ليلة المظبي

قصة قصيرة
بقلم: بخيت طالع الزهراني*
مطعم الكوبري واحد من بين حشد من المطاعم، المتراصة على حافة حي شعبي أمام طريق الحرمين، وتقدم ألواناً شتى من الأطعمة ليلا ونهاراً، بينما هذا المطعم لا يعمل إلا في المساء، ولا يقدم إلا نوعاً واحداً من الطعام هو المظبي.
ذلك المطعم المؤلف من حجرتين مكيفتي الهواء، تطلان على فناء يضم ثلاث جلسات لمن أراد الهواء الطلق من الزبائن، وعادة ما يغص بالمرتادين أكثر من غيره، حتى أنك لا تكاد تجد لك مكاناً وسط الحشود التي تؤمه حتى من خارج المدينة.
حامد أحد الزبائن الذين استهواهم،  منذ زمن بعيد شواء ذلك المطعم، حتى صار يمحض النصيحة لأصدقائه بأن يختاروه دون سواه، وكان يدلل على وجاهة رأيه بأن عمال المطعم يذبحون التيوس الحرّية الصغيرة أمام الزبائن،  بما يكفي للاطمئنان بأن ما ستأكله هو لحوم ماشية طازجة،  وليس لحوم كلاب مثلا، كما صار يتداوله البعض في وسائل التواصل الاجتماعي،  من قيام بعض ضعاف النفوس بمخاتلة الناس .
وفي واحدة من ليالي سبتمبر التي مازال طقسها حاراً في تلك المدينة الساحلية، جاء حامد إلى مطعمه المفضل يحدوه أملاً عريضاً بتناول وجبته الشهية،  لكنه في هذه المرة وجد المكان شبه خالٍ من الزبائن، أعداد قليلة فقط تناثروا هنا وهناك، ما جعل سؤالاً حانقاً يثور في رأسه .
لكن صديقه الذي التقاه صدفة فكك اللغز، وأزال عن ذهنه اللبس، عندما همس في أذنه قائلاً : هل نسيت أن في هذه الليلة مباراة للأهلي والاتحاد ؟
أومأ برأسه وابتسم مقتنعاً، ذلك لأن شغف الكثير من الناس بكرة القدم وجنونهم وراءها، جعل الكثير من المطاعم والكافيهات وغيرها تفقد الكثير من زبائنها لساعات طويلة.
دلف حامد إلى عمق إحدى الحجرتين المكيفتين بعد أن طلب (نفر) لحم،  وقد كان أخر كمية لحم بالمطعم لتلك الليلة، ثم هتف : الحمد الله أنني قد (لحقت) .
وفي ركن الغرفة جلس منكبا على هاتفه المحمول، يجول بين تويتر وواتساب وفيس بوك، انتظاراً لقدوم وجبة المظبي، التي طالما خطط لها منذ ظهيرة ذلك اليوم .
لم يكن يشاركه الجلوس بالحجرة سوى زبون واحد فقط،  كان شابا في الثلاثينات يرتدي نظارة، وبدا هو الأخر مشغولاً (بتقليب) هاتفه المحمول، فيما ظهرت عليه أمارت القلق كمن يترقب شيئا ما سيحدث ..
وبعد حوالي 10 دقائق قفز ذلك الشاب في الهواء،  أشبه بالبهلوانات في سيرك عالمي،  واطلق صيحة مجنونة وهو يهتف : ياسلام .. الهدف الثاني .. وظل يضحك بهستيريا لثوانٍ .
انتفض حامد من مكانه فزعا،  وبعينين جاحظتين وفم فاغر،  ظل مذهولا يراقب وجلاً ما يحدث بجانبه، من ذلك المفتون بمتابعة فريقه الرياضي،  وتصادف أن كان النادل قادماً إلى بطن الحجرة ، ومن هول ما رأى ومفاجأته له؛ لم يتمالك نفسه 
فاندلق الشواء على أرضية الحجرة شذر مذر .

* قاص من السعودية 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *