تنظير .. مقدس

بقلم: سمير عالم*

في كل مجال من المجالات الفنية أو العلمية، منظّرون يعملون جاهدين على ترسيخ تلك النظريات، والعمل على الحفاظ عليها ثابتة كما وضعت أول مرة، كأسلوب قمعي يقف في وجه الإبداع و الابتكار والتجديد، وتتحول تدريجيا لتأخذ صفة القدسية، والتي تعني الخروج عن الأعراف والتقاليد المهنية .
الشذوذ عن القاعدة لا يعني دوما التمرد المستهجن، والسير وفق القاعدة لا يعني احترام الأعراف على الدوام، لذلك لابد من الحكم على كل حالة بشكل مستقل.
ومن تلك المجالات التي لا تخلو من هذا التنظير هو المجال الإعلامي والثقافي أو مجالات الكتابة الأدبية، ونظراً لارتباط هذين المجالين ببعضهما بشكل وثيق آثرت الإشارة إليهما مجتمعين .
التواجد داخل منظومة يعني التماهي والتطابق ولا يتيح المجال لأي فرد فيها بسلوك خط مغاير، وفي المقابل نرى أن نفس المنظومة قد لا تحترم إلا المتميزين من أفرادها ، فنجد أن الغالبية منها تغرق في القاع والقلة فقط هي من تبقى طافية على السطح، وذلك نتيجة للتفرد والتميز .
نحن لا نطالب بإعادة اختراع العجلة، فالعجلة على سبيل المثال بلغت حدود الشكل الأمثل للوظيفة المناطة بها، ولم يعد بالإمكان التعديل على الشكل الدائري الذي ينبغي لها أن تكون عليه، ولكن يمكننا أن نستغل المساحة الأخرى التي تتيح لنا الابتكار، فاستخدام مواد جديدة قد تجعل من تلك العجلة أخف وزناً وبالتالي ستجعلها أسرع في الحركة، وإضافتنا لمواد أخرى قد تجعلها أكثر صلابةً وتحملاً للأوزان، وتزيين بعض الجزئيات ستجعلها أجمل شكلاً، وكل ذلك يتوقف على المجال الذي نرغب استخدام العجلة فيه ، فالشاهد من الاستشهاد ، هو أننا ربما نكون قد توصلنا للقواعد المثلى في كثير من الفنون والعديد من المجالات ، ولكن لا زال هنالك هامش يمكن الإبداع من خلاله وفق رؤية وفهم كل فرد منا لهذه القواعد .
أتساءل ما المانع في أن يكون أحد أفراد جيلنا هذا صاحب مدرسة فكرية جديدة ومستحدثة في هذين المجالين؟! لا أعتقد أن ذلك يتعارض مع المنطق ، بل على العكس فالتجديد أصبح مطلباً فعلياً فيهما بما يساير العصر ويتلاءم مع الذوق الحديث .
ولكن الإشكالية هنا تكمن في بعض من تربعوا في أعلى الهرم الثقافي، ولا زالوا متمسكين بتلك القواعد التي لم تعد تستهوي الجيل الجديد كثيراً، وبالرغم من ذلك فأنني أولي احتراماً واهتماماً كبيراً بالتمسك بكل ما هو راسخاً منذ زمن، إلا أنني أنكر التزّمت في تقديسها .

كل إعلامي أو كاتب لابد وأن يؤسس مدرسته الخاصة ويسعى للتميز بأسلوبه ومنهجه، وكل من يضع نفسه داخل الأُطر والقوالب المتعارف عليها ويعارض الخروج عنها، سيتحول إلى صنم جامد ما تلبث أن تغطيه الأغصان الخضراء، حتى يختفي إلى الأبد .

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *