تحاليل

بقلم: محمد أحمد بابا*

تعمّق الناس في مفهوم التحاليل الطبية لدرجة أنّهم يزعمون بأنّ رجال المختبرات ونسائها يستطيعونَ العثور على كلّ المتغيّرات والطارئات في دماء الناس وأنسجة بنائهم الجلدي والعظمي مهما كانت تلك الكائنات متناهيةً في الصّغر والدّقّة، ولذلك كانَ السّعي وراء زيادة البحث العلمي والتطوير التّقني حثيثاً في كلّ الدول وكلّ البقاع ..

وفي بعض الحالات لا يجدُ الفاحصون للعيّنات المختبريّة شيئاً يعوّلون عليه في تحديد شكوى المريض أو تغيّر الطبيعة النّمطيّة للبدن الإنساني لكنّهم لا يستطيعون أن يتركوا النّماذج المُعدّة للتقارير فارغة فيُتخمونها بأمورٍ لم يُسألوا عنها من باب “زيادة الخير” لأنهم يعتقدون بأنّ أيّة ملاحظةٍ يسجّلونها عن الأمور التي شاهدوها وهم يحلّلون ستفيدُ يوماً ما ..

هذه الطريقة المُختبرية وهذه العادة التحليليّة في مؤسّسات الطبّ وعلوم جسد الإنسان وما يحويه من منظومات متكاملة تعملُ بشكل فائق الانتظام تثيرُ اطمئناناً وأماناً لدى المرضى وذويهم حتى أنّهم باتوا لا يثقونَ بدواءٍ يُصرَفُ من غير تحليل ولا بطبيبٍ يُشخّص بدون أن يُرسلَ المريضَ للمختبر طالباً أيَّ نوعٍ من أنواعِ التحاليل أو الفُحوصات ولا بطالبٍ يدخل الجامعة دونَ اختبار تحليل للقُدرات ..

وكثيرٌ هم الذين يسمعون في أحاديث النّاس بينَ بعضهم البعض انتقاداتٍ واسعة للمراكز الطبية وأفرادٍ من الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات الذين اعتادوا على وصفِ الدّواء بمجرّد رؤية المريض أو بمجرد بدايتِه في سرْدِ شكواه المرضية ويقولون عن هذه الفئة بأنّهم لا يفقهون في المجال الطّبي شيئاً ..

أعرفُ امرأة عجوز لا يمكن أن تتركَ المستشفى إن ذهَبَت إليه دونَ أن يكونَ لها موعدٌ مع التحاليل الطبيّة شاءَ الأطباءُ أم أبوا وهي تُردّدُ بأنّ والدها أخبرِها بأنّ “الدكتور إلّي ما يحلّلْ في المهنة ما يِكَمّلْ” لذلك لا تقبلُ بأن تستخدمَ الدواء حتى يأخذون عيّنة من أيّ جزء من أجزاء أو سوائل أو جوامد جسمها ولا تعنيها النتائج لأنّ المصطلحات الطبيّة التخصّصية بعيدة كلّ البعد عن فهمها واستيعابها لكنّ تلك الراحة النفسيّة التي تشعرُ بها وهي تحملُ الورقة التي بها نتائج التحليل للطبيب المعالج تساوي بالنسبة لها ثلاثة أرباع مراحل الشّفاء ..

وأتذكّر في زمانٍ كنتُ أدرسُ مادّة “الحساب” في المرحلة المتوسّطة بأنّ المعلّم كانَ يرفضُ أن نكتبَ حلّ مسائل الاختبارات دونَ أن ندوّن التحليل المنطقي للعثور على النتائج ويأمرٌنا بأن لا نقوم بكتابة المسوّدات في أوراق منفصلة بل في نفس ورقة الحلّ لأنّ في ذلك دلالة على أنّنا أخضعنا العيّنات للتحليل المختبري الذي يجعلُ من النتائج ذات اطمئنان ودلالة على العمل والجُهد وليست غشّاً أو ضربة حظًّ ..

وشاعَ في زمنٍ من الأزمان التي عاصرتُها وأنا في مراحل التعليم الثانوي أنّ أيّة فتوى دينيّة لابدّ أن تُرفَق بالدليل من القرآن أو السّنة ومشفوعة بكيّفية الاستدلال منهما أو من أحدهما وليسَ هناكَ حرجٌ أن يسألَ العامّي عن مسألة لا يعرفُ حكمها شيخاً أو عالماً ولو أجابَهُ فإنّه لا بدّ أن يقولَ ذلك العامّي ـ الذي لا يعرف الفرق بين القياس والإجماع ـ للشيخ ما دليلك؟ وعلى الشيخ أن يصبِرَ على هذه الجرأة لأنّها ثقافة المُجتمع ..

وفي الفقه المالكي الذي ينتهجه الناس في غالب المغرب العربي تعوّدنا على أن نحفظَ المختصرات الشعريّة والنثريّة دونَ أن يكونَ فيها حديثٌ واحدٌ أو آية واحدة ومع ذلك نثقٌ ثقةً متناهية فيها ونعتقدُ أنها الحقّ المبين وهذه طريقة عصرٍ قديمٍ في مذاهبَ شتى غير المذهب المالكيّ أيضاً حتى أنّه وفي تلك الحقبة كانَ من يسألُ عن الدليل من العوام يعتبرُ متجنّياً وقليلُ حياءٍ مع أهل العلم وأسفارِ المؤلفين ..

النّاسٌ اليوم تُطلقُ الأحكامَ جزافاً في أحاديثها وآرائها ولو كانت متعلّقة بحقوق الناس،وهي كذلك تحلفُ وتقسمُ على أخبارٍ ليس لها مصدر وليس لها معتمد يمكن الوثوق به،وهي بالتالي باتتْ تحتَ رحمة أطبّاءٍ أصبحوا كآلات الطباعة والنّسخ التي تُخرجُ لك عدداً هائلاً من الأوراق التي بها نفس الكلام وذاتُ الصور دونَ زيادة أو نقصان وهم يصفونَ ذاتَ الدواء للكبير والصغير والمريض والمُتمارض على حدٍّ سواء في عدلٍ ومساواة نفتقدها في عامّة حياتنا الاجتماعيّة ..

العودة لعصر البحث العلمي والتنقيب التحليلي ولو عن الثوابت يبدو أنها صارت ملحّة اليوم لسببين رئيسيين، أولهما توقّعُ نتائج جديدة، وثانيهما الاطمئنان للنتائج غير المتغيّرة، وما المانع من ذلك ونحنُ نملكُ عقولاً ووقتاً وإمكانياتٌ مادّية تؤهلنا أن نجعلَ في كلّ مدرسة مختبراً حقيقياً يعملُ ويُحلّلُ ويختبر وليس معملاً يدخله الطلاب ويخرجوا منه دونَ أن يعرفوا الفرق بين ذرة الأوكسجين وذرّة الكربون ..

استخدمَ ربّ العالمين وله المثل الأعلى التحليل والتركيب في القرآن الكريم وضربَ الأمثلة وصاغَ الاحتمالات في قضية “وجود الخالق” وقال تعالى “إن الله لا يستحيي أن يضربَ مثلمّا بعوضة فما فوقها” وقال “لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له” ومن ذلك عرفنا بأنّ الأمور العقديّة التي هي من أثبتِ الثوابت استخدمَ الله تعالى فيها التحليل ليقتنع الكافرون فما بالك بالمتغيّرات والمستحدثات من الأمور التي لا يمكنُ أن تتّحد ولو تشابهتْ على المُستعجلين وظنّوا بأن المرض واحد والعلاج بالتالي سيكونُ واحداً لكنّ أحدَ المريضين قد ماتَ نتيجة هذا الظنّ الفاسد ..

فُرصةٌ سانحةٌ لاستعمال العقول والتفكير حينَ تشيعُ في الأجيال القادمة والحاليّة نظريّة “لماذا” وإذا غفَلنا عنها ولم نستخدمها وننتهزها إهمالاً وتقاعساً أو حياءً ـ لا مكانَ له ـ فنحنُ بذلك سنرجعُ للوراء أضعافَ ما رجعنا في السنوات الأخيرة وسنرضخُ لكلّ طبيبٍ يكتبُ ذاتَ العلاج لكلّ الزائرين حتّى نفاذ الكميّة الموجودة منه في الصيدليّة المجاورة ..

وفي نفس المجال لابدّ أن يكونَ الهدفُ من التحليل المادّي أو المعنوي هو “الحقيقة” ولا شيء غير الحقيقة وأن يكونَ لغاية مشروعة ومطلوبة ومُعينة على التّعامل المستقبلي مع القضيّة المطروحة، لا أن يكونَ إقحامُ المختبرات في كلّ شاردة وواردة على المستوى الطبّي التجاري وعلى المستوى الأداء الحكومي الرّوتيني هو الأداة التي نضربُ بها جُرحَ المواطنين لنزيدهم ألماً فيزدادونَ مسكنةً وخنوعاً ..

إهمال العودة بالأمور إلى مركّباتها الأوليّة للتأكد من سلامة التكوين خطيرٌ جداً، والإفراطُ في استخدام الفوضى التحليليّة في كلّ شيءٍ وأيّ شيء وكلّ وقت وكلّ حالٍ أخطر وأبشع لأنّه يعرقلُ الحركة ويعطّل مصالح المسلمين التي هي أهمّ من نتائج اختبارات يؤخِّرُها تعطّل نظام ونتائج تحاليل يؤخِّرها غياب الفنّي.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *