رأيتُ كما يرى النائم -في أَثَرِ نجيب محفوظ-

18:26:50

بقلم: طارق بن خويتم المالكي*

رأيتُ كما يرى النائم أن الشمسَ فرّت من النهار باكيةً، و ذهبت تدسُّ رأسها في حضن الليل، بعدما هاجمتها غاراتٌ من الغيوم المُتجهِّمة. فعلمتُ أنه الإسلام يشكو من المسلمين بسبب ضعفهم و تشرذمهم، فتكالبَ أعداؤهم عليهم!

رأيتُ شاةً سوداءَ لا تأكل سوى الأرواح، ترعى قطيعًا من البشر، و تجلب لهم ماءً مُلوّثًا و برسيمًا محروقًا، ثم تقودهم إلى شفَا جبلٍ، لتهوي بهم واحداً تلو الآخر. فعلمتُ أنه التطرّف بكل وجوهه و أشكاله!

رأيتُ الطائرةَ تحاول اللحاق بمُهرةٍ جريحة، و الرياحَ تجري لاهثةً وراء السلحفاة، و الأُسُودَ تولّي هاربةً عندما تعدو المها وراءها. فعلمتُ أن القيم انتكست و المعايير انقلبت في زمننا، فالحكمة أضحتْ جُبْنًا، و الحق باطلًا، و الأقارب عقاربًا!

رأيتُ السماء تنهمر دمعًا، و السحاب اسودّ وجهه هلعًا، و الرعد يصرخ ألمًا، و البرق يشتعل فزَعًا، و الأرض تصفّق طرَبًا و نشوةً، و الخلق يحلِّقون فرحًا. فعلمتُ أنها الشدائد تحمل في طيّاتها البشائر!

رأيتُ الطواويسَ تتصدر المجالس، و السياراتِ تسير على مياه المحيطات، و المريضَ يداوي الطبيب، و الفقيرَ يتصدّق على الثري، و الماء البارد يُوقِد النار. فعلمتُ أنها أمورنا عندما نُوكلها لغير أهلها!

رأيتُ الدنيا جالسةً مُتربّعةً على قدميها، و في يديها رحىً بالغة العظمة، يمتدُّ قُطْرُها من المشرق إلى المغرب. و عندما تديرها لا يهرب الناس. و عندما تطحنهم يضحكون. فعلمتُ أنها رحى الوقت!

رأيتُ قبوراً محفورةً في السحاب، يتساقط منها موتى يمشون على الأرض، و يعيشون في قلوبنا، و نلتقيهم في مجالسنا، و يحضرون في أحاديثنا. فعلمتُ أنه الذكر الطيّب الذي يخلف الإنسان بعد رحيله!

رأيتُ كل هذا، كما يرى النائم، و لكنني كنتُ يقظًا!

كاتب سعودي*

4 thoughts on “رأيتُ كما يرى النائم -في أَثَرِ نجيب محفوظ-

  1. هي حقائق نراها بأم أعيننا، ولأنها مؤلمة لا نود تصديقها، لذا أصبحنا نرى ما يرَ النائم..
    أحسنت.. فقد أبدعت أحرفك في ومضاتها، وأبدعتَ بإيصال ما تريد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *