الماوراء بين العلم والدين

بقلم: علي بدوي الشهري*

هناك تداخل كبير في مفهوم (الميتافيزيقيا) بين العلم والدين، وهذا التداخل هو ما قد يجر بعضهم إلى حد إما تكذيباً للعلم أو الكفر بالدين والإلحاد وفي كلا الحالتين يعد هذا تطرفاً ويأتي بالويلات لصاحبة في الدنيا والآخرة.

ففي رأي الفيلسوف فريدرك نيتشه أن الماورائيات والإيمان بالله إهانة للإنسان وإهانة لعقله حيث يقول:(ألماً بالنسبة لي وإهانة أن أعتقد وأستمع الى دعاة الما وراء).

وعند بعض المسلمين يعد اليقين بالماورائيات حجة ودليلاً لإنكار الحقائق العلمية، وحافزاً ودافعاً لقيام أحدهم بتفجير نفسه في حشد من الناس طلباً للجنة وللحور العين، وباعثاً لنشوة أحد الخطباء ليقف على منبره مشيعاً بين الناس:( إن الغرب يضع مادة في الهمبورجر تقتل الجينات الذكورية وتبقي على الأنثوية ليقل عدد الرجال)، ولآخر بشرح لماذا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل حيث يقول:(بأن هناك غدة في الدماغ لا يعرف هو اسمها على حد قوله، وظيفتها وعملها عند الرجل مساعدته على التذكر والكلام في آن، بينما لا تعمل عملها هذا في دماغ المرأة)، وهذا بلاشك يعد توظيفاً خاطئاً للنصوص الدينية والتي أتت من عند الله أو من عند أنبيائه ورسله الكرام، ونسف للعلم ولمن يقول به، بينما واقع العلم والنصوص القرآنية والأحاديث الشريفة عدل ومحبة وسلام، ولها حالاتها ومواقفها التي ذكرت فيها ومن أجلها.

وبما أن الحقيقة العلمية عادة لا تقبل الخرافة، فالنتيجة بالضرورة عند كلا الطرفين المتطرفين تصبح شكاً وريبة وكفراً، تنسج خيوطها حول العقول التي لا تؤمن بوجود الله أصلا أو التي تؤمن به تعالى ولكنها تشرك شخصاً أو شجرة أو صنماً ما في ملكه، أو التي تؤمن به تعالى ولكنها تنقض عرى العلم من جذوره، ولأن النظرية العلمية نسبية ولا يمكن أن تكون مطلقة سوى عندنا نحن المسلمون وفي جزئية هامة بل قاعدة مهمة وأساس انبنت عليه الديانة السماوية الإسلامية وغيرها من الديانات السماوية والتي عبث فيها وبها الشيطان وأتباعه حتى أحالوها لشركيات وتبعيات أهواء و وسواس خناس، وهذه القاعدة العظيمة والتي من أجلها خلق الإنسان هي:(عبادة الله والإيمان به إيماناً صادقاً جازماً بوجوده سبحانه وتعالى، وأنه هو الحق المتصرف في هذا الكون كله، والخالق البديع لكل شيء)، لذلك كله تتفرد عندنا كمسلمين المعجزات الربانية المختلفة والتي جاءت على يد أنبيائه الكرام، كشق البحر، واليد البيضاء، وتجلي الله سبحانه للجبل فجعله دكاً لموسى عليه أفضل السلام، والإسراء والعراج لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وخلق عيسى عليه السلام بنفخة في مريم ابنة عمران عليها وعليه السلام، وغيرها من معجزات جاءت كاسرة لعروة العلم النظري والتطبيقي، والتي لا يمكن لهذا العلم أن يفسرها أو يحيط بها، ولا للعقل أن يستوعبها، وهذا ما وجده إبليس وجعل منه ذريعة ومنفذاً لغواية بني الإنسان، والذي لم تسعفه مداركه للتفريق بين العلم كنظرية وبين من جاء بالعلم وأوجده سبحانه وتعالى وتعظم وتبارك، وقدرته التي وسعت كل شيء، وحيث أن القرآن الكريم معجزة تحدى الله سبحانه بها عبادة قال تعالى:(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)، الآية ٨٨ سورة الإسراء ، فالأولى بنا تصديقها وتصديق غيرها من معجزات سواء كانت معجزات خاصة بالمصطفى الأمين أو خاصة بأحد أنبياء الله ورسله عليهم السلام، قال تعالى:(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ( أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الآية ١٥٧سورة الأعراف، لنصل لنتيجة دامغة لا تقبل الشك أبداً ومفادها أن النظرية العلمية تخرس وينقطع لسانها ولسان من أتى بها أمام من خلق كل شيء وأحصى كل شيء علما.
ختاماً: العلم مطلب رباني ووجودي وبه نرتقي ويرضي عنا الله سبحانه، ولكن بشرط آن نوظفه التوظيف الأمثل وأن نُعمل العقل تفريقاً بين النظرية وبين أوجد النظرية وقدرته سبحانه، حينها لا فيلسوف يجرنا من رقابنا لجهنم وبئس المصير، ولا خطيب منبر جاهل يساهم بجهله في تظليل أمة بأسرها وجعلها كالقطيع الجائع يُهلك بعضه بعضا.

كاتب سعودي*

3 thoughts on “الماوراء بين العلم والدين

  1. جميل جدا، وليت كل مسلم يقرأ كتاب موريس بوكاي الذي بعنوان (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم)، ليدرك أن العلم هو ما صدقه القرآن، وليس العكس كما يظن بعض المسلمين للأسف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *