قراءة في المجموعة القصصية (نثار) للقاصة: مريم الحسن

تقديم القراءة: عبد الله الخضير

الاستعارة التصوّرية في قصص القاصّة السعودية مريم الحسن

نحن أمام جنس أدبي حديث وليد يبحث عن شهادة ميلاد شرعية من المثقفين والجماهير والقراء، نحن أمام جنس أدبي يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة فضلاً عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنّفَس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث إضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار.

نصوص الكاتبة الحسن تتنزّل في إطار المنهج العرفاني الذي هو مذهب قائم على مفهوم العرفان وهو نشاط لمعالجة المعلومة والتمثيل لها طبيعياً أو اصطناعياً، ومن الممكن الولوج إلى نصوص القاصة عن طريق تآلف اللغة مع الذهن عبر انسجامات تصوّرية، وبمعنى أوضح يتيح لنا المنهج العرفاني فهم شيء ما وتجربته أو معاناته انطلاقاً من شيء آخر، ولعلّ اللغة لا تقوم بكلّ هذا، بل الذهن هو المركز لها، فالكاتبة لا تقصد التأثير ولا الجمالية ولا الإغراء بقدر ما تريد أن تؤصّل لفكرة معينة أو نقد ظاهرة قبولاً ورفضاً، ولذلك هي تعبر عن تفكيرنا ودواخلنا، بل هي تساعدنا على الفهم للواقع وفي الوقتِ نفسِه تسمح لنا بالتأويل فيما يخدم النص أو يضيف دلالة لهذا يبقى النص في سيرورته .

والاستعارة المركزيّة متمثلة في مفردات تنطلق باتجاه العلو نحو الأنواء فتكون عرفانية في بعض دلالاتها كما في قصتها (كواكب) وهو العنوان الذي يطلق للقارئ خياله كي يفكر كي يؤول

يعدّان الأجرام واحداً تلو الآخر 

تهديه كوكباً

يختل توازن السماء وتفتح لنا أبواباً من الخيال

وفي نص آخر تستحضر الشمس أكبر الأجرام السماوية لدلالة التفاؤل، تفاؤلٌ لم يدمْ

(مع بزوغ الشمس يصرخ ميلاد جديد.. تنجب طفلاً في يده سكيناً!

وفي نص آخر:

 تعود إليها بأشلاء ممزقة

تنثرها نحو الأفق وتزغرد

تساقط عليها شهباً!

وفي نص ظالم

دلق الكأس شقّ القمر نصفين!

وفي نص الثورة تنكمش الكرة الأرضية بفعل البخار الساخن المتصاعد من القلوب المحترقة

تأتي مفردات الكاتبة في القصة القصيرة جداً لتؤكد على فكرة الانتماء إلى العلو إلى التسامي مع الله إلى تمثيل حالة من الألم والمعاناة والقلق ، فقد أسقطت الكاتبة مضامين عرفانية رسّختها التجارب وهي  (كواكب ــ الأجرام ــ السماء ــ الشمس ــ القمر ـ شهب ـ المحترقة) وهي تشكّل العلو واللمعان والسطوع والبروز في الثقافة العربية وكلّها متصوّرة في الذهن ولها حضور كبير فالعرب جعلوا من هذه الأجرام باباً من بوابات الاشتعال والاحتراق، وإن كانت هذه الأجرام تمثّل مصدراً للجمال إلا أنها تعكس رمزية الاحتراق والاشتعال الذي تعانيه وتؤكده الكاتبة في أكثر من موضع إذ تقول في نص آخر:

قوارير الذات:

هزت الثورة العارمة أغصان الأوراق المحترقة

وفي نص الثورة:

افترشوا المدن بأسلاك شائكة وأحرقوها

وفي نص الجبهة

تصبب عرقاً وارتفع لهاثه

يشعل عود ثقاب يحرق المكان

وفي نص ربط

تمسح دمعتها وتطفئ نيران الغيرة من قلبها

فتتعثر في شهب الرجم

بل تعنون قصصها القصيرة جدا بعناوين ترتكز على التصوّر الذي تريد أن تمدّنا به

عنوان قصته القصيرة جدا (شرارات)

تراقب الشرارات النارية

وفي نص تعويذة الفقراء

فتحرق بلهيبها خلايا الرضيع.

وفي قصتها القصيرة جداً بعنوان أرض:

سلبوها أمنها، أشعلت قذيفة، فار التنّور.

كلها مفردات متناسلة ومتذررة ضمن بنيات تصوّرية في المستوى المقولي، وكلّ هذه الاستعارات تتفاعل اتجاهياً نحو الأعلى إذ أن اللمعان والشرار والنار وعود الثقاب والاحتراق يتجه ضمن وعاء فضائي عمودي إلى أعلى وهنا يرتبط الجسد مع التجربة فتشكل الفوقية والعلو والالتصاق بالآخر، بل محاولة الوصول إلى النموذج الأعلى من الحياة.

وهذه القراءة العرفانية في نصوص مريم الحسن تضطلع بعدة وظائف جوهرية هي الوظيفة البنائية وتتجلّى فيما أنتجته الاستعارات المركزية في مستوياتها المقولية وتناسباتها الفرعية من تماسك نصّي. أساسه انتظام عرفانيّ ذهنيّ في فكر الكاتبة، فالتماسك النصّي اللغوي بدأ من وراء تماسك فكر الكاتبة وانتظامه في شكل بنيات. بها تواجه الكون وتؤوله.

أما الوظيفة الأكسيولوجية القيمية فمدارها على ترسيخ قيمة الشعور بالآخر والإحساس به والبوح له وعنه ومحاولة التقرب إليه، وتعميق صورتها عن طريق المحسوس والمعيش والتجربة.

أما الوظيفة الأنطولوجية الوجوديّة، فالكاتبة تحاول من خلالها أن تفهمنا بطرق محسوسة ومجردة عن هذا التسامي مع الأنواء للوصول إلى حقيقة الوجود، فتؤكد بأنها كاتبة اجتماعية واقعية ولها وجود في خارطة القصة القصيرة جدا، ووجود الآخر أيّاً كان هذا الآخر ضمن عملية الاحتراق والاشتعال والمعاناة.

 _____________________________

 

باحث دكتوراه في الاتجاهات النقدية الحديثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *