المصير

 

قصة قصيرة 

محمد القرني.*

أتقوقع حول نفسي، أضرب يداً بأخرى، أفكر في المصير المجهول، أحسم قراري وأعيد الترتيبات، أتناسى كل شيء وأفكر بنفسي، أُمسك طبشوراً وأكتب وصيّتي، أحاول حفر شيء من الحنين والألم على هذه الصخرة التي آمل ألا تُعرّيها العوامل الجغرافية فيندثر ما كتبت، العوامل قاسية لدرجة أنها تلعب مع الجزيرة عجلة الزمن بطريقة مرعبة، حيث تتعاقب الفصول الأربعة خلال عام كامل أكثر من ثلاث مرات، الأمواج بقربي تتلاطم والمد يبلغ أوج عنفوانه، أستسلم لفكرة الرحيل والهروب عن هذه الجزيرة المليئة بأشجار جوز الهند والنباتات المثمرة والورود والأشجار العتيقة، أُدير لها ظهري وقلبي يضجّ بالألم خوفاً على نفسي من الانهيار، سلّمتُ نفسي للقدر ودفعت قاربي الصغير المصنوع من أخشاب  بالية ، وشراعٍ تقليدي، ربما كان نوعاً من الخردة، تقدمت ودخلت في غمار تلك الأمواج التي كان مدّها عالياً وكأنها تعلم بقراري مسبقاً، كنت مؤمناً حينها بمقولة باولو كويلو: “السفينة آمنة على الشاطئ، لكنها ليست من أجل ذلك صنعت” ومع ذلك مازال حظي العاثر يواصل ممارسة حربه عليّ، مع ارتفاع الأمواج ظننتُ أني سأصبح طعاماً سائغاً وسهلاً لأسماك القرش الجائعة والحيتان التي لن ترحم رجلاً هارباً من جزيرته ووطنه، انتابني اليأس والقلق ومازالت أمواج البحر تواصل عنفوانها بلا هوادة، لاحت في ذاكرتي أيضاً تلك الكلمات التي قالتها الكاتبة إيميلي دنكسون: “الشاطئ أكثر أماناً ولكني أهوى مصارعة الأمواج”.
في هذه اللحظة كاد البحر أن يبتلعني بأمواجه ويقذفني على الشاطئ وكأنه يلفظني باشمئزاز، حاولت فك قيود ذلك الشراع التقليدي الهزيل الذي لم أثق به؛ ليرد تلك الأمواج العاتية، نجحتُ بذلك واستقر القارب،  ألقيتُ نظرةً أخيرة على الجزيرة والحزن بلغ مبلغه، اغرورقت عيناي بالدموع، إنها سيكلوجية الإنسان الطبيعي، لا تتغير حول الارتباط بالأماكن التي يظل بها طويلاً .

 * قاص من السعودية

One thought on “المصير

  1. قصة جميلة واسلوب سلس في الكتابة والتقاطة رائعة لموضوع صراع النفس بين الرحيل والاغتراب عن الاوطان وحبها والشوق اليها
    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *