آفاق الرؤية وتجليات الفن (سماوات ضيقة ) 1

آفاق الرؤية وتجليات الفن في
ديوان (سماوات ضيّقة) للشاعر خليف الغالب
( الجزء الأول )

أ.د. محمد صالح الشنطي

ديوانٌ شعريّ لافت بما انطوى عليه من قصائد ذات عناوين لافتة في مفرداتها وتراكيبها، مشرعة النوافذ على فضاءات التأويل بلا حدود، جمالياتها في استثمارها لألوان من الانزياحات في الدلالة والإيقاع والصور والمفارقة والبناء والنسيج، وألوان مدهشة من التداخل النصوصي والجدل بين الأزمنة والأمكنة والذات والآخر.
العنوان ينطوي على ثنائية مشدودة بين قطبيها على وتر التضاد، الأمر الذي يقود إلى إدراك قلق لوضعية تتمرّد على المنطق المألوف بأشكاله كافة من غربة واغتراب داخلي نفسي، يعبر عن قلق وجودي تتشكّل في إطاره صياغة لغوية ثرية في دلالتها، منزاحة في تراكيبها، فالنكرة تتلوها نكرة أخرى تصفها أو تخبر عنها، وفي كلا الحالتين نحن أمام عتبة نصية تفضي إلى دلالات ملتبسة، فالسماوات جمع يشير إلى فضاءات رحبة تتقلص لتومئ إلى عكس ما تشير إليه من دلالة في بنيتها المعجمية فتبدو حسيرة بلا أفق في معناها الوضعي المحض.
من الواضح أن هذا الديوان يعبر عن تيار يتبلور على نحو واضح لدى جيل الشباب من الشعراء في المملكة العربية السعودية، يدل عنوانه على هذا التوجه فهو يتكون من مفردة واحدة منكرة، ومثل هذا الإفراد و التنكير يفتح أبواب العلامة اللغوية على مصراعيه دالا على عدم التحديد والمجهول، ويصنع المفارقة الدلالية بين الفضاءات الرحبة التي تشير إليها كلمة (سماوات) والضيق الذي هو عكس الانفراج والانفتاح ، فالآمال والطموحات واسعة ولكن السبل إلى تحقيقها محدودة، وهذه المفارقة التي يجتمع فيها الضدان على صعيد واحد تعبر عن مأزق نفسي كياني في ظل مناخات تاريخية و اجتماعية محتشدة بالأزمات .
يحتوي الديوان على اثنتين وعشرين قصيدة: خمس منها يتكون عنوانها من مفردة واحدة، وسبع عناوينها تتكون من مفردتين (مضاف و مضاف إليه) والباقي يتكون كل عنوان فيها من ثلاث كلمات أو أكثر، واللافت أن العناوين المفردة جميعها منكّرة، وكذلك العناوين التي تتكون من مفردتين متضايفتين كل منهما نكرة، فضلا عن العناوين الأخرى؛ فمجمل مفرداتها نكرات، وهذا التنكير له دلالة على تعويم الموقف بما يشي بالحيرة و الجهل بالمصير فضلا عن التعميم، ولا يتضح ذلك على نحو جليٍّ إلا إذا وقفنا على البعد الدلالي للمفردات والتراكيب، فالجيل الذي ينتمي إليه الشاعر يبحث عن كينونته وسط عالم ضبابي لا تتضح معالمه؛ و لهذا فهو يتشبث بالمكان تارة، و يرتدّ إلى الماضي تارة أخرى باحثا عن الأرضية الصلبة التي يجد فيها مستقرا له وسط عالم تزلزله المتغيرات المتسارعة، ولعل ذلك يتضح في قوله :
أسافر والبلاد على متوني
وأرجع والقفار تمصّ ريقي
أنا المسكوب في نبت القوافي
إذا في الوسم أَسْرتْ بي بروقي
هذه الأنا الحائرة القلقة التي تسعى إلى تحقيق ذاتها تعي كينونتها عبر الزمان والمكان والانتماء، لا تتجاوز هذا الواقع وتقفز عنه لتحلق في الخيال على طريقة الرومانسيين التقليديين؛ بل هي الأنا التي تعي وجودها في الزمان والمكان وتعي معضلتها الوجودية في عالم متحرك، تفزع فيه إلى البكارة الأولى إلى البداوة والعراقة :(إني.. مليءٌ بالبداوة يا صديقي)
وتصل الحيرة ذروتها؛ ففي مقابل البحث الدؤوب عن الكينونة الذاتية تأتي الأبواب الموصدة التي تسد المنافذ عبر النفي المطلق لكل قدرة على الخلاص، فعذابات الذات تدخل في جدل مع الآخر الذي هو سبب المعاناة، وكأنما المقولة الوجودية “الآخرون هم الجحيم ” لفيلسوفها (جان بول سارتر) تنتصب أمامنا عبر ما عبر عنه الشاعر بـ (الرجل الغراب)
وتأتي أداة النفي (لا) علامة الرفض المطلق بلا تخوم ولا شروط ولا حيثيات، وأغلب الأبيات التي أدرجها الشاعر على شكل مقاطع، و لذلك فإن دلالاته تبدأ بحرف النفي (لا) التي تتكرر في القصيدة ثلاثا وعشرين مرة، متلوّة بالنكرة في أغلب الأحيان تفيد نفيا مطلقا (نفي الجنس) متلوة بالاسم المعرف بأل، وهي تأتي للعهدية أو الجنسية أو الاستغراقية على اختلاف في التصنيف فهناك أنواع أخرى؛ ولكن من الواضح أن الشاعر أتى بالمعرّف بعد أل الاستغراقية، و بعضهم يرى أنها نوع من أنواع أل التعريف الجنسية ، و مهما يكن من أمر فإنها في القصيدة تتساوق مع لا النافية للجنس؛ من هنا يأتي النفي مطلقا، ولعل الدارس يكتشف شبكة العلاقات التي تقوم بين عناصرها؛ فثمة ثنائية كبرى تنتظم بنيات القصيدة كلها: الضيق و الفرج حيث تهيمن مفردات الضيق على القصيدة كلها، فالضيق والفرج يقابل النفي والإثبات؛ فالنفي يطبق على النص بكامله ويستغرق حقوله الدلالية: فعلاقات النفي تنتظم كل مفردات الفرج، وعلاقات الإثبات تستغرق كل مفردات الضيق: القلق و الخطيئة و الغراب والخواء والسراب والفداحة والقفار والغياب والمدن الكئيبة و النفايات و البعوض و الكلاب والإغلاق و الخطيئة والغراب.
في (منابع الظمأ) خطاب للأنثى وهي محور القصيدة، لا يفصح الشاعر عنها، فهي إشارة عائمة يأتي السياق فيراوغ في الكشف عنها؛ لهذا تظل قابلة للتأويل بين الخفاء و التجلي، وإذا كانت الذات المخاطبة مسكوت عن إماطة اللثام عن هويتها يأتي السياق موضحا مجلّيا لما تعانيه الذات الشاعرة في واقعها؛ فلدينا ثلاثة محاور في النص، الذات المخاطبة و الذات الشاعرة والواقع، ولكن الوشيجة الرئيسة تظل في هذا التجاذب بين هذين القطبين: الواقع بكل ما ينطوي عليه حيث يتجلى رفض الشاعر له، والذات المخاطبة التي تمثل قوة جذب للخلاص من هذه المعاناة التي نحتشد بالتفاصيل، وهي أمشاج مختلفة من عناصر متباينة بينها علاقات خفية تشكل هذا الواقع الذي يزْورّ عنه بكل عناصره: العروبة و الخوف و الحماقة و الصفاقة و الزمن المكفهر، وهذه اللوحة المؤثثة بالشعارات و الوقائع والجنون يقابلها ما هو بريء، يقول في ص 44:
تعبتُ من الظمأِ السرمديِّ
وجئتُ إليك
مللتُ من الخوف
من ذكريات العروبةِ
وفي ملمحٍ تشكيلي بارز تبدو الفواعل مقتصرة على ضميرين اثنين (الأنا) و(الآخر) بينما يتم تهميش غيرها: في المقطع الأول يتصل ضمير المتكلم التاء بالفعل الماضي في أسطر المقطع كلها ابتداء (تعبت ، جئت ، مللت ، جئت ، شقيت) وننتمي جميعا عدا جئت التي تتكرر مرتين إلى المعاناة والتذمر والشكوى؛ أما الفعل جئت فينتمي إلى الهروب و الخلاص (الفعل، و رد الفعل) يغطي هذان الحقلان الدلاليان الجزء الخاص بالذات ويلحّ فعل الهروب والخلاص (جئتُ) على هذا الجزء الذي يكاد يستغرق نصف القصيدة، غير أن ما ينبغي ملاحظته أن المفردة الدالة على المشكو منه لا تتجسد في الفعل فحسب، بل في المصدر وهو اسم مجرد مطلق الدلالة ومفتاح القصيدة الرئيس الذي يلازمنا منذ المفتتح و تتناثر شظايا هذا الظمأ المشكو منه في مصادر مطلقة أخرى: الخوف والرائحة والحماقة والأمنية.
بعد سلسلة الأفعال الماضية يأتي الفعل المضارع الذي تتسيّده ياء المخاطبة الفاعلة حيث تتحول الذات إلى من وقع عليه الفعل في المقاطع الثلاث التالية، يأتي فعل الأمر دالا على الالتماس والرجاء (دعيني) وكل فعل أمر يليه المضارع جوابا له، وهذا الارتباط الشرطي يفضي إلى فهم الحالة التي تعاني منها الذات الشاعرة، وإذا كان هذا التعالق بين الفعل ورد الفعل فإن ما يليه يبدو تعليلا لهذا اللجوء إلى المخاطبة الأنثى في سلسلة من التقريرات في متوالية من الجمل الاسمية: وكأنها الحقائق الساطعة التي لا يأتيها الباطل، يقول في الصفحة 45:
فأنت الضياءُ
وأنت السماءُ
وأنت البهاءُ
وأنت الحياةْ
وتأتي المقاطع الأخيرة في سلسلة من التوقيعات بينها فعل الأمر؛ الذي يتوجه فيه بالخطاب إلى الأنثى المجهولة التي يوغل في تغميضها فيواريها بخلق غلالة من التجليات التي توهم بمحض الأنوثة؛ ولكنه يطلق الدلالة من أغلالها حين يأتي بسلسلة من الجمل الخبرية المبدوءة بالفعل الماضي في منظومة عنقودية من التداعيات المشهدية ذات الإطلالات الكونية، الأمر الذي يوسّع آفاق المشهد كله, وقد استوعب مطلقات كونية وجودية، فتأتي المقاطع الثلاثة الأخيرة مشاهدَ كونية تستنقذ الخطاب من محدودية الأنثى إلى آفاق الكون والوجود ببعديه الزماني و المكاني.
المرأة و الوطن طالما تماهى كل منهما في الآخر، ولكنهما – هنا – لا يبلغان هذا المبلغ ؛ فالمرأة الحلم و الوطن المنشود، كل منهما له مساراته الخاصة، لكن الوطن يفترش مساحة أوسع في مخيّلة الشاعر، وهذا ما يقودنا إليه عنوان إحدى قصائد الديوان (باحثٌ عن كل شيء ) فالمفردة الخاصة بالوطن تعني كل شيء، ففي المقاطع الستة للقصيدة تقترن كلمة الوطن بالسماء و بالحلم، و في مقابل هذا البحث عن كل شيء تبرز الشكوى من كل شيء؛ فثمة جري وراء المستحيل و ثمة حزن سامٍ ، وغياب للمكان و الزمان، وفي مقابل هذا الفقد يحضر الحلم، فنحن أمام رباعية متوازية الأضلاع: البحث عن كل شيء مقابل فقدان كل شيء، ثم الخرافة و الحلم، هذه المتوازيات محورها البحثُ عن الوطن بمفهومه الزمكاني و المجرّد، ولهذا جاءت الحقول الدلالية متواشجة، محورها الدلالي الذاتي في حالة حراك دائم لم ينته إلى السكون؛ بل إلى حوار داخلي، وهذه الحقول المتقاطعة تتمثل في الفضاءات الزمانية والمكانية والواقع والخيال، ثم الخرافة والحلم والوحدة والألم؛ أما التراكيب فتتراوح بين تكرار النفي الذي ورد في سبعة مواقع في القصيدة، وقد تكرر في صيغ متماثلة مرتين، وجاء أسلوب التمني الذي يعبر عن العجز ليوحي باليأس، فضلا عن التكرار الذي يحمل معنى تأكيد الموقف والإلحاح عليه، وجاءت حروف المد في القافية فضلا عن تزاحم الحاءات، وهو حرف احتكاكي مهموس.
ثمةَ أثرٌ من غرض قديم، هو الفخر خالطه كبرياء ذات ترنو ببصرٍ غير كليل إلى مدى مترامٍ يمتد بلا حدود، بداية استهلها الشاعر بغمغمات لا تتسع لها لغة ترفرف فيها روح هائمة، لا تنتمي إلى شروخ العصر وتصدّعاته, تتعالى على حقائقه ووجوده, و تتسامى عن تجاذباته، للشاعر فيها روحٌ حلقت به في أجواز غربة وجودية وانتهت به إلى مرفأ تراثي استدعى غرضية قديمة, كادت أن تخطف ألق ومضاته الباهرة في مستهل القصيدة, لترسو به على شطآن فخر أوشك أن يقوده إلى تقليدية ممحلة، ولكنه تفلّت منها لائذا بالتداخل مع نصّين لشاعرين: أحدهما ملأ الدنيا و شغل الناس، و الثاني غرق من أخمصه حتى قمة رأسه في أتّون وطنية حميمة تتجذّر في لغته عابرة إلى أبعد الرؤى، وهما المتنبي في قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
بقائي شاءَ ليس همُ ارتحالا وحسن الصبر زمّوا لا الجِمالا
ولكنه تحوّل باللفظ وبالمعنى صانعا مفارقته الخاصة ليقلب المعادلة الوجودية ويتماهى فيها معا، وتلك لعمري إحدى ملامح الإبداع الشعري فهو يتقمص المتنبي وينفصل عنه في آن؛ ففي مقابل القلق هناك اليقين وفي مقابل التسخير والتوجيه هناك التسامي والعلوّ، وفي مقابل الواقع هناك المجاز، نصادف المتنبي في القصيدة ولا نلتقي به ونتلمس آثاره ولا نراه.
أما نص عبد العزيز العجلان (ملامح لبدوي عتيق) فهو قابع في خلفية المشهد لا يكاد يرى، ويعضد هذا التداخل النصوصي نفس صوفي تفنى فيه ملامح الشاعر في تضاريس الوطن في أزمنته الخاصة وأمكنته في أكوانه وكائناته، لقد أغواه الإيقاع التراثي فقاده إلى استدعاء نصوص قديمة كنص المتنبي:
على قلقٍ كأن الريح تحتي أوجّهها يمينا أو شمالا
وقصيدة الشاعر عبد العزيز العجلان (ملامح لبدوي عتيق)
وفي مقابل الحضور الماثل للنص الغائب تتلامح من بعيد نصوص أخرى أبلغها نص الحطيئة:
وطاوي ثلاثٍ عاصب البطن مرمل
في قوله في الصفحة 11:
وعن جوع الضيوف أعيذ وجهي
ولو ضحّيت بابني أو شقيقي
لكن ملكته الفنية حلّقت به متجاوزة سقف التقليد إلى إبداع مفرداته الخاصة وصوره التي تمردت على نسق التماثل والاستنساخ، فكانت صيغة الحال التي ارتضاها مرقى لتنامي انفعالاته انطلاقات مجنحة تضبط إيقاع التنغيم، وتستلّه من رتابة أوشكت أن تكبّله في قيودها، وكان تناسل الصور وتوالدها سبيلا إلى الخروج به من إكراهات التراكم الكمي إلى توليد صور متتابعة أشبه بشريط يستعرض تجليات الذات في قمة نشوتها وذروة انفعالها، وكانت سيطرة الشاعر على سياقه اللغوي في انضباط محكم عبر انتقالاته المنتظمة، وصوره المؤطرة التي تتصاعد عبر جملة من الانزياحات اللغوية تعتمد بشكل أساس على التقديم لما حقه التأخير، وعبر الالتفات وتوالي الأنساق التركيبية في انتظام ( وقورا- سماويا- مجازيا) ثم( أسافر – أرجع – أجوع ) واختراقات الأساليب الإنشائية للأنساق الخبرية المهيمنة عبر تكثيف الوصف الاستقصائي و تداعيه المنهمر ، وتلوين العبارات ما بين بوح غنائي مباشر يتصدّره ضمير المتكلم أنا والتقرير الخبري المؤكد والعبارات الطلبية التي تلتفت مستدعية ، فثمة استفهام يثير الدهشة و يزلزل اليقين و نداء يستصرخ الجماد ، وهناك تنويع في العبارة الخبرية ما بين نفي وشرط وتقرير محكم في جمل اسمية راسخة، يقول في الصفحة 9:.
وقورًا لا تدغدغه الثواني
عيوفًا ليس يأبه للبريقِ
سماويًا كأن الأرض تحتي
تذوب من المضيق إلى المضيقِ
تنتظم القصيدة في ثنائيات جدلها في ضفائر زمانية مكانية، وحقيقية مجازية وأرضية سماوية، تشدها علائق البدء والانتهاء والضيق والفرج والفراغ والامتلاء والحل والترحال، بنيات متعالقة تؤطرها الذات في أحوالها المتقلبة بين الرضا والغضب والانتماء والضياع، والأمل واليأس، تنتظمها إيقاعات الوافر بنغماته الشجية وتفعيلاتها المنتهية بانسيابية نغمية رقراقة.
الفناء في الطبيعة والتوحّد في المكان (الوطن) انزياحات رومانسية قريبة تتآزر مع سمات أخرى لا تتخطى مفهوم المجاز بالمعنى البلاغي، فقد اقترب الشاعر كثيرا من المفاهيم الإحيائية للأغراض الشعرية كالفخر فكانت خاتمة القصيدة أشبه بالارتداد إلى مربع التقليد في قوله في الصفحة 11:
فإن ترَني فقيرَ المال
إني
مليء بالبداوة يا صديقي
خاتمة مباشرة تكاد تكون باهتة لا تتسق مع الاستهلال المدهش للقصيدة.
الذاتية التي يشهرها شاعرنا ساطعة جهيرة عالية النبرة, تثري غنائية الحالة الشعرية في قصيدته (خيانة ماض) تغطي المساحة التي تركها الشاعر مكشوفة كثيرة الارتياد، لقد أوغل في تجربته حتى لامس جذرها وخدشها بفأسه ليزيل عنها اللحاء ويعريها لشمس الكلمات، وبدا الاحتدام الداخلي واضحا من خلال المداولة بين الخطابات التي تجسدت في أفعال الأمر المباشرة التي يوجهها للذات تارة، و للآخر المنشق عنها تارة أخرى، وخطاب السرد الذي يخبر و يصف ليعود فيسأل وينادي ثم ينساق وراء سلسلة من النفي ثم الخطاب الجماعي، فيضع الذات في مواجهة مع الآخر المتعيّن وهو الشطر الثاني من الذات المتصدعة و الجمع المجهول الظاهر والمعلوم المضمر: مونولوج يواجه الشاعر فيه ذاته محتدا في تقريع مباشر، يقول في الصفحة 13:
قف أيها المتساقط النائي
دعني ألملم منك: أشيائي!
دعني أراكَ وأنت تفقدني
وتذوب في وهَجي وأصدائي
وإذا كانت الثنائية في النص عادة ما تؤدي إلى توليد الحركة و تعبر عن صراعات الذات الداخلية تعبر عن اشتعالات لا تنطفئ فإنّ رؤية وجودية تزلزل جوهر الكينونة الإنسانية للذات التي تنشطر في حوارية صاخبة: يشتق مفرداتها من الأنا الواحدة المنقسمة فتتخلق في لغته، توابعه واشتمالاته التي تتحول إلى شظايا يجهد في جمعها ليتخلص منها ، فهي الشاهد على الخطيئة التي تحوصلت في هذه المتفرقات لتذهب بددا من خلال دوائر دلالية تتمثل في الفقد والضياع و الذوبان والوهج و الأصداء و الضوضاء والعري والكسر والسفر والوعثاء والظلماء و الخيانة والوجع والبكاء والعصيان والتبخر والصمت والداء والرقية والغواية والأخطاء والموت, حقل دلالي واسع ينتظم عدة دوائر.. دائرة السقوط والضياع بكافة أشكالهما تتفرع منها أربع دوائر رئيسة: الفناء والتمزق والظلمة والألم:
– الفناء والضياع في الأبيات الثلاثة الأولى؛ أو قل الجمل الثلاث أو المشاهد الثلاثة: التساقط والنأي وهما أولى درجات الفناء يتبعها التخلص والانسحاب والتبرؤ وهي الدرجة الثانية، وهذا يمثله المشهد الأول حيث تطغى الحركة متمثلة في الأساليب الطلبية (قف ودعني وأيها) الأمر والنداء والتتابع، ثم الصورة حيث النموذج الذي تشكل في المسافة بين العموم والخصوص والنموذج المضاد: المتساقط والآخر الذي يستنقذ أشياءه.
– الفقد والخسارة، ومن ثَمّ التواري والغياب في المشهد الثاني حيث تحتل جملة الحال (وأنت تفقدني) المحور الرئيس (الصوتيم) المهيمن الذي تتمحور حوله الأشياء. ويأتي المشهد المتفاعل عبر حركة الذوابان والوهج والأصداء مستحضرا ثنائية النموذج.
– العودة إلى الذات في لقطة مونولوجية متسائلة محتدمة عبر التقرير و النداء و الاستفهام مشكلة العلائق بين أفعال الخيانة و الضياع و الانغماس الذليل، وهنا يشتد صخب الصوت ويتسارع الإيقاع فقد بلغت الغنائية الدرامية ذروتها، ولهذا نجد الصورة تزخر بالمفردات ذات الإيقاع الصاخب التي تتكرر فيها الحروف محدثة صوتا يحاكي الموقف الضوضاء و الضياء و الضياع و الضحى, و قد بدت الأفعال الحسية فاعلة في المعاني المجردة المطلقة الدلالة: الانغماس في ذل الضوضاء, والعري فاعل النبل, والسحل فاعل في القافية والكسر في الشهامة، وهذا يعزز عمق الأثر الذي أحدث في النفس إذ تبدو كل القيم و قد انهارت من قسوة الخطيئة المرتكبة :
قد خنتُ ليلَكَ
يا ضياعَ دمي
كيف انغمستُ بذُلّ ضوضائي
كيف احتقرتُ مشيب قافيتي
وسحلتُهَا في كل ضوضاءِ
عرّيت نُبلكَ
في الطريق ضحىً
وكسرتُ فيكَ شهامةَ الطائي
الآخر هو محور القصيدة، إليه يتوجه الخطاب والوصف والتمثيل ولكن التقاطع بينها وبين الذات الشاعرة يبدو أشبه بالحركة البندولية، حيث يتجه الخطاب الشعري من الآخر في حركة سريعة ثم لا يلبث أن يتجه إلى الذات الشاعرة راصدا آثار الفعل؛ ولكنه في كل الأحوال يتكئ على الفاعل الرئيس في النص وهو الذات المكلومة في صيغتها المعتدى عليها من خلال ياء المتكلم، و في حالة الفاعلية حيث التاء, فإن الذاتين إذا تلاقيتا يكون اللقاء لقاء المفارق غير الآسف على الفراق، وهنا تنهمر الغنائية الشاكية النادبة في المقاطع الأخيرة، وتبرز صيغة النفي مهيمنة فيما يشبه مناجاة النفس في اعترافات حارقة تنهي المشهد المأساوي حاشدا مفردات: الداء والاقتراف والأخطاء والموت في جمل تبدأ بالطلب ثم بالتقريرية الصادمة موجهة عبر النداء الأخير في الصفحة 15:
يا أيها الموتى انبشوا جسدي
إني أمتُّ جميعَ أحيائي

يتبع في العدد القادم

 

 

تحميل الملف 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *