الثقافة الرقمية وتحديات العصر

الثقافة الرقمية وتحديات العصر

 

تحقيق: د ابتسام حسن جسور

لا شك أن الثورة التكنولوجية العملاقة، التي اجتاحت العالم أصبحت تقرب المسافات، بل أزالتها تماماً؛ فيمكنك التواصل، والتحدث مع أي شخص، في أبعد بقعة من العالم، وأن تتعرف عليه، وعلى ثقافته العامة، والإقليمية، كما أن هناك أدوات الثقافة الرقمية، التي أضحى يمتلكها الجميع، ابتداءً من الهاتف المنقول، إلى الحاسب الآلي، وغيره من أدوات.

وهناك فرق بين العلم والثقافة؛ فمعرفة استخدام أدوات الثقافة عملية تعلم، وعملية تدريبية، وامتلاك أجهزة رقمية، ومعرفة استخدامها، هو إلمام بأدوات الثقافة الرقمية، ويمكن لأي شخص امتلاكها، ومعرفة استخدامها، إلا أن الثقافة مصطلح يعني: أدب الشيء، وتقويم المعوج، وتهذيبه، وإخراج المفردات وتهذيبها، وتقويم المعوج منها، وتقدم العلم في صورة مهذبة، وفق معالجة راقية؛ لتتناسب مع مجتمعاتنا، وبيئاتنا؛ لتشكل ثقافة مجتمعية، أدب، وفكر، وحماية ذلك الإرث الثقافي.

ولأهمية الثقافة الرقمية في حياتنا، بشكل كامل، من تنمية، واقتصاد، وللمجتمع؛ كان لابد لمجلة فرقد الإبداعية، أن تقدم هذا التحقيق مع بعض المثقفين العرب، مستعرضة بعض المحاور؛ وهي:

كيف يمكن تطويع وتهذيب أدوات التكنولوجيا الرقمية، من قبل المثقفين لتبرز ثقافتنا العربية، وتميزها في ظل الفضاءات الأسفيرية الواسعة، التي تنقل كل الثقافات العالمية؟

ما الطريقة لتسويق منتجنا الثقافي العربي، في ظل الخضم الكبير من الثقافات المتباينة، والمحافظة عليه، وتطويره ونقله، إلى الأجيال القادمة، بصورة راشدة تضمن الاستمرارية، والتغذية الراجعة، ونقله للعالم، واستقبال ثقافات أخرى؟

ما دور الثقافة الرقمية في نقل المعرفة، وتنمية اقتصاديات الدول؟

أفادنا الخبير الأديب والإعلامي، كاتب عمود “نبض التقنية ” بصحيفة الوطن السودانية، متخصص في الشبكات، وأمن المعلومات، ومؤلف كتاب ” الجرائم الالكترونية”، وناشط في منظمات المجتمع المدني، حول ذلك الأستاذ خبير عثمان بقوله:

تعتبر شبكات التواصل الاجتماعي، وسائل خير، ونفع لمن أراد النفع، والانتفاع بها، إلا أنه حدث فيها من الشر، والفساد، ما الله به عليم، ولكن من حولها إلى الشر، والبلاء، تلك مصيبة، فيها مواقع فرقت بين الزوج وزوجته، وبين الإخوة، والأصدقاء، والأصحاب، أما _ والعياذ بالله_ المواقع الإباحية، تنشر فيها الفاحشة، عياناً بلا خجل ولا حياء، وأما المواقع الالحادية فيها كفر، وضلال، وسب لله ورسوله، وللإسلام وأهله، وأما المواقع العدائية تحاول بث الفرقة بين الأمة، وتشويش وتمزيق وحدتها، والقدح المعلى في قادتها، إلى غير ذلك.

فمن هذه الوسائل أرى أن السيطرة، والاستحواذ عليها يعد أمراً مهماً، ولن يتم ذلك بالإلغاء؛ فإن ذلك أمر صعب، وإن منعت جهة، تظهر جهة أخرى، ولكن توعية المجتمع وشبابنا، وتبصيرهم من آبائهم، وأمهاتهم، وإخوانهم، ودعوة الخير، والتحذير منها أمر مهم؛ لذلك المعلمون والمعلمات يحرصون على أن يبعدوا الناس عنها، المثقفون، والإعلاميون، وخطباء المساجد، كل يؤدي واجب نحو إصلاح الشباب، واستئصال هذه الجرثومة الخطيرة، التي تشبه الفيروس الضار على مجتمعنا الإسلامي عامة؛ فإنها بلاء عظيم على صغارنا؛ فهم يتأثرون بهذه التقنية الحديثة، من معلوماتية بكل ما يلقى عليهم، وليس لديهم التمييز بين الحق والباطل.

هذا في الوقت الذي يتغير فيه العالم كل يوم، وتتيح الاتصالات الحديثة فرصاً جديدة، لجميع أنواع الأنشطة؛ لذلك نحن بحاجة إلى إعادة تشكيل برنامج الترويج الإسلامي، عبر منصات التكنولوجيا الرقمية بهذه العناصر، والوسائل الاجتماعية في هذا العالم الافتراضي، والاستفادة من جميع إمكانيات التقنية، ووسائل الإعلام، مع تجنب آثارها السلبية، بما يصب في مصلحة الإسلام، والأمة الإسلامية، وفقاً للقواعد الأساسية، والإرشادات الدينية.

وبالتالي سوف تساهم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ووسائل الاتصال الحديثة، أكثر في تشكيل نمط حياتنا، وصياغة الرؤى العالمية الحديثة؛ حيث باتت هذه الأدوات بمثابة النافذة الرئيسية؛ لنشر الأفكار والإيدلوجيات، ولكن تكمن المعضلة هنا في البعض؛ بتسخير التكنولوجيا الرقمية من أجل تحقيق المكاسب، والنجاح العالمي.

إذاً لا جدال في أن عصرنا الحالي، عصر ثورة الاتصالات، وتكنولوجيا المعلومات، والفضائيات، والبرمجيات، والإنترنت، الذي يعد عصراً مختلفاً اختلافاً بيناً، عن أي عصر سابق؛ فقد أصبحت منجزات هذا العصر، تحاصر الإنسان في كل مكان، ولم يعد في مقدور المرء أن يلاحق التطورات، والاكتشافات العلمية المذهلة، التي تظهر كل يوم مع تغير نظام نقل الرسائل، إلى أن حلت التكنولوجيا الرقمية الحديثة، محل عمليات الاتصال التقليدية.

وترى بسمة الحمايدي صاحبة مؤسسات خدماتية، ومختصة في الاستشارات التجارية والتسويق، في تونس:

أننا نتلقى المعلومات في أشكال، وطرق متنوعة، ومختلفة، ومن خلال وسائط متعددة، كالمواقع الالكترونية، والفيديو، والألبومات، والألعاب الرقمية، واليوم لا تلزم الثقافة للنجاح؛ ولكن ما يلزم هو الثقافة الرقمية، والجدير بالذكر أن الثقافة الرقمية، قد اجتاحت العالم، وصارت ركيزة الدبلوماسية الاقتصادية، فلم يعد المتعلم في العصر الرقمي، متعلماً عادياً؛ يتلقى معارف محددة، فمع اطلاعه المستمر على المعلومات الرقمية، بشكل متواصل نوَّع هذا المتعلم في معلوماته؛ فعالم الثقافة مفتوح أمامه على مصراعيه؛ فقد سهَّل الإنترنت الحصول على المعلومات، حول جميع المواضيع، يستفيد الأطفال، والراشدون، إلى درجة كبيرة من الإنترنت، وذلك على مستوى ” التعليم والتعلُّم”، بالإضافة إلى كونه وسيلة ترفيهية رائعة.

إذ تؤثر الثقافة الرقمية في العمل الدبلوماسي، كواحد من أدوات تطويع أدوات الثقافة الرقمية، فانعكاس تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، كوسيلة وطبيعة عمل جديدة،  للعمل الدبلوماسي، واضح مع ظهور الإنترنت، والمحمول، والحاسب الآلي، والاتصال عن طريق الأقمار الصناعية، وما تتيحه مواقع الإنترنت من معلومات، جيو سياسية أثرت على وظائف الدبلوماسية، وهي الحماية لمصالح الدولة، والملاحظة، والمتابعة، والمفاوضات، وجميع المعلومات، والمشاركة في صنع القرار، والمحاكاة للمنازعات الدولية، وتعظيم فوائد التدريب، ورفع كفاءة العنصر البشري.

لا يمكن لأي مهتم بالشأن الثقافي العربي، إلا أن يثمن تزايد الاهتمام بالثقافة الرقمية، وبكل ما يتصل بالوسائط المتفاعلة. ومنذ أن بدأ الاشتغال في أواخر التسعينات بهذه الثقافة، ظهر بأننا متأخرون عن العصر، وأن على المثقفين، ورجال التربية والأدب، أن ينخرطوا في الفضاء الشبكي، ويجددوا معارفهم بما يفتح لنا مجلات واسعة؛ للإبداع، والتفكير، من أجل المستقبل، لكن التذبذب بين القديم والحديث، لدى الأغلبية، والحماس الزائد للجديد، لدى البعض؛ جعل إقدامنا على الانخراط الواعي متعثراً، ومشاركتنا في الواقع الافتراضي ناقصة.

ورغم تجاوز الحماس والتذبذب، واتساع دائرة الاهتمام، بعد مرور أكثر من عقد ونيف، ما نزال بمنأى عن تحقيق الغايات المأمولة، أو انتاج الوسائل التي بمقتضاها نتجاوز الاستهلاك، أو ننخرط في فتح نقاش جاد حول الثقافة الرقمية، أو نسهم في إبداع الأدبيات، الفكرية والمعرفية، التي تجعلنا نتجاوز المحاكاة إلى الانتاج.

بينما ترى الدكتورة ريان جمال يوسف، طبيبة أسنان، كاتبة مهتمة بالتراث، وناشطة في مجال العمل التطوعي:

أن الثقافة الرقمية أصبحت إحدى المواعين البديلة للثقافة التقليدية؛ حيث نتواصل في ظل مساحة موحدة اسفيرياً، ونتبادل المعلومات، والرسائل، في تحدِ زمني ومكاني، حيث تحولت الأحرف إلى أرقام، وتحولت كل المعلومات الداتا، من أحرف، وكلمات، إلى كبسولة رقمية، ساعدت كثيراً على تخطي، حاجز الزمان والمكان؛ فيمكننا نقل معرفتنا، وثقافتنا، ونشرها بيسر.

ظهر مع هذه التقنية والتكنولوجيا إبداعات؛ فقد ساهمت في بلورة إبداعات الأطفال؛ فنجد الطفل قد توفرت لديه، كل سبل الاطلاع، والألعاب، والتفكير، والإسراع بالذكاء الاجتماعي.

لقد ساهمت هذه الثقافة الرقمية، في تداول وانتشار، سائر الفنون، والآداب، والفكر، فيها الإيجابي والسلبي، لكن نستطيع القول بأنها ساهمت في نشر ثقافات الشعوب، والتعريف بها، ونقل المعرفة والعلوم، مثلاً في مجالات الطب، ساعدت في تطوير الأبحاث العلمية، وطرق العلاج الحديثة، والابتكارات، وفي مجال العمارة والنحت، أصبحت جزء من حياتنا اليومية.

ونلاحظ ذلك حتى في تواصلنا الاجتماعي، وفي علاقاتنا؛ لذلك يجب علينا أن نقود هذه الثورة التكنولوجية والتقنية، بأدب المثقف والعالم؛ لنحافظ على تعزيز موروثنا، وهويتنا، وربط الأجيال بموروثها الثقافي والحضاري، وأن نعزز ذلك فيهم؛ حيث الانفتاح الثقافي، والجانحات من ثقافات أخرى، في ظل عالم أضحى داخل جهاز واحد، وليس قرية واحدة، أو غرفة واحدة، كما كنا ندلل على هذه التكنولوجيا.

9 thoughts on “الثقافة الرقمية وتحديات العصر

  1. أشكر للأساتذة تدخلاتهم القيمة بخصوص هذا الموضوع الذي أصبح يؤرق المهتمين والمربين على حد سواء .. نظرا لسيطرة وسائل التواصل على معظم نواحي حياتنا وسلوكياتنا . وبالتالي لابد من تظافر الجهود لتقنين استعمال هذه التقنية وفق هويتنا وثقافتنا وأخلاقنا كما تفضل أستاذنا الفاضل خبير عثمان ..

  2. اؤيد رأي الخبير الأديب خبير عثمان في مكافحة المواقع والضارة وصفحات الفيس بوك الموجهة لتدمير الشباب وتشويش افكارهم وزعزعة المبادئ التي تربو عليها
    ان الحل هو توعية الشباب والاهتمام الاسري بالتواصل مع ابناءهم ومناقشتهم بصورة موضوعية دون ضغوط لأننا اذا حاربناها بقفلها فانها مثل النبت السرطاني ستنبت لها مائة موقع او صفحة اخري باسماء مختلفة وبنفس الموضوع
    التحية لكم وشكرا لموضوعكم المهم

  3. موضوع مميز ورائع يستحق تم تسليط الضوء عليه من المتميزة أستاذة ابتسام كما هي عادتها في اختيار المواضيع وسردها بأسلوب إعلامي فريد ..

  4. أجاد و أحسن الكتاب في تناولهم موضوع الثقافة الرقمية و تحديات العصر.. و هو موضوع خصب جدا و واسع كون أن العلوم و التطبيقات الرقمية أصبحت تمس كل نواحي الحياة الحديثة … لذلك أرى ضرورة الاستمرار في كتابة المزيد عن الثقافة الرقمية و ارتباطها و أثرها بحياتنا في هذا العصر من الناحيتين الإيجابية و كذلك النواتج السالبة.
    احسنتم بارك الله فيكم.

  5. الاستاذ خبير عثمان مشكر على موضوعك لانك تطرقت لنقطة مهمة جدا وهي ان وسائل التواصل الاجتماعي تحتاج لرقابة صارمة و الحرية المطلقة في هذا المجال هو شر يتربص بالمجتمعات انا معك عندما اقترحت ان تتقيد بضوابط دينية اخلاقية تتلائم و طبيعة المجتمعات .

  6. نمط ابداعي وافكار نيره نتمني أن يتوسع بكم افق كل الشباب لنشر أفكارهم .

  7. دكتورة ابتسام جسور صاحبة القلم الراقي والفكر المبدع دمتم دووما في كل مجالات الحياة العامه والتطوعيه مقال راقي يضم كووكبه متنووعه من الحاضرين بقلمهم وفكرهم الي الامام دوما
    والشكر لكل من يقومون بمثل هذه الكووكبه الشامله الكامله والي الامام ومزيدا من التفرد والابداع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *