قُبَلٌ لها أنياب

بقلم: علي بدوي الشهري*

 

كلنا ندرك أهمية خلق جيل واعٍ وغير صدامي ومع ذلك نختلف وتختلف طرق وطرائق تربيتنا للنشئ، وأكاد أجزم بأن هناك نسبة عالية من العائلات قد أوكلت أمر تربية أطفالها للأجهزة الإلكترونية أو للمقربين أو من ينوب عنهم، بينما الوالدان إما منشغلين بتصوير المطاعم الفاخرة والمناسبات أو ملاحقة حسابات مشاهير النوادي الرياضية وقنواتها التي لا تفضي لشيء إيجابي أبداً سواء بحق الفرد أو المجتمع إلا في زيادة مساحة التسطيح الفكري والانسلاخ الديني للمجتمع، وبالتالي أصبحا منشغلين تماماً عن تربية أبناءهما وغير مدركين للمصيبة التي يجرون أطفالهم إليها.
وأنا هنا أتذكر جملة دائماً ما كان يرددها الممثل حسام المصري في المسلسل الكوميدي السوري:(على جميع الجبهات)، حيث يجسد شخصية سائق الشاحنة العازب والذي يجوب بشاحنته أنحاء سوريا وبعض الدول العربية طلباً للرزق، وحين إلحاح والديه عليه بالزواج من ابنة عمه كان يتذرع قائلاً:(ما بدي خلِّف وزِّت)،  فما أكثر من خلِّف وزِّت في يومنا هذا.

يقول الفيلسوف الفرنسي جوزف جوبير: (الأولاد بحاجة إلى نماذج أكثر منهم إلى نقاد)، والنماذج التي يحتاجها أبناءنا مختلفة تماماً عما يتوقعه بعض الأباء والأمهات وليس الكل وماهم عليه فعلياً اليوم.

حقيقة هناك كفتين أو خطين مستقيمين متوازيين لا يمكن لهما أن يلتقيا مالم يتدارك الأكبر سناً و الأنضج عقلاً منهم، أحد هذان الخطان هم الأباء والأمهات وما يملكونه من تصور، وفكر، ونظرة للواقع، وللحياة و ما فيها من حقائق مطلقة ونسبية، وكيفية تعاطيهم مع هذا الواقع الغني بالزخم المعرفي، وفي نفس الوقت المترع بالانحرافات الذي قد يصل أحياناً للثوابت كالعقيدة والدين والوطن، وهناك على الطرف المقابل نجد الأبناء وما اكتسبوه من قيم ومعارف أغلبها تعد قيماً مضللة ومعارفاً مشوشة تم اكتسابها حتماً عن طريق السُّذَّج والفارغين الذين يملؤن اليوم فضاء وسائل التواصل الاجتماعي دون رقيب أو حسيب من الوالدين أو حتى مؤسسة حكومية ثقافية تُعنى بتقنين هذه السطحية ومحاربتها وأهلها بحجة أن الفضاء للجميع.
لا أريد أن يقال بأني سوداوياً ولكن هذه هي الحقيقة التي أراها شخصياً، وأجزم أنكم ترونها مثلي على شكل ممارسات وسلوكيات في المساجد و الشوارع والأسواق وغيرها..، قد يتفق معي البعض فيها وقد يختلفون في أنها مخرجات حقيقية لما تم تعلمه واستقاءه من مدرسة أو مجتمع عن طريق المخالطة كتفاً بكتف أو طيفاً إلكترونياً من وسائل التواصل بشتى أنواعها.

وعلى ذكرنا للمدرسة حيث أنها تعد لبنة لا يُستهان بها في تعليم وتنشئة الأطفال، وقد أصبحت فعلياً لا تستطيع سوى للنَّزر اليسير جداً من التربية التي لا تأتى لبعض الطلاب إلا كاليانصيب أو لعبة (الشختك بختك) والتي كنا نلعبها ونحن بأعمارهم، فالمحظوظ منهم اليوم من يتعلم على يدي معلم أو معلمة يراعي الله في عقله، والإنسان الذي بداخله ، أما البائس منهم فالحياة مدرسته.
يقول سقراط: ” لا تكرهوا أولادكم على آثاركم ، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”، ويقول سيمور:(إن تربية الطفل يجب أن تبدأ قبل ولادته بعشرين عاماً، وذلك بتربية أمه)، هل حقاً مشكلتنا تكمن في تربيتنا وتعليمنا نحن كأولياء أمور ؟!
ولماذا لا تكون هذه هي مشكلتنا الحقيقية؟!
فهل نظن أننا ملكنا مفاتيح الشرق والغرب من علوم ومعارف وتربية؟!
أو نظن أننا أولئك الأفذاذ الذين لا يشق لهم غبار و الجامعون لكل شيء، والمحيطون بكل شيء علما؟!
لا والله، لسنا كذلك ولن نكون كذلك طالما أننا لا نزال نتقاتل على بقايا تمرة أو كما قال الشاعر العظيم نزار قباني:
يتقاتلون على بقايا تمرة
فخناجر مرفوعة وحراب

قبلاتهم عربية .. من ذا رأى
فيما رأى، قبلاً لها أنياب

كاتب وشاعر سعودي*

6 thoughts on “قُبَلٌ لها أنياب

  1. مقال أكثر من رائع هذا المحتوى يجب أن يدرس في الجامعات للطلاب والطالبات قبل فوات الأوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *