سكّنْ تَسْلم

بقلم: محمد أحمد بابا*

يقولُ النُّحاةُ في مجال الخروج من انتقادات البارعين في اصطياد السَّقَطات النحويّة وارتباك الحركات فوق الحروف التي في آخر الكلمات:(سَكِّنْ تَسْلَمْ) ، وحتّى تكونَ ناجحاً في استخدام هذه الطريقة الذكيّة للفرار من المآزق التي قد تستعصي على التدريب والتأهيل لا بدّ أن تكون مستسلماً لحالة الركود والذوبان والاحتضار التي يخلّفها تسكين الحروف في خُطَبِك وعروضك وكلماتك ..

وبعض العازفين يستغلّون ذات الخطّة في إخفاء الخروج أو النّشاز أو الخُرُوقات المويسقيّة التي غابت عن إتقانهم لهذه المهنة، فتكثُر في ملاحمهم المويسقيّة الكثير من الوقفات والسّكَتات دون داعٍ أو تنظيم بعيداً عن التئام فواصل العزف بعضها مع بعض في سلسلة توحي أو تجسّد موضوعاً أو هدفاً معيّنا، ومن الطّبيعي حينها أن تُسَخَّر كلمات الأغاني و قصائد المغنى لقواعد التسكين عزفاً وغناءً ..
امتدّ مبدأُ التسكين والتزام الأسلم والأحَوَط ليصلَ إلى العقاقير والأدوية والأمصال التي يتعامل بها مكافحوا الأمراض الوبائيّة والمعدية، فهم يستخدمون فلسفة موغلة في التّسكين والتخدير كأسلحة مضادّة للهَيَجان أو الانتشار أو الشعور بالألم حتى يستطيعوا السيطرة على الوضع ولو طال الزّمن في بحث واختبار وتجربة وموت مريض بسبب الخوف من التجرُّؤ على عمل قد لا يكون سليماً ..

ولا تفتأُ المياه الرّاكدة في المستنقعات المائيّة المنتشرة في عواصمنا العربيّة ساكنة راكدة مستكينة تنتظر مزيداً من التريّث والتمهّل والتّأنّي حتى يحسمَ أمرها أو تدرس إمكانية (شفطها) أو نقلها من مكانها أو على الأقل قطع التمويل المستمر عنها من أنابيب مكسورة أو مهترئة وعتيقة، وهي أي المستنقعات آخذة بمبدأ البقاء في طور الاحتمالات دونما تصرّف لجوءً للسّلامة التي هي مطلب الجميع ..

حتّى أنّ تعامل الرّجال الفاقدين للنظرة الإنسانيّة الحقيقيّة نحو الزّوجات والبنات والأخوات يعكس هذا التّسكين الغريب المنتشر في كلّ التفاعلات الخائفة والمتردّدة داخل المجتمعات، فهذا زوج ترك زوجته دون نفقة أو رعاية أو سؤال رافضاً البتّ في أمرها طلاقاً أو إمساكاً بمعروف ، وذلك أبٌ عضَلَ ابنته مانعاً إياها من زواج بحجّة الكفاءة وابن القبيلة أو العائلة، والأخوات أتعسُ حظاً إن تولى أمرهنّ أخٌ فرِحَ بأنّه صاحب عضلات على نساء وَصَّاهُ الشرع الحكيم عليهنّ ، فهو عاجز عن ترك الوصاية أو تنفيذ ضوابط الدين فاختار طريق السلامة أنْ ينسى أنّ له أخوات إلا في يوم عيد بعد سنتين أو ثلاث ..

فلنتحمَّلْ إذاً أن يرتاد جميع موظفي الدولة والدوائر الحكوميّة نوادي التسكين والسلامة في تعاملهم مع المراجعين ، فأيّ معاملة لا بدّ أن تأخذ قسطها الطويل من السكون والبقاء فوق الطاولات وداخل الأدراج حتّى يستخير صاحب الفصل والأمر في قضائها أو رفضها وردّها لصاحبها، ومبدأ السلامة هنا يقول: بأنّ الموظف الحذر والفطِن هو ذلك الذي لا يبتّ في أمر إلا بعد مرور أربعة أشهر وعشرة أيام عدّة الوفاة ..

وذلك الرّجل هو ذاتُه الذي امتطى جواد السلامة والتسكين في عبقريّته المنزليّة مع زوجته بجمع أكبر قدر ممكن من الأخطاء والعيوب والنّقائص عن شريكة بعض حياته التي اختارها فهو يسكّن تلك المشكلات واحدة تلو الأخرى في ذاكرته وأرشيف قلبه ليكون لديه رصيد كاف من المجاراة والانتقام عند انفجار أيّ قنبلة بيتيّة أو بركان نسائيّ ..
(ويبقى الوضع على ما هو عليه وعلى المتضرّر اللجوء للقضاء) هي العبارة التي نستخدمها في كثير من القضايا التي نتكاسل عن علاجها أو المبادرة لحلّها معتبرين بأن القضاء هو الفيصل الحقّ في مثل هذه الأمور لأننا نعرف بأن طرق القضاء وعرة طويلة معقدة تحتاج لملفات وأوراق وحجج ومرافعات وتأجيل وتأخير وإحضار وهو ما يتماشى مع مبدأ السلامة التي أدمنَ الجميع حبّها ولو على حساب سلامته ..
مع أنّ ردّةَ الفعل ظاهرة طبيعيّة حتى في الجمادات لكنّ الأمر مختلف في ذوات الأرواح حولنا، فالجنوح للسكون والتسكين للخروج من متاهات الانتقاد والخوف من المعارضة أو الرفض هو السائد على أغلب ممارساتنا على الأقل في عالمنا العربي ولا أدري ما هو السبب ..

قد تكون الرغبة في الأمن والبعد عن المشاكل والخوف من وجَع الرأس والانزعاج من القلاقل والنقاشات هو الحافز لتوارث الأجيال هذه الظاهرة المتفشّية، ولكن إلى متى والأفواه تردّدُ عند كلّ تساؤل عفوي وانتقاد مستحقّ : المُخْرج عايزْ كِدَا، وهذه متطلّبات السّوق، وما باليدِ حيلة ؟
نحنُ نرى أورام الجسد وحبوب الشباب في الوجوه وإن أخذت في زيادة الحجم والتدلّي إلا أنها يوماً من الأيام ستفجُرُ ما بداخلها بفعلها أو بفعل فاعل، فما بعدَ الضّغط سوى الانفجار.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *