الأكثر مشاهدة

 اللغة الوصفية وشاعرية الشخوص مقاربة نقدية لرواية ” ماذا لو ” لنسرين …

مقاربة نقدية في رواية ” ماذا لو ” لنسرين نجم

منذ 5 أشهر

6

0

 اللغة الوصفية وشاعرية الشخوص
مقاربة نقدية لرواية ” ماذا لو ” لنسرين نجم

صالح الحسيني*

(ماذا لو) رواية أولى للكاتبة السعودية نسرين نجم، صدرت عام 2021، عن مركز الأدب العربي للنشر و التوزيع في الدمام.
تقع الرواية في مائتين وثلاثة وأربعين صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية اجتماعية تنقل للقارئ حياة الشخصية المحورية المتخيلة، الأهم (ملاك)، من خلال عرض سلسلة مراحل حياتها و معاناتها، في عدد من الجوانب النفسية و السلوكية من زوجها (جمال) المُهمِل و غير المبالِ بأهمية احترام أسرته الصغيرة، فجمال ابن الأسرة الثريّة التي زُوّجت له ملاك باشتراط أهله أن لا تكمل دراستها، و تتحدث كذلك عن عشقها القديم المنسي من جانبها ليوسف الذي تبدلت حياته و اهتماماته..، وتشارك (سارا) صديقة ملاك أكثر حوارات الرواية، حيث لعبت دور الوسيط في بعض تفاصيل حياة البطلة.
جاءت الرواية في شكل فصول قصيرة متنوعة وصلت إلى 48 فصلاً، استقل كل فصل منها بعنوان يُمهد لموضوع يربط الأدوار ببعضها، تتحدث من خلاله الشخصيات الأربع لإكمال دورها في البناء الروائي/الحكائي. و تتكئ الرواية على عدة عناصر لمتنها السردي، منها: تأمل ملاك لحياتها و صبرها..، و تحملها إهمال زوجها و نزواته خشيةَ أن تُحرم من طفلتها الوحيدة، كذلك التشكي من الأحلام و التخيلات التي تنتابها، و مواجهتها قبل مناماتها و في يقظتها، و محاولات البحث عن تفسيرات لها، سرحانها المتكرر، وحدتها، و تشبثها بشخصيتها و تقويتها، و وقارها تُجاه ميول يوسف إليها، التداعي الحر للأفكار في معظم المقطوعات الأدبية التي استخدمتها الروائية ؛ سواءً من ملاك، أو من جمال زوجها، أو من يوسف ابن الجيران ..عشيقها في أيام الصبا و مراحل حياتهما الأولى، و تشارك فيه سارا بجزء قصير.
‏تتناول الرواية التحولات الاجتماعية والثقافية ‏‏‏والتغيرات في المجتمع، و توظف وسائل التواصل الاجتماعي و التقنية الحديثة في الحوارات و الاستخدامات اليومية .. كـ ( الواتس آب .. البلوتوث.. اليوتيوب ) كملمح حداثي في الزمن الحاضر. و هي من بدايتها سردُ شيق مترابط، جاء من عدة زوايا بسبب تعدد الرواة، و كان دور الشخصيات متنامياً بشكل سَلسْ، لا يشعر معه القارئ بفجوات أو ثغرات أو قفز على الزمن أو إهمال لتصوير الأمكنة ؛ ما يؤكد سلامة سير الخط البياني للسرد. وقد عمدت الكاتبة على البدء في الرواية من مراحلها النهائية؛ على غرار بعض الروايات التي تمنح المتلقي الجذب و شد الانتباه لمعرفة كل سبب، و ما خلفه من تفصيلات لتجميع الموضوع من خلال تتبع الأحداث و أدوار الشخصيات. و الرواية في المجمل تتحدث عن سلطة الرجل مقابل مصير أسرته و بخاصة امرأته، فملاك مثلاً: تروي حكايتها من موقعها، حيث تعاني قسوة جمال و لا مبالاته بها، وفضّلت أن تحتمل ما تعانيه في سبيل أسرتها، حتى دانت لها الأمور و استقرت حياتها، رغم المرض الذي فاجأ زوجها و جعله يتغير إلى الأفضل لتستمر الحياة، و يوسف يروي في مذكراته ذات اللغة الخاصة أسرار توجهه نحو الزهد و عالم الروحانيات و الكرامات الذاتية و القوى الخفية التي يعتقدها..، و جمال يروي قصته في سياق حريته التي يدعيها، ثم ندمه و تقصيره، و خسارته لأسرته و مكانته. و جاء ذكر بعض الشخصيات الثانوية كـ ( عثمان .. عاطف .. و سمر ..) بهدف صناعة حدث رئيس في حياة ( يوسف .. ملاك .. و جمال ) /على التتابع، و تتناسل بعد ذلك خيوط السرد و تتشابك و تتداخل فيه أحداث الرواية لتصنع بؤرة الأزمة و يحصل هنا عنصر التشويق الذي أرادته المؤلفة.
في الرواية عرض أشبه ما يكون بالعرض السينمائي، فدقة الوصف و تسلسل الأحداث في الفصول تجعل القارئ و كأنما يطالع شاشة سينمائية و ليس يقرأ في كتاب أمامه.
الرواية من حيث البناء الفني: يلحظ القارئ اللغة الرصينة المعبّرة و الدقيقة في وصفها للأحداث، و تسلسلها، و في حواراتها، كذلك خلوها من الأخطاء الأسلوبية ؛ مما يعني أن المؤلفة أولت جانب الدقة اللغوية كل عنايتها، حيث كتبت الرواية بلغة فصيحة متقنة و بأسلوب جميل و مشرق محفز على القراءة يأخذ القارئ معه لاكتشاف الأجمل.. في بقية أجزائها.
معظم أحداث الرواية جرت في مدينة جدة، و لا أدل على ذلك من حضور المكان بوصفه عنصراً مهماً في بناء أي عمل أدبي حيث جاء ذكر ( الكورنيش/ شوارع شمال جدة / الواجهة البحرية الفخمة../أبحر/ حي الصفا / درة العروس.. إلخ )، ما يكمّل صور المشاهد.
اللغة الوصفية و الشعرية في رواية ( ماذا لو) :
تمكنت الكاتبة من توظيف قدرتها الوصفية للمشاهد و الأحداث و إظهار صوت المونولوج بلغة شعرية سردية جميلة، ما يؤكد على أن القارئ أمام كاتبة نجحت بفعل ثرائها اللغوي و ثقافتها – خاصة في الجانب النفسي – و اطلاعها وإجادتها للكتابة الروائية من تقديم عمل أدبي يستحق القراءة و الاستفادة مما حواه من صور فنية و لغة ثقافية متميزة، و يتضح ذلك كما في التعبيرات الآتية:
في سؤال ملاك من أمها..، فصل/ ( السؤال الصعب ):” أمي تسأله في كل مرة بالصياغة والنبرة ذواتهما، و أجيبها بالنبرة والصياغة ذواتهما، اتفقنا على هذا التواطؤ منذ زمن ..” [ص 7].
” أطفئ أنوار المنزل… أحب تلك الظلمة التي تنتشر في المنزل، أشعر معها بمتعة، و هذا الهدوء المضاعف يحتل الزوايا و يغرق النوافذ في سكون أليف” [ص 8].
كذلك “عزز فيّ جمال دور القائدة المنزلية، و استطبت هذا الدور” [ص 8].
“.. لملمت بقايا شجاعتي ونهضت ” [ص 9].
و تصف المشهد بعد عودة ملاك من حفل زفاف وصفاً معبراً ناقلاً للصورة بفنية عالية حيث تقول:
” دفعت فستاني – الليلي الثمين الممتلئ بتفاصيل ثقيلة من الفخامة – عن كتفي، فانساب برقة بين أعطاف جسدي، هابطاً حتى ركع على حذائي العالي الرفيع، دُسته لأفض اشتباكه و تعلقه بقدمي عاريتين من ثقل التكلف و عجرفة الاحتفالات الاجتماعية المتكلفة” [ص 28].
أيضاً : ” نظرت إلى المفرش يتدلى بغنج على جانبي السرير، يلتقي المفرش بأرض المكان التي صُقلت بألواح ضخمة من الرخام الأسود الذي ينتشي بالفخامة، ويكتسي بالحزن، ظلام كاحل تمنحه المنمنمات البلورية شيئاً من النور كأنه الأمل وسط اليأس ” [ص 29].
و حين تصف ملاك في لحظات حزنها بأسلوب بديع على لسان يوسف: ” صوتها المبحوح كأنه قطعة حلوى طرية ناعمة غُمست في سكر خشن” [ص 124].
و في آمال يوسف نحو عودة ملاك إليه و رغبته الاقتران بها ” هذا القلب يتحرك بغير إرادتنا في اتجاه مَن نحب ” [ص 132].
و حين لقائه بملاك في المستشفى و هي في حزن على حال جمال:” نظرتُ إليها فالتفتت نحوي، حزنها يرتمي على وجهي قطعةً قطعة.. كأنها تتمزق” [ص 216] . و أيضاً “.. الحزن ملء جوفي و هيئتي حتى فستاني و شعري و مشيتي ..” [ص 223].
و في وصف مشهد من آخر الرواية و هي تحنّ على حال جمال و مرضه الذي أقعده ..؛ نتأمل تراتبية الجمل و تتابعها ومنطقيتها في تسلسل اللحظات خلف بعضها حين نقرأ:” بجانبي يغفو جمال و تغفو بجانبه طفلتي الصغيرة. تعالى صوت أذان الفجر، لكن هذه المرة كان أذان الإقامة، الإعلان الأخير لاتخاذ القرار و تغيير المسار، ارتفع منادياً: “الله أكبر” كأنه يشطر الليل و النهار، الظلمة و النور، الحقيقة و الوهم. تنفست بعمق، كأني أردت أن آخذ كل الهواء إلى صدري، هذه الصباحات تحمل أنفاساً جديدةً منعشةً، كأنها مواسم أمل تطرح كل يوم حياةً جديدة.. استقمت لأعد لجمال وضوئه لصلاة الفجر، كما أصبحت عادته بعد الحادث، توضأت معه، أنزلته من على السرير، وأجلسته على الكرسي و صليت الفجر خلفه” [ص 227].
و في إشارات تناصية نجدْ الأثر القرآني مستخدماً في كتابة بعض عنونات الفصول، مثل الفصل الثاني الذي جاء عنوانه (يُوسُف أيها الصّدّيق) الذي يأتي متحدثاً عن يوسف في عالمه الذي اندمج فيه، و الفصل الثالث و العشرين كان عنوانه (يا أبتَ إنّي رأيت) و هو الذي يمثل مُفتتحاً لطلب ملاك تفسير أحلامها برسالة جوال بعثتها إلى يوسف، تطلب خدمته في تفسير ما تواجهه من كوابيس بعدما أشارت سارا إليها بذلك، ثم في نهاية الرواية كخاتمة للسرد و الحكاية حينما قررت ملاك الابتعاد عن يوسف و تركه كان العنوان التناصي (فِراق بيني و بينك)؛ و ُيعد هذا استخداماً ذكياً من المؤلفة لاختصار أحداث فصول الرواية ببلاغة العنونة و ما توحي به.
كتبت الرواية بلغة المتكلم في جميع حالات ظهور الشخصيات و هي تتحدث عن نفسها؛ عدا فقرات قصيرة جاء بصيغة المخاطب ؛ ذلك ما يمنح العمل الأدبي عرضاً قريباً و اندماجاً بين المتلقي و الراوي، و يلفت النظر إلى أن الكاتبة وعت بشكل مناسب دور (نظرية التلقي) التي تتعلق بتقريب المتلقي من لغة الراوي طوال خط السرد و فهمه لطبيعة النص الأدبي و أثره و معناه الذي يقصده المؤلف، و دور (نظرية أفق التوقع) و ما تحمله من انتظار لتَطَوِر الحكاية باتجاهاتها المحتملة و المتخيلة لدى القارئ.
و في نهاية هذه المقاربة النقدية التي أتت على بعض الملامح و السمات الفنية للرواية أرى أن الكاتبة رفدت المكتبة العربية برواية تستحق الاطلاع و الاقتناء، و لكسب متعة القراءة فيها، و الاستفادة مما حملته من معارف و ثقافة اجتماعية جاءت بأسلوبٍ شيقٍ و ممتع.

*قاص وناقد سعودي 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود