الأكثر مشاهدة

تجلياتُ الذكرى في مجموعة إيمان السعيدي “عطر المطر”          د. عبده …

تجلياتُ الذكرى في “عطر المطر”       

منذ 5 أشهر

10

0

تجلياتُ الذكرى

في مجموعة إيمان السعيدي “عطر المطر”

      

  د. عبده منصور المحمودي*

 

    المطرُ لغةُ السماء للأرض، والمطر معنىً للحياة النابضة في مساحات الكون الخضراء. وهو ـــ في الوقت ذاته ـــ لغةٌ وجدانية، تسري في الذات الإنسانية عطرًا عابقًا بديمومة الذكرى.

   وبهذه اللغة المائية كان عنوان الباكورة الإبداعية للشاعرة إيمان السعيدي (عطرُ المطر)؛ فتدفق في نصوص مجموعتها هذه ماءُ الذكرى، وعبق في فضاءاتها عطر المطر؛ حيث مثّلت بنية الذكرى وإيحاءاتها في هذه النصوص نسقاً ذهنياً ناسجاً لانثيالاتها الشاعرية، يتسرب في عددٍ من المسارات، التي يمكن استكناه الأبرز منها، في هذه القراءة النقدية.

• (الذكرى/ العطر/ المطر):

   لاقتران الذكرى بالعطر والمطر سريانٌ كثيفٌ في كثيرٍ من نصوص المجموعة، ويمثل النص (عطر المطر) محوريةً أكثر تكثيفاً وتجسيداً لهذه الثلاثية؛ ولذلك كان اختياره عنواناً لهذه المجموعة اختياراً موفقاً، وذلك لفاعلية الذكرى فيه مقترنةً بالعطر والمطر، وأيضاً للحضور المتعدد لهذا الاقتران في مواطن كثيرة من نصوص المجموعة.

    وبالنظر إلى هذه العنونة، يتضح اقتصارُها على (العطر/ المطر)، وغياب (الذكرى)، التي تمثل بؤرةً مركزيةً في ديمومة الاقتران الذهني بين العطر والمطر، والذي قذف بالعطر إلى الواجهة مضافاً إلى المطر.

وتتجلى الذكرى في النص (عطر المطر)، بشكل محوري من خلال استثمار ديمومة الظاهرة الطبيعية (المطر)، التي بثّت خاصيتها ـــ هذه ـــ في سيولةِ البعد الآخر الذي اقترنت به، والمتمثل في (العطر):

“فكيف للمطر أن يأتي ولا يعطرني برائحتك المنتشرة في الأرجاء..؟

 وكيف لا يفوح من ذاكرتي عطرك

 بعد أن بللني به المطر ونحن سوياً ذات مرة..؟

 فبقيتَ بعدها أنت العطر

وأنت .. أنت المطر..”. ص: (19).

    هنا الذكرى فضاءٌ ذهنيٌّ تبلور من أبعادِ موقفٍ عاطفيٍّ متخمٍ بشاعرية العاطفة، تضمّن حدثَ اللقاء بين حبيبين، بعثَ المطر فيه الحيوية، حينما امتزج بعطر الحبيب، وضمّخ به طبيعته المتكررة، فدام تلازمهما مع كل هطولٍ توالى بعد زمن اللقاء، محيلاً بهذا التوالي على زمن اللقاء، موحِّداً بين أقطابه التي انصهرت في الحبيب، ليصبح الحبيب هو العطر وهو المطر كلما تشكلت السُحب، وأرعد عزفها هطولاً مشحوناً بعاطفةٍ متوهجة:

“اكتفيتُ فقط بالنظر لتلك السحب التي بدأت ترعد عزفاً..

وبدأت تمطر،

ففاح عطرك من جدران ذاكرتي،

ومن تلك المباني..

ومنحتني عطر اللقاء..”. ص: (19).

• (الذكرى/ الحنين):

    للذكرى في نصوص المجموعة هيمنةٌ فاعلةٌ في حركية الإبداع الشعري، وحيويته المستمرة باستمرار غياب الحبيب، غياباً يشتعل حنيناً، في مدارات الذكرى؛ فنجد أنسنةً للحنين، في هيئة زائرٍ، يستهل وصولَه بتصفح أوراق الذاكرة:

“يحدث أن يأتيني الحنين زائراً

 …..

ويبدأ بتقليب أوراق ذاكرتي”. ص: (15).

   كما تتجلى فاعلية الحنين في الذاكرة، من خلال حركيةٍ لطيورٍ محلقةٍ في فضاءات الوجدان وآفاق الذاكرة؛ بحثاً عن الحبيب:

“وأسراب طيور الحنين التي تبحث عنك

في أرجاء ذاكرتي الممتدة..!”. ص: (15).

   فهنا يتجسد الحنين في صورة الطيور، التي أوحت بكثرتها صيغة الجمع (أسراب)، وهي طيور موسومة بالألفة المتجلية بحثاً دؤوباً عن الحبيب في امتدادات وأرجاء الذاكرة. لكن هذا البحث الأليف لا يدوم؛ إذ يتحول إلى نهشٍ في الذاكرة والقلب:

“أراني بدونك مصلوبةً على أعمدة البعد!

وطيور الحنين تنهش في ذاكرتي،

تنهال عليَّ كالطير الجارح

تبحث عنك في أعماق قلبي

لكن دون جدوى!!”. ص: (22).

   حيث كان الإحباط وعدم العثور على ما يبحث الطير عنه، سبباً فيما آلت إليه الحبيبة من حالٍ، تجسدت في الاستلهام الرمزي لهيئة العذاب القاسي، الذي تمثَّل في تاريخية صلب الإنسان عامة، وإحالةً على عذابات الصلب.. بوجه خاص. والإحباط بهذه الحال المتجسدة فيما استوحته من عذاب الصلب، دفعت الطيور ـــ طيور الحنين ـــ إلى التخلي عن طبيعتها الأليفة، وتحوُّلِها إلى طيورٍ جارحةٍ، مستعينة بهذه السمة على مهمتها الشاقة، في البحث عن حبيبٍ يتغلغل في القلب والذاكرة، دون أن يترك مجالاً لعثورٍ واقعيٍّ عليه.

• (الذكرى والانتظار):

   ترتبط الذكرى بالانتظار، الذي يمثل أملاً متنامياً، يمد الذكرى بعنفوان الحياة:

“ما زالت تقف هناك على مرفأ الانتظار

حيث ودعته آخر مرة،

….

ويلفها صقيع الذكرى الباحثة

عن وطن له تنتمي”. ص: (34).

   ويتسم هذا الانتظار بمدىً زمنيٍّ يتناسل طولاً وتمدداً:

“تفتش عنه في وجوه الواصلين..

فتتصاعد تنهيدة

ترسم على شاطئها سؤالاً

إلى متى  سيطول بذاكرتي هذا الانتظار؟!”. ص: (34).

   فطول الانتظار هنا تحتويه الذاكرةُ المسكونةُ بحيوية الذكرى، التواقة إلى لحظةٍ زمنيةٍ، تلد انفراجاً لهذا الترقب، وهي لحظة، تستثير التساؤلَ، حول المدى الزمني، الذي سيقطعه الانتظار؛ وصولاً إليها. 

• (الذكرى/ الذاكرة):

    الذاكرة موطن الذكرى؛ لذلك كان حضور الذاكرة في نصوص المجموعة، إحالةً على الذكرى، بكثافةٍ تتنامى نسيجاً متشابكاً من التصوير الفني الذي يضجّ بحيوية التجربة الإبداعية؛ فنجد للأغاني إيلاماً مدمياً، حينما تنهش الذاكرة:

“أنيابُ الأوتار تقضمني كتفاح الوصل على شجر الحنين،

تنهشُ هنا ذاكرتي”. ص: (15).

    كما نجدها ـــ الذاكرة ــ مرتبطةً بالصقيع، حينما تهدأ أمواج الحزن:

“علّ نسيمها يحمل من عطرك شيئاً

يدفئُها عند صقيع الذاكرة”. ص: (16).

    وهو الحضور الذي تجسده حيوية الإبداع المتبلورة في إيقاعٍ فريدٍ لفوضى الكلمات، التي تزخرُ بها أعماق الذاكرة:

“لفوضى الكلمات وقع آخر في أعماق الذاكرة..”. ص: (20).

    حيث تمثل الكتابة تجلياً فنياً لأثر الذكرى وديمومتها في فضاء الذاكرة، فأتت الأوراق معادلاً متضمناً هذا التجلي المتوهج؛ بحثاً حثيثاً عن الغائب:

“في غيابك أبحث عن ذاتي..

أبحث عنك في مذكراتي..

في أوراق ذاكرتي..”. ص: (22).

   وهو بحث يؤدي إلى خلود اللقاء في أوراق الذكرى/ الذاكرة ذاتها:

“سألقاك

في أوراق الذاكرة سطوراً لم يمحها الزمن..ّ”. ص: (21).

• (الذكرى/ النسيان):

    إن الذكرى التي تتوهج إبداعاً متجدداً، لا يحملها اقترابُ النسيان إلا على مزيد من التوهج:

“سأجعل أعواد النسيان ثقاباً..

لأشعل

خيالك شمعاً

في طُرق الجنون..”. ص: (54).

    فهنا تتجلى لذة الألم بإدامة الذكرى، حتى يصبح النسيان ذاته فاعلاً في هذه الديمومة، حينما يفقد ماهيته القائمة على تجاوز المَنْسي، واكتسابه ماهيةً جديدة متجسِّدة في قدرته على إشعال الذكرى، ليس لإحراقها، وإنما ليستمر توهجها نوراً يفضي إلى الجنون، وهنا تكمن المفارقة الجمالية المشاكسة لطبيعة الوصول، التي جُبِل عليها الاهتداء بالنور. 

    وتتضمن فاعلية الذكرى في نصوص المجموعة وصولاً إلى اللحظة المنتظرة، وهي لحظة لم تُفْقِد الذكرى توهجها، بل زادتها إشعاعاً وتوهجاً:

“يمشي يجوارها على أرصفة الحنين

بعد غيابه لسنوات عجاف..

تتلبد سماء الحب بالغيوم،

تدمع عينا حبيبته حين تتذكر ربيع العمر الذي مر بدونه..

يبتسم بحيرة وهي تبكي بجواره…

ويتساءل في نفسه..

أهذه دموع السماء فرحة لقدوم ربيع جديد..؟

أم هي عيون حبيبتي تبكي ذكرى المطر..”. ص: (27).

   فهنا تتضح نهاية الغياب بلقاءٍ طال انتظاره، وطال الشوق إليه، لقاءٍ غذَّت الذكرى مساراتِ الأسفار الخيالية إليه، لذلك كان هذا اللقاء حيويةً متجددة للذكرى، وتخليداً لِلذّة أثرها الوجداني الجميل والمعتق، في الذات المتشظية بالانتظار، فكانت دموع الحبيبة في هذا اللقاء، بماهيتها السائلة امتداداً لذكرى اللقاء الأول، متماهياً مع المطر الذي اضطلع، منذ امتزاجه بعطر ذاك اللقاء، بديمومة الذكرى، وقد تجسد هذا الامتداد، في التساؤل عن ماهية دموع اللقاء المتأرجحة: بين دموعِ فرحةٍ باللقاء، ودموعٍ باكيةٍ ذكرى المطر. تساؤل تضمن إيحاءً بتغليب ماهيتها باكيةً ذكرى المطر.

   وبذلك، تتضح هيمنة الذكرى الدلالية والفنية في نصوص مجموعة “عطر المطر”. هيمنة مشحونة بحيوية الموقف الذي تتضمنه، متدفقة في مدارات متعددة؛ حيث ارتوت بالمطر العاطر والعطر الماطر، وتوهّجت بالحنين، وكثفت من استحضار فضائها الدلالي، ووعائها الذهني الذي تموجت فيه، والمتمثل في (الذاكرة)، كما حوَّرت البعد المشاكس لديمومتها، والمتمثل في (النسيان)، فجيَّرتْه عاملاً ذا فاعليةٍ في ديمومتها وخلودها، الذي أرسى دعائمه اللقاءُ، بعد طول انتظار.

 

* أستاذ الأدب والنقد الحديث المساعد، جامعة عدن – اليمن

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود