقط أو اثنين وهو على هذه الحال لما كان بطنُه مستويًا غيرُ سمينٍ، فهذا الاستواء الذي لا نتوء فيه لا يتمُّ إلا بعد قضاء الكثير من الليالي ببطنٍ غير ممتلئ. وكذا يدلُّ على شدّة عطائه لدرجة أنّه لم يَعُد يملكُ شيئًا يأكله. كما أننا لا نستطيع أن نُثبت له الفقر لدرجة أنّه يقضي ليله منطويًا على بطنه فيكون كالثوب المطوي؛ لأننا أثبتنا له صفَة الكرمِ بكثرَةٍ، فكيف يُكرِم بكلِّ تلك النوق إنْ كانَ فقيرًا؟!

فَتًى كَانَ للمَولَى سَنَاءً ورِفْعَةً وللطَارِقِ السَّارِيْ قَرَى غير باسِرِ
ولم يَدْعُ يومًا للحفاظ وللنّدى وللحَرْبِ يَرْمِي نَارَهَا بالشَّرَائِرِ
فتىً يكون لحَليْفِه علوًا ورفعةً لما له من السُمعة الحسنةِ والأخلاق الفاضلة، ويكون للمسافر الذي يطرق بابه ليلاً كريمًا، لا يَعبَسُ في وجهه. والكرم من عادات العرب، والبُخل من أسوأ الصفات التي تٌطيحُ بسُمعَة القبيلة كاملة إلى الحضيض، إذًا الإكرامُ هذا أمرٌ عادي وطبيعي، إلاّ إنْ سبقتْه بقولها:
ولم يَتَجَلَّ الصُبْحُ عنْهُ وبَطْنُه
لطيفٌ كطَيِّ السَّبِّ ليس بحادِرِ
ك

(ولم يُدعَ يومًا للحفاظِ) على ماذا؟ على سُمعَة قبيلتِه؟؛ لأنّ هذا ما يُهمّ العربي قديمًا، أم على ماله؟ لقول النبي – عليه الصلاة والسلام-: “ما نقص مالٌ من صدقة” وأُرجحُّ الثانية؛ لأنّه يحتاج المال ليتمكن من العطاء، فالندى لا يكون إلا لمن كان عنده المال. وللحرب يرمي نارها بالشرائر: نار الحرب وطيسُها واحتدامُها، و(توبة) من شجاعتِه يُؤجج نار الحربِ بالشرر، فهو يبدأُها بشرارة فتشتَعِل اشتعالاً.
النارُ حين تبدأُ في الاشتعال تكون بسيطة فإذا ألقيتَ عليها الشررَ تحرّكت وازدادت، وقد يشيرُ (الرّمي) إلى رمي النبال، فهو يدخُل وسط الحربِ التي في شراستِها تَلتهِم كالنّار، فيرمي مواطن الاتقاد فيها بالشَرر فَيوقِفَ انتشارَها؛ فحينَ تلتهمُ النيرانُ كلّ شيء ولا يبقى لها ما تتقِدُ به تَخمُد. ومما يزيد البيتَ اتّساعًا فوق اتّساعه، لفظ (الحرب)، فهل هي حربٌ على المعنى المعروفِ لها من نزول في ساحة النزال والتقابُل بين الطرفين؟، أم هل هي حربٌ باردة (حرب الأعصاب)؟ أم هل هي حربٌ وفتنٌ داخلية؟، أم هي حربٌ ضدّ (توبة) من الحاسدين وقبيلة أبي الأذلع؟ اتّساع اللفظ وعدمُ تقييدِه بيانٌ على احتمالية اجتماعِها جميعًا تحت رايةِ (حرب توبة)، الشخصُ الذي يُطفئ نيرانها ويُخمدُ حركتها.
وللبَازِلِ الكَومَاءِ يَرْغُو حُوارُهَا
وللخَيلِ تَعْدُو بالكُمَاةِ المَسَاعِرِ

كَأنَّكَ لَم تَقطَعْ فَلاةً ولَم تُنِخْ
قِلاصًا لَدَى فَأوٍ مِنَ الأرضِ غَائِرِ

وتُصْبِح بِمَومَاةٍ كَأَنَّ صَرِيْفَها
صَرِيفُ خَطَاطِيفِ الصّرَى في المَحَاوِرِ

البازل هو الذي طلعت نابه من الإبل، ويضرب بها المثلُ في الكرم، والبازل الكوماء بمثابة الأم التي يصيحُ ابنُها، لكن لم قد يصيح الابن؟ أهو جائع؟ أم يريدُ من أمّه أن تضمه لبردٍ يشعُر به؟ أم أنّ أمّه لم تعُد موجودة بعد الآن؛ فهي من النوعيّة الجيّدة التي تسدّ حاجة (توبة) لإكرام ضيفه، حتى لو اضطرّ أن يدوس على مشاعرِه ويَحرِم طفلاً من أمّه.
الخيل التي تخرُج بِفرسانِها الشُّجعان الذين يوقدون نيران الحرب إذا دُعي للخروج خرجَ دون تردد، جعلتْ الخيول سريعة والفرسان شُجعانًا ومساعرًا إبرازًا لثقتِه بنفسِه وقُدرتِه على مواجهة هؤلاء جميعًا.
البيت السابق معطوف على ما قبله، لم يُدعَ للعطاء إلا وأعطى، ولم يُدعَ للحربِ إلا وكان شررًا، ولم يُدعَ لإكرامِ ضيفه إلا وأقبل يَنحرُ ناقتَه دون تردد، ولم يُدعَ للنزال والقتال إلا وتقدّم حتى إن كان مواجهوه شُجعانًا أبطالاً. كلُّ هذه الأمور لم تُذكَر في الأبيات نصًا، إلا أنّ السياقَ سياقُ مدحٍ، فالمعنى اتّضح دون ذكرْ، ولو ذُكرَ لكان عبثًا وزيادة.
فلَيْسَ شِهَابُ الحَرْبِ -توبَةُ- بعْدَهَا
بِغازٍ وَلا غادٍ بِرَكْبِ مسَافِرِ

وَقَدْ كَانَ طَلَّاعَ النّجادِ وبَيِّنَ اللّـ
ـسانِ، ومِدلاجَ السُّرى غَيْرَ فاتِرِ

وَقد كَانَ قَبْلَ الحادِثاتِ إذا انْتَحَى
وَسائِقَ ، أَو مَعبُوطةً ، لَمْ يُغادِرِ

التفاتٌ من صيغة الخطاب إلى الغائب، فليس (توبة) بعد ذلك بغازٍ في حربٍ ولا غادٍ بركبٍ مسافرٍ، هذا البيتُ واضحٌ تمامًا في معناه، وما لفتني شيء نحويٌّ نوعًا ما في قولها: (بغازٍ) لم تذكر بعدها شيئًا كأن تقول: (بغازٍ في حرب)، وعكسُ ذلك قولها: (غادٍ بركبٍ مسافرِ)، في الأول حذفت لفظ (الحرب) رُبما لذكرها إيّاه سابقًا، ورُبما لدلالة اللقب (شهاب الحرب) وكذا لفظ (غازٍ) إنما هو للمُحارب، أمّا (غادٍ) فغادٍ لأيّ شيء؟ للتجارة أم لعمله أم في حاجة المحتاج؟ فعرّفتها بقولها: (بركبٍ مسافر)، وإضافة لكونِ الجملة مُعرّفةً لما قبلها هي دالة على قيادتِه للركب الذي ينطلقُ مسافرًا، ولا ننسى إحاطةَ هذه القافلة بالمخاطرِ من السباعِ وقٌطَّاعِ الطُرقِ، ومع ذلك فهو قائدٌ لها لكن ليس بعدَ الآن.
تمدحُ (توبة) فتقولُ بأنّ لديه حُسنِ تدبيرٍ للأمور، ويمتلكُ فصاحةً وبيانًا، ويسيرُ ليلاً بنشاط وحيويةٍ لا يعتريهِ الفتور أو التعب، فهو بنشاط سيرِه نهارًا.
نتتبعُ أثر كلمتين ارتبطتا ببعضهما في المعنى، وهما: (طلاّع) و(النّجاد).
أولاً: طلاّع: “طلَعْتُ الجبل إذا علوته أطْلَعهُ طُلُوعًا وفلان طلاّع الثنايا وطلاّع أنجد إذا كان يعلو الأمور فيقهرها بمعرفته وتجاربه وجودة رأيه” . تكشّف لنا سياقٌ جديدٌ هُنا، ليسَ فقط حُسنُ التدبير الناجم عن الحكمة، كذا التجارب الكثيرة التي مرّ بها، وقهرُ الأمورِ ولا يُقهرُ إلا صِعابُها.
ثانيًا: النّجاد: “النَّجْدُ: قفاف الأرض وصلابتها، وما غلظ منها وأشرف، والجماعة: النَّجَادُ، ولا يكون إلا قفاًّ أو صلابة من الأرض في ارتفاع مثل الجبل مُعترضًا بين يديك، يردُّ طرفك عمَّا وراءه”. قوله لا يكون إلا صلابة في ارتفاع يردُّ طرفك عمّا وراءه فيه

إظهار واضحٌ لشدّة هذا الأمر، فهو صلبٌ مرتفعٌ أي نتوء يخرجٌ من أرضٍ مستوية، وليس أيُّ نتوء بل نتوء يحجبُ ما وراءه، كلُّ ذلك إبرازٌ لحنكةِ وحكمةِ (توبة) وكثرة تجاربِه، وكلُّ هذا استخلصناه من لفظين اتصلا في المعنى.
ورُويَ هذا البيتُ وهو السابِعُ والثلاثون:
وقد كان مَرْهُوبَ السَّنَانِ، وبَيّنَ اللّـ
سَانِ، ومخدامِ السرى، غير فاترِ

واعْتُبِرَ قولها: (مرهوب السنان / بين اللسان) ترصيعًا، والترصيع: ” هو أن يكون البيت مسجوعًا” فتنتهي الجملةُ الأولى بحرفٍ تنتهي به الجملة التالية وهو السجعُ يُسمى في الشعرِ ترصيعًا
وكُنتَ إِذا مَوْلاكَ خَافَ ظُلامَةً
دَعَاكَ، ولَمْ يَهْتِفْ سِواكَ بِنَاصِرِ

دَعاكَ إلى مَكْرُوهَةٍ فأجَبْتَهُ عَلَى
الهَوْلِ منّا والحُتُوفِ الحَواضِرِ

تعود الأبيات للالتفاف الضميري، من المخاطب إلى الغائب ثم إلى المخاطب مُجددًا، ولعلّ كثرة هذه الالتفاتات إنمّا نجمت عن اختلاف الروايات في ترتيبِ الأبيات وألفاظِها، ورُبما كان اضطرابُ الشاعرة بعد الحادثة.
كنتَ إذا وقع على حليفك يا (توبة) ظلمًا من أحدٍ فإنّه يدعوكَ ولا يُفكّر في أحدٍ غيرك، فأنتَ ولا ريب من سينصُره، ولا تجعل ذلك عند وقوع الظلم وحاجة المظلوم لمن يأخذ بحقّه، بل تَجْعَلُه حين يخافُ المُوَالِي ويشكُّ في ذلك حتى قبل حصوله، فهو يعتقدُ أنّ سواك غيرُ قادرٌ على مواجهة مَنْ ظلمه ونُصرة الحق.
قولها: (مولاك) قد تعني: الوَلِيُّ وهو الذي يرْأَسُ القوم، دلالة على جري (توبة) وراء الحق وعدم رضاه بالظلم، وقد تعني: موْلَى من المَوَالِي وهم الذين أعتِقوا، فمع عِتقِه له إلاّ أنّ المولى يعلمُ يقينًا أنّه في حاجة إليه، على عكس المعتادِ بحاجة السيّد إلى مولاه في معونته على العمل والاهتمام بالشؤون الأخرى، وكذا فيه دلالةٌ على أنّ (توبة) قد أعتقَ عبيدًا كانوا تحتَ يديهِ.
لكنّ الأمر لم يقِفْ هُنا، فالبيتُ التالي يقول أنّه دعاك إلى مكروهة، والمكروهة كلُّ ما قد يصَابُ به المرء مِنْ مكروهٍ تصلُ إلى حدِّ الموت، ومع ذلك فقد أجبتَه رغمَ عِظمِ الأمرِ وشدّته ولم تردّه خائبًا، ثم تعترضُنا كلمة (منّا) وعلى أنها مكونة من أربعة أحرفٍ فقط إلاّ أنّها مليئة لدرجةٍ كبيرةٍ نقتصرُ على بعض أوجه معانيها بما يُناسبُ السياق. “المنّ كان يسقط على بني إسرائيل من السماء، إذ هم في التِّيه، وكان كالعسل الحامس حلاوةً. وقال الزجاج: جملة (المنّ) في اللغة: ما يَمُن الله به مما لا تعب فيه ولا نَصَب” ، كسياق من الممكن أن تعني الكلمة (توبة)، فـ(توبة) منٌّ لهذا الرجل جعلهُ الله له حليفًا أو سيدًا، ومنًّا: الاعتداد، توبة يعتدُّ بنفسه ويثقُ بها تمامًا، والمنُّ العطاء، أي فعل ذلك عطاءً منه، فليس مجبورًا على فعلِ ذلك وإنّما فعله معروفًا.
الحتوف الحواضر: الحتوف جمعُ الحتف، والحتف هو الموت، الحواضر: لا أرى لها معنىً غير أنّها صيغة مبالغةٍ على وزن فواعل وأصلها حاضرة، أي الحتوف الحاضرة إلاّ أنّها جعلتها بصيغة مبالغة تأكيدًا لوجود الحتوف في كلِّ مرةٍ يُجيبُ فيها (توبة) نداء الحليفِ،

وكذا قولها: (حتوف) الإنسان لا يلقى حتفَه إلا مرّةً واحدةً، فلو قالت (حتف) لصحَّ المعنى لكنّ حاجتها إلى إثبات رائحةِ الموت في كلّ مرّةٍ يُعين فيها شخصًا دفعها إلى جمعِها.

فإِن يَكُ عبدُ اللهِ آسى ابْنَ أمِّهِ
وآبَ بأسْلابِ الكميّ المُغاوِرِ

وكَان كذاتِ البَوِّ تَضْرِبُ عِنْدَهُ
سِباعًا وقد أَلْقَيْنَهُ في الجَراجِرِ

فإنّكَ قَد فارَقْتَهُ لَكَ عاذِرًا
وأنّى لحيٍّ عُذْرُ من في المقَابِرِ

كلُّ ناظرٍ إلى تّاريخِ مصرعِ (توبة) يتساءلُ في عجب: كيف لأبناء العمومة أنْ يكون بينهم شيءٌ كهذا؟!، وقد هَجَتْ (ليلى) (عبدَ الله) قاتل (توبة) بشيءٍ قد لا يُسمَّى هجاءً، لكنّ كلماتها أشبهُ ما تكون بوقع السِّياط
شدّة. فتقول: إن يكنْ (عبد الله) قد عزّى ابن أمّه بقتل (توبة) بواءً وعاد ببقايا (توبة) الشُجاع والمغاور، إذًا هي لا تُريد فقط ذمَّ الرَّجلِ على فعلتِه، بل تعمدُ إلى مدح (توبة) أولاً وأخيرًا، فهذا الذي قتل (توبة) الشُّجاع قد اقتدى بـ(ابن أمّه)، وابن الأمِّ هو ابنُ الأبِ أيضًا، وحينَ يُمدحُ رجلٌ يقالُ له: ابنُ أبيه، فتمدحُ (ليلى) (عبدَ الله) بأنّه استطاع قتل (توبة) احتذاءً بقتل (توبة) لـ(ثورٍ)، من الممكن أن يكونَ هذا هو المقصود، لكن لدينا قرينة سابقة، فقد قالت:

وإنَّ السَّلِيلَ إذْ يُباوِي قَتِيلَكُمْ
كَمَرْحُومَةٍ مِنْ عَرْكِها غَيْرِ طَاهِرِ

فكيف تعود وتقول بأنّه اقتدى به وفعل مثله وما فعله لم تعتبره متساوٍ؟ إذًا قد تعني أنّه واسى السليل وعزّاه بقتلِه (توبة).
لفظ (آب) على قلّة حروفه إلاّ أنّه زاخرٌ مليءٌ، فالإيابُ العودة، ونقول: آب من ذنبه، إذا تاب منه وكفَّ عنه، فالمعنى الثاني يُمكنُ أنْ يدلَّ على إتيان (عبد الله) لذنبٍ ما ونستطيعُ أنْ نُقدّره فنقول: أنّه مقتل ابن عمومته (ثور)، واعتبر قتله (توبة) تكفيرًا على عدم استطاعته حماية أبناء عمومته، أوَليستْ القبيلة جزءٌ مهمٌ لدى العربِ في الجاهلية؟ فهذا البيت متأثرٌ بالإسلام من حيث التوبة والتكفير، ومتعلقٌ بالجاهلية من حيث القبيلة والثأر.
أمّا لفظُ (الأسلاب) وهي بمعنى قصَبُ السُكّر المُزالةِ قشرتُه، وقصبُ السُكر نبات حلو الطعم طيّب الرائحةِ، فلذلك شبّهتهُ بـ(توبة).
ذاتُ البوِّ هي الناقة التي مات وليدُها فيُحشى جلدُه بتبنٍ أو غيره، فإذا رأته ظنّت أنّ وليدَها عادَ إليها، فتعطِف عليه وتحنُّ إليه فتُدرُّ لبنًا، هذه الصورة تُجسِّد ثلاث شخصيات: الحُوار المقتول، والناقة العاطفة عليه، وقاتِلُ الحُوار وهي السِّباع. الناقة الأم تحنُّ إلى ليدِها المقتول فيُدرُّ لبنُها، وكذلك دمعُها، وتغضب فلا تبقى ساكنة أمام مَنْ قتله، بل تضربهم أملاً منها في عودتِه ولكنّهم كانوا

قد التهموه ونزل لحمهُ إلى حلوقهم بالفعلِ، فلا وجود له إلى جانبها ثانية.قامت (ليلى) هُنا بتشبيه (عبد الله) بالنّاقة، وقد سبق وشبهت بها كثيرًا، لكنّ هذه الناقة مختلفة، فهي مفطورة القلبِ، حزينةُ الفؤاد، مَكْلُومَة الخاطر بفقدِ هذا الوليد (تقصِدُ ثورًا)، وليس لها حيلةٌ إلا ضربُ مفترسيه من السباع (تقصدُ توبة وقبيلته)، ولكنّها لا تعود بشيء فقد مات الوليد ولا قُدرة لها على السِّباع.
جملة (قد ألقينَه) تُحدثُّ عن الكثير، أولُها موت الحوار ولا مجال لعودته فهو في حلوقهم مُلقى نحو الأعلى استهتارًا به، فالسبعُ يقذفُ فريستَه أحيانًا ويلتقمُها بسُرعة فلا تُفلِتُ منه، وقد أكدّت هذه النظرة قولها (قد ألقينه)؛ فـ”قد” إذا جاء بعدها فعل ماضٍ دَلَّت على التأكيد. فظاهر البيتِ ذمٌّ لـ(عبد الله)، وما راءَهُ مدحٌ لـ(توبة).
أثبتت أنّ (عبد الله) مهما فعل فلن يعود (ثور) أبدًا، أليس هذا المعنى يقول: بأنّ الميّت لا رجعة له مهما ثار لأجله أهله وأحبّتُه؟ وخصّت المقتول من الأموات بقولها: (سباعًا قد ألقينه بالجراجر).
فإنّكَ قَد فارَقْتَهُ لَكَ عاذِرًا
وأنّى لحيٍّ عُذْرُ من في المقَابِرِ

هذا البيتُ فاصلٌ عمّا قبله وبعدَه، فهو حاثٌ على خلقٍ جديدٍ في النّص؛ أرادت به (ليلى) مدحًا وذمًا، فالمدحُ لـ(توبة)، والذمُّ لـ(عبد الله). فأنتَ أي يا (توبة) قد فارقتَ (عبد الله) بموتِك، وكان هو قاتلُكَ فعفا عنك بعد أن قتلك؛ فقد أخذ بثأر ابن عمومته، فليس في قلبه شيءٌ عليك الآن، ولكن كيف سيأخذ عفوك وأنت ميتٌ؟ أنّى لحيٍّ أن يعذُره مَنْ في القبر على إساءته، الخُلق
والفكرة التي أرادت إيصالها هي التسامح، فالمرءُ قد يموت في أيِّ لحظة، وأحدهم مخطئٌ في حقّه فلن يستطيع أنْ يستسمحَه، ولن يُسامِحَه الميت ويعفو عنه.
فأقْسمتُ أَبْكِي بَعدَ تَوبَةَ هالكًا
وأَحْفِلُ من ناَلتْ صُرُوف المقادِرِ

أقسمتُ أبكي: أي لا أبكي على أحدٍ بعد (توبة)، ولا أحفل بِمَن أصابته مصائب الدهر؛ لأن مُصابي لا يُعادِلهُ مصاب. إذًا هي لن تبكي أبدًا حتى تهلك دون بكائها على غيره، ولن تبالي بمن أصيبَ بنائبة القدر، فبعد موت (توبة) لا يستحقُّ شيءٌ أن يُبكى عليه، وليس هُناك أشدُّ مصيبة من مقتله.
(الصروف) الصَّرْف الفريضة، وصرف الدهر نوائبه ومصائبه، فالنيل لا يكون إلا مع شدّة، والشدّة تكون مع الفريضة أو النوائب، أمّا المقادر فلا تكون إلا مع النوائب. والمقادر: القَدَر من قَدَرِ الله عزّ وجلّ، والجمع أقدار، ومقادر صيغة مبالغة، فمهما حدث لن يصل بأي حالٍ كان مُصابها في (توبة).
امتلأ هذا البيت جزعًا وألمًا، يُشعِرُ بتسرُّب اليأس إلى نفسِ (ليلى)، ومدى انهيارها ووجعها، إلاّ أننا لا ننسى أنّها خرجت بعدها تزور الأمراء وتنشد الشعر، فلعلّها لم تيأس من الحياة كلّها، بل غيّرت مجراها في محاولة منها إلى خلقِ جوٍّ خاصٍ بها يُبعِدُ عنها الألم، وهذا يكون بالشعر.

فأقْسمتُ أَبْكِي بَعدَ تَوبَةَ هالكًا
وأَحْفِلُ من ناَلتْ صُرُوف المقادِرِ

أي أنّها ومع وجود أشخاصٍ تُنسبُ إليهم مكارم الأخلاق وندى اليدِ لن تبكي غير (توبة)، تقدُّم هذا البيتِ على الأبيات السابقةِ دلالته واضحة بأنّها ستظلُّ مخلصةً لـ(توبة) مهما كانت محاسن غيره، وكذلك رُبّما دلّ على أنّ (توبة) قد تجاوز هؤلاء جميعًا وعلا عليهم.
ولنا أن نتطرّق تطرقًا خاطفًا إلى قافية القصيدة، فهي رائيّة حروف الروي فيها الراء، وهو حرفٌ طويلٌ يتكرر، وأيضًا يُخرج الهواء من الجوف، فكأنّه تنهُدات متتابعة في محاولة لإخراج ما يعربد في فؤاد (ليلى). أمّا حركتُه
فهي الكسر، والكسرُ دلالة على الانكسار وهو زيادة في الطول. والحرف الذي يسبقُ حرف الروي وهو الدّخيل كانت حركتُه الكسرُ أيضًا، وألف التأسيس قبله، والفتحة قبل ألف التأسيس وهي الرِّس كانت متحدةً أيضًا، فهذا الاتفاق راقٍ لدرجةٍ عالية مثبتًا القوّة والتمكُّن من الشعر.
الخاتمـــة:
توقفتْ (ليلى) عن سرد الحكاية عند هذا الحدّ، وجلست المعاني على كرسي متحرك مصدرةً صوت أزيزٍ خافت. الناظر إليها يرى بؤسها ولوعتها تخفقُ في حروف أبياتها، تصمت الكلمات أمام هذا الكمِّ الهائل من الألم والانهيار الْمُكَلّل بأكاليل الرونق والأناقة، فلا تجدُ الأخطاء ما يبرر خروجها، لولا الشفافية في البحث وموضوعيته.
لا شكّ أنّ أول ما يطرأ على ذهن القارئة كيف لامرأة عاشت في عهدٍ قريبٍ من سنا النبوة أنْ تحبّ رجلاً على الرغم من زواجها بغيره؟، وكيف ترثيه وتصفه بأرقى المعاني؟، بل والأدهى والأمَرّ كيف تقابله؟ هذا مأخذٌ ولا ريب يُؤخذ على ناسجة الأبيات، وهو يجسد الأفكار الاجتماعية التي لم يقبلها بَطَلينَا، مع ذلك لا يوجد مبرر لتجاوز الخطوط الحمراء أبدًا.
من هذا النص نخلُص بثلاث نقاط رئيسة:
أولاً: محبة (ليلى) الصادقة ظهرت جليّة في مفرداتها، فباتت تُشعرنا بتميّز هذا الرجل وشدّة لمعانه بين الناس، حتى لو سأل سائل عن (توبة) بعدها سنُثني عليه من ثنائها. هذه نكهة إيجابية لكلِّ نصٍ محبوك السبك، لكل معنى غلّف أحرفًا مخلصة.
ثانيًا: يُقال دومًا (خير الكلام ما قلّ ودلّ)، والإيجاز يعتبر مهارة، إلاّ أنّ القصيـدة هي أطول منسـوجات (ليلى) كلّها، ومع ذلك فنحنُ لا نشعر بالملل أو الضجر عند قراءتها؛ يرجع هذا لعدم تكرار المعاني ولترابط الأفكار، فالقصيدة على الرغم من طولها استطاعت استقطاب القرّاء ناحيتها، (الجمال لا تحكمُه قاعدة)!
ثالثًا: (الخيال العميق) الواقع لا أجد تعبيرًا مناسبًا، لكنّ اختيار اللغة لخدمة الفكرة، وتطويع الفكرة في سياق الخيال، هو بحدّ ذاته مهارة يحتاجُها الكاتب والمحلل والناقد والباحث وحتى القارئ العادي، فالقلم بلا منازع يُخفي معنى أعمق من ذلك الذي يُظهرُه، ولا يهب نفسه طواعية لمن لم يرغب في اكتشافه.

هكذا انتهت قصيدة (ليلى الأخيلية) الرائيّة، وهي أطولُ قصيدة للشاعرة، جعلتها مرثيّة لأحبّ الناس إلى قلبها وهو (توبة بن حمير)، حوت رثاءً، وهجاءً بطبيعة الحال، وفخرًا، ووصفًا، وكلُّ ذلك في انسجامٍ متناهٍ، مما يجعلنا نسعدُ كثيرًا بأنّ لنا تُراثًا عربيًّا أصيلاً لا يوازينا فيه أحدٌ، وما ذلك إلا بفضلِ الذي حفظ العربية الفُصحى بحفظِ كتابه الكريم، وما تحليلي لهذه القصيدة إلا فتحًا منه وتوفيقًا.

المراجـــع والمصــادر:
ـ الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ البديعُ في نقد الشعر، أسامة بن منقذ، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ تزيين الأسواق في أخبار العشاق، داود الأنطاكي، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ تهذيب اللغة، الأزهري، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ جمهرة اللغة، ابن دريد، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ جامع العلوم والحكم، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ حرزُ الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع، القاسم بن فيرّة الشاطبي، مكتبة دار الهدى، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الرابعة، 1425هـ
ـ دراسات في أدب ونصوص العصر الأموي، محمد عبد القادر أحمد، النهضة المصرية، القاهرة، مصر، الطبعة
الثانية، 2001.
ـ ديوان توبة بن حمير، تحقيق وشرح خليل إبراهيم العطيّة، دار صادر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1998مـ
ـ ديوان ليلى الأخيلية، تحقيق وشرح واضح الصّمد، دار صادر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1424هـ
ـ زهرة الآداب وثمرة الألباب، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ الشعر والشعراء، ابن قتيبة الدينوري، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ الصحاح في اللغة، الجوهري، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ المحاسن والأضداد، الجاحظ، نُسخة إلكترونيّة على المكتبة الشاملة.
ـ معالم التنزيل في تفسير القرآن (تفسير البغوي)، محيي السنة: أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء
البغوي الشافعي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى،
1420هـ
ـ الموسوعة الحديثيّة، موقع الدرر السنيّة
http://www.dorar.net/enc/hadith
ـ شبكة مُقاتل، http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/ModoatAma1/Sef-Kangar/sec06.doc_cvt.htm#_ftnref2
ـ بحث بعنوان: الشاعرة الرحالة ليلى الأخيلية، عمل الطالبة: مريم عبد الله، إشراف أ. خالد فراج،
http://cmadp.com/layla.htm

 

 

 

تحميل الملف

 

 

5 thoughts on “رثاء الأحاسيس للشاعرة ” ليلى الاخيلية “

  1. شرح جميل ومتقن وعام وموفق وكما ان اختيار القصه موفق جداء تمنياتي بكل التوفيق للباحثه الملهماء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *