في قبر الملك توت

 

قصة قصيرة

للقاص/ حفناوي سبد *


ماتت زوجتي في القاهرة ليلة زفافنا
كانت زوجتي فتاة في التاسعة والعشرين
تنحدر من عائلة ثرية، من المملكة المتحدة
و كان جدها عضواً في البعثة العلمية التي اكتشفت قبر الملك توت عنخ آمون بمصر.
اتصلت بوالدتها من القاهرة وأخبرتها بوفاة زوجتي 
بعد عشرين ساعة، 
حضرت كل العائلة الإنجليزية إلى القاهرة، وعند الانتهاء من مراسيم تغسيل الجثة وتعطيرها، تم لفها في قطعة قماش فرعونية، وتم تحنيطها سراً في مشرحة مستشفى القاهرة المركزي، حضر العملية والدها،  وأحيطت العملية بسرية تامة، استغربت من عملية لف الجثة في ملاءة فرعونية، وما زاد دهشتي، هو تحنيط الجثة ليلاً، حيث استغرقت العملية سبع ساعات بالضبط، تم تحديد ساعة الدفن في مقبرة الملوك ليلاً، وتم نقل جثمانها إلى المدافن الفرعونية في عربة مصفحة، نظرت في الممرضة التي كانت تتابع العملية‪ ‬وقلت مندهشاً، هل نحن في زمن الفراعنة سيدتي؟
ردت الممرضة الفرنسية بهدوء قاتل:
ألم تقل لك زوجتك بأن جدها شارك في البعثة العلمية التي اكتشفت قبر الملك توت عنخ آمون.. وأن السلطات في مصر وافقت على دفن حفيدته حسب وصيته، كمكتشف في قبر هذا الفرعون !!
قضية دفن زوجتي في مقبرة الملوك لها قصة طويلة جداً، حيث كان جدها من علماء البعثة الأثرية التي زارت القاهرة واستخرجت جثة الملك توت عنخ آمون، فعهدت وزارة الآثار المصرية لرئيس البعثة بإمكانية دفن واحد من أحفاده في أي قبر من قبور مقبرة وادي الملوك بالجيزة، إن شاء ذلك،  فاختار جد زوجتي أن تدفن جثته في قبر توت، ليكون المكان الذي يرمز فيه لعظمة الأسرة وعراقتها في العلم والبحث والتاريخ، لكنه حين فقد أعز حفيداته قبل موته، آثر أن تدفن هي مكانه مع الملك توت، كونها كانت معجبة حتى الموت بدلال الملك توت.. كانت منبهرة بالقناع الذهبي المصنوع خصيصاً لجثمان توت، .كانت تطالع وتجمع كل مقتنيات قبره البديع الصنع.. وتبحث يومياً عن سر اهتمام كل مصر القديمة بالملك المدلل توت.
كانت المقبرة هائلة الحجم وفي منتهى الفخامة والروعة.. كانت أقرب إلى السرداب من كونها مقبرة عادية.. تماثيل كبيرة الحجم لحيوانات مختلفة مصنوعة من الذهب الخالص.. كانت كلها مرصعة بالجواهر والأحجار الكريمة، كمية ضخمة جداً من قطع الذهب الشبيهة بالسبائك كانت موجودة في كل ركن من أركان القبر الفرعوني الرائع.. جسد زوجتي نفسه كان ملفوفاً في قماش فاخر جداً و كان مرصعا بالجواهر الكثيرة الألوان.. كانت المقبرة تحتوي على كنوز لا حصر ولا عد لها، كل مقتنيات قبر الملك توت كانت لا تقدر بثمن، وكان الكشف عن قبره في جد ذاته حدثاً تاريخياً لا مثيل له، قد كلف البعثة العلمية عشرات الملايين من العملات الذهبية. أهمية القبر الذي دفنت فيه زوجتي، كانت تكمن في أنه كان الكنز الملكي الوحيد الذي عثر عليه كاملاً.
عندما اقتربت من القبر، كتبت على مدخل المدفن عبارة ‪:‬ لا تقربـوا هذا القبر وإلا سيكون عقابكم الموت، من يتجرأ على فتح هذا التابوت سيذبحه الموت بجناحيه.. ‪!‬

كانت زوجتي قبل وفاتها قد طلبتْ مني، بأن أطلي جسدها بالسم سراً، فطليت جسدها كاملاً، ووضعت شيئاً منه على جدران القبر كما طلبت مني بالضبط، كانت زوجتي تقول لي إن السم سيكون قاتلاً وإن البعوض الذي سيتطاير من التوابيت سيحمل طلسماً وتعويذة تقتل كل من اقترب من قبر توت، استغربت كيف وافقت السلطات المصرية على دفن امرأة بريطانية مع الملك توت، لكنني حين اكتشفت أن القبر كان درجاً ينتهي إلى حائط، إذ بعد هدم الحائط ونحن ندخل القبر ليلا، ظهرت لنا ثروة الملك توت، ففهمت أن والد زوجتي كان فعلاً عالم آثار محظوظ، وأن مصر تعامله كمساهم في بناء حضارتها، وكمكتشف لأعظم كنز أثري في العالم، كان كل شي من الذهب الخالص، لما نزلنا في قبر الملك توت، كانت شرطة الآثار المصرية تحيط بالقبر منذ بداية الليل، مُنعنا من ملامسة محتويات قبرالفرعون العتيق، اغتنمت فرصة تواجد أم زوجتي مع البعثة الجنائزية التي كلفت بوضع جثمان زوجتي في قبر الملك توت؛ تطبيقا لوصية جدها الحائز على موافقة رسمية بدفن واحد من أفراد أسرته داخل سرداب أي قبر من قبور وادي الملوك بالجيزة، وكون زوجتي حفيدة جون ويلز، العالم البريطاني الذي شارك في اكتشاف قبر توت، والذي نجح في طلب إذن من سلطات مصر بالموافقة على وضع جثمان واحد من أحفاده، مع مقتنيات قبر الملك المدلل توت في مقبرة وادي الملوك بمصر، وجدت فرصة لاكتشاف أروع قبور الدنيا، لما أدخل الفريق المكلف بالدفن جثمان زوجتي داخل قبر توت تسللتُ إلى أحد صناديق توت وأدخلت قطعة من المقتنيات الملكية ودحرجتها في جيبي خلسة، لم ينتبه رئيس البعثة وأنا أضع سبيكة الذهب في جيوبي، ولم يلتفت إلي وأنا أحشوها في مخابئ معطفي البني الطويل، المتدلي حتى ركبتي.
وضع النعش داخل المغارة الملكية وطلب من الجميع مغادرة القبر توت، دخل القس إلى القبر ولمزني قائلاً: أنت زوج السيدة ليز، فمن حقك أن تبقى في القبر؛ لتسمع قراءة تعويذة الدفن .
بعدها، شرع القس في قراءة النص الجنائزي، كنت أخفي وجهي وأضع القطعة التي وجدتها من مقتنيات القبر بمهارة وحذر شديدين، غادرنا المقبرة الملكية واتجهت مباشرة نحو غرفتي بالفندق ووضعت القطعة في حقيبة صغيرة واتصلت بلندن وطلبت من صديق سعودي كان يشتغل معي، أن يحضر إلى القاهرة فورا.
الأستاذ عبد الجبار، كان عالم آثار، ويتقن جيداً قراءة النصوص الهيروغليفية، كان يجب أن أعرف سر اهتمام والد زوجتي بمقتنيات قبر توت وكانت القطعة التي تحصلت عليها عبارة عن قلادة كبرى، كتب عليها نص هيروغليفي رائع.
قصة الملك الأعظم الذي قام بإنشاء تماثيل كبيرة له، وكذلك لزوجته نفرتاري التي أنشأ تمثالها في النوبة، كانت قصة مدهشة، لأنه لم يكن من باب الصدفة أن توضع تمثالها في ذلك المكان، حيث كان يعتقد الفراعنة بأن النجوم لها تأثير على حياة الملوك وخلودهما في الحياة الأبدية، حيث كانت تدخل لقبر الملك أشعة الشمس مرتين في السنة، الأولى في عشرين أكتوبر، حين يبدأ موسم الزرع والأخرى في عشرين فبراير، حينما يبدأ موسم الحصاد، كنت على مسافة قصيرة من غرفة دفن الملك توت عنخ آمون، حين امتدت يد القس، فأحدثت في الحائط فتحة، فخرج الهواء يحرك الشموع، هواء ينطلق لأول مرة، وفي صوت هامس مرتعش، سألني والد زوجتي: ماذا تري ؟
أجبته وأنا أدخل رأسي في الفتحة الصغيرة المطلة على قبر الملك توت :
شيء لا يصدق..لا يصدق .. !!!!!!
منذ دفن الملك منذ اللحظة التي فتح فيها المكتشفون قبر الفرعون توت الذي كان راقداً على مدى ثلاثة آلاف سنة في مكان سري بسهل الملوك، كل الذين زاروا القبر أحسوا بأن هناك أرواحاً شريرة تطاردهم، وتنتقم منهم الواحد تلو الآخر، ففي أثناء مشاركة جد زوجتي في عملية فتح التابوت لسعته بعوض في وجهه وفي المكان نفسه الذي ظهر فيه جرح الفرعون توت، وبعد أربعة أشهر من ذلك اليوم، ظهر نفس الجرح في وجه زوجتي، فماتت زوجتي في القاهرة يوم زفافنا، بسبب تلك اللسعة المسمومة التي أدت إلى إصابتها بتسمم الدم، ومن ثم التهاب الرئتين والموت المفاجئ. 

‎ * قاص من  الجزائر

One thought on “في قبر الملك توت

  1. شكرا لمجلة فرقد الابداعية وبالتوفيق لكل القائمين عليها … هي اضافة للمشهد الثقافي السعودي الرائع …تمنياتنا لها بطول العمر ..!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *