على شفيرالعالم المتحضر

قصة قصيرة

جمال الدين علي*

تريدون قصة; حسناً إليكم ما حدث ولكن لا يجب أن تعولوا كثيراً على الترهات التي سأوردها هنا، إذ لا تأكيد على مصداقيتي البتة، عليكم بمشاهدة الحدث مباشر في نشرة المساء، فأنا بعد الذي وقع بت أنظر للأشياء من حولي بما فيها الحياة باحتمالية وليس يقين، ربما كنت أهذي، عن نفسي لم أكن مدركاً لما كان يحصل معي،  بل لم أكن متيقنا، هل أنا ميت أم فاقدٌ للوعي؟
كل ما أذكره أنني كنت أفتح عيني على كتل الأمواج في المحيط و تلك الحيتان الضخمة تسبح بجواري تلتهم الأحلام الطافية بقربي؛ فأغيب، ومع مرورالوقت تصالحت مع قدري، أختلس لحظات غفوته وأكتب قصتي على الماء، وفضلت هكذا أمسح بكفي على سطح الموج وأعيد كتابتها حتي ملت إلى تصديقها. ليس لقنوات الأخبار و صائدوا السبق الصحفي خيار; فلربما كنت أنا الناجي الوحيد من وليمة الحيتان تلك.
ذات مساء مزدحم بالمشاعر المتضاربة غادرت سفينتنا الشاطئ، ذلك الذي شهد اجتراح الخاطر و نزف المشاعر التي فاضت ولونت سطح البحر بلون قرمزي باهت. أخذت تلوح بمنديل أرجواني وعيناها ترسلان عتاباً خلف عتاب، تصطدم نظراتنا وتتحطم بدوي هائل يصم مسام روحي،  اختناق عبراتها المعاتبة حجر يرتطم بسطح البحر، وأنا أراقص الموج تصل تموجاته تهزني من كتفي ولا ألتفت لتوسلاتها( أرجوك لا تسافر; لا أريد شيئا، يكفيني من الدنيا قلبك الكبير). وكان قلبها يحدثها بلسان منفطر،  قال صديقي( في البداية كلهن يقلن مثل هكذا، وبعدما تدخل القفص برجليك سرعان ما يكتشفن الخديعة،  يركلنك بلسان سليط خارج أسوار الوطن). ربما كان محقا؛ صديقي تزوج زميلته في العمل عن حب وبعد عامين انهالت عليه مرزبة الحقيقة; حقيقة الحياة وزيف الحب وخداعه، وفضل يسب ويلعن الفقاعة التي تسمى الحب حتى رحل. هكذا قال وهو يودعني إلى فرنسا،  قال لي في آخر مكالمة هاتفية جرت بيننا أنه في باريس وجد الجن يتسكع في الطرقات مع الإنس; ابتعد قليلا عن الصخب كما قال لي، تهدج صوته: ولا زلت أبحث عن الملائكة.
ساد الصمت ثم أضاف: يبدو أنني تركتهم خلفي في الديار.
وأقفل الخط; لا أدري هل كان متعجلاً لإنهاء المكالمة لأنني طلبت منه مساعدتي في الخروج أم لأنه ذهب ليدفن شوقه في حنايا روحه ويبكى عند قبره؟.
تباعدت السفينة شيئا فشيئا واشتد خيط الشوق الممتد من أعيننا حتى تمزقت خيوط الرؤيا وصارت ضبابية.
من بعيد لمحت طيف المنديل محلقاً بالجو،  ثم هوى ساحباً معه روحي إلى قاع سحيق.
ذلك المنديل التركواز الرخيص اشتريته من الفتاة التي كانت تبيع الاكسسوارات اليدوية المصنوعة من الجلد للسواح في الشاطئ. عندما قدمته لها شهقت وتلقفته ككنز ثمين عثرت عليه صدفة، طفرت دمعة من عينها، مسحتها وتذوقت طعمها; ابتسمت وقالت: دموع الفرح طعمها حلو. وناولتني المنديل: تحب تجرب.
وأنا أرتشف نور السعادة المنسكب من عينيها، قلت يجب أن أرحل. لم ترد عليّ تركتني وهرولت عائدة، لابد أنني لحقتها وطيبت خاطرها بكلمات خائبة.
ربما أطلقت سراح ذلك المنديل الآن بعد أن تذوقت مرارة دموع الفراق التي أحس طعمها الآن في حلقي.
فكرت في القفز من السفينة والسباحة والتقاط المنديل وحمله معي; حالا نسيت! عاتبتني نفسي; فأقلعت عن الفكرة. في الحقيقة كنت أخشى التقهقر والسباحة نحو الشط وليتني فعلت.
الموج لا يزال يراقصني حتى شعرت بالدوار و يبدو أن الشمس شعرت بالغيرة; لململت كرامتها وهرولت مخلفة ظلاماً ثقيلاً جثم على صدر سفينتنا; فقطعت الأنفاس. الكل متقرفص في ركن يبكي في صمت. لا نهنهة ولا نشيج ولا تمخيط. كيف والرجل البشع أشهر سلاحه في وجه الطفل الرضيع وهدد أمه أنه سيلقيه في البحر لو سمع شخيره حتى، غربت الشمس ولا أدري أين تشرق عليّ غدا. نظرت إلى السماء; أبحث عن نجمي وسط النجوم اللامعة. جدي قال إنه في ليل الصحراء يهتدي بالنجوم. أنا في عرض البحر والظلام; النجوم حاضرة ونجمي غائب. ثمة طائر وحيد خبط جناحيه من فوقي تابعته بأذنيّ حتى اختفى في المجهول.
هل كان مثلي يبحث عن جذر آمنه يدفن فيها خيبته؟ تمنيت لو كان لي جناحاً حتى لو مهيضاً لطرت خلفه إلى حيث المجهول.. عدلت عن الفكرة عندما تذكرت أنني ذاهب إلى ذات المحطة فقط بوسيلة أخرى.
تلك الموجة الفاخرة الطول تملك صدراً طامحاً وحضناً دافئاً; عندما التفت واحتضنت السفينة; تكسر رذاذ الشوق على وجهي،  فأدرته نحو الدفة التي كانت تمخر العباب مخلفة دوائراً وفقاعات من الشك ومن المصير المجهول الذي ينتظرنا لو لم تصمد هذه السفينة المتالهكة أمام العاصفة.
رويداً رويداً ابتعدت السفينة ولفها ضباب البحر و سكونه، سرعان ما تاهت نظراتي وسط غمامة الحزن التي كست الجو. مضت السفينة في طريقها تاركة عمري وحبي وكل شيء. ظلت صورة الحياة البائسة التي عشتها عالقة بذهني و بريق الأمل حاضراً. وبرغم أنني أطفأت شمعاته للتو ظل عمري يتمدد أمامي كسراب وأنا أمضي إلى حتفي باندفاع الثور المطعون بلا مكابح صاماً أذني عن المخاوف التي ضجت بداخلي. ليس لي أن ألوم أحداً. أحلامي هي التي سحبتني من قفاي وركلتني خارج أسلاك الواقع، سقطت في عرض البحر سمكة مغمضة، أعرف وجهة السفينة وأجهل وجهتي.
كنا وزميلي في المدرسة المتوسطة نضحك من طلاسم إيليا وهو يتساءل:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت.. أهمس. أطرش في زفة وينفجر زميلي بالضحك ولا يتركه الأستاذ إلا بعد أن سلخ تلك الضحكة من شفتيه حتى أدمعت عيناه. ليته يسلخ ذهني الآن بالسوط حتى أفهم لماذا ظل إيليا يتساءل بحيرة:
لست أدري أجديدُ أم قديمُ أنا في هذا الوجود؟!
أشعر أنني كنت قديماً هناك. قدم أجدادي وأسلافي الكهوف والجبال. قدم النيل. وهنا على الماء جديد أنا ولامع وشفاف وخفيف كفقاعة تتلاعب بي الأمواج والرياح في وسط بحر مل تسفار البشر.. هل يعلم البحر أنني تحدرت مثل أبي النيل من بعيد لألقى حتفي بين أحضانه؟
ربما لو عرف ذلك لكان رحيماً بي; لأخذني في أحضانه ومنع الحيتان تلتهمني.
هل كان لزاماً عليّ خوض التجربة الخطرة وأنا أشاهد كل يوم وليمة للبحر تتقدمها نشرات الأخبار بلا دعوة؟
أقول نعم بالفم المليان; وأنا أعلم حجم الحيتان التي تركتها خلفي تقضم أوصال الوطن. ولا تترك للأسماك الصغيرة مثلي سوى الفتات العالق بين أسنانها المدببة الحادة; اكتشفت أننا نظل ننظف لها أسنانها لتبدو لامعة وبراقة وهي تتهيأ لوجبتها القادمة.. أنا رفضت القيام بهذا العمل القذر. قال أحدهم في خطبة راقصة أن البلد كبير ويسع الجميع; مدد رجليه وبسط يديه; فضاقت أحلامي. وقعت من قد القفة وداستني الأقدام. أخبرت حبيبتي بخطتي ولكنني لم أجرؤ على مفاتحة أمي حتى لا تزج بأحلامي في صميم قلبها العطوف. لابد أنها عقب رحيلي ظلت تنتحب في جوف الليل و تدعو لي بالخير. أحلم بها في غيبوتي تقول لي.. تمسك بحبل أيوب ودعاء سيدنا يونس.
أيام وسفينتنا تهيم على وجهها في البحر تصدها الموانئ; لا أحد يستقبل سفينة تحمل الجزام. العالم المتحضر ذلك الذي يمسح يديه بعد المصافحة وبعد الأكل وبعد الدخول إلى الحمام لا يمكن أن يمد يده وينتشلنا. نحن بالنسبة له خبر; صراخنا طنين بعوضه سرعان ما ينشه بيده وهو جالس أمام شاشة البورصة. تركض خلفنا العدسات و تلهث الأقلام وتتبرج الشاشات في المساء والكل يعد نفسه للحفل الجنائزي الفخيم. ربما نجوت من الموت ولكن هل دعيت لذلك الحفل؟
* قاص وروائي من السودان 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *