القصة القصيرة قوالب ومعايير تتجاذبها الحداثة

أدباء يشددون يجب توخي الحذر

القصة القصيرة قوالب ومعايير تتجاذبها الحداثة

  • الأديبة صبحة بغورة: القصص القصيرة أدت دوراً مهماً في إثراء الثقافة العربية، وفي تهذيب الذوق العام، وإشباع القيم الجمالية.
  • الأديب القاص عبد الفتاح خطاب: القصة القصيرة حراك إبداعي إنساني، ليست بمعزل عن أي نشاط يبدعه الإنسان، في تأثره بموجات التحديث، وهي فن يتجاوب مع ايقاع العصر.
  • الأديبة عبير النحاس: القصة القصيرة فن يلي الشعر في درجة الانفعال الوجداني، المطلوب لكتابتها بنص قوي مؤثر، وهو ما لا تتطلبه الرواية.
  • الأديب الناقد عبدالجواد خفاجي: التكثيف يعني شحن النص بأكبر طاقة ممكنة من الدلالات الرمزية، والإيحائية في أقل عدد ممكن من الكلمات.

تحقيق: أحمد خطاب

                           

تعتبر القصة القصيرة أحد فنون القول كالشعر، والمسرحية، والرواية، والخطابة، بل هي فن الفنون، لأنها ترق وتهمس كالشعر، وتصخب كالموسيقى، وتصف وتجسد كالتصوير. ولقد اختلف مؤرخو الأدب في نسبها، فقائل إنها فن مستحدث ظهر في أوروبا أعقاب القرون الوسطى بعد انحدار حقبة الإقطاع، حيث نهض ذلك الفن من بين أكواخ المهمشين والمنعزلين والمستضعفين، بعكس الرواية التي توصف بأنها بنت المدينة، وقول لمؤرخين آخرين يرجع بأصلها إلى الأدب العربي، باعتبارها أحد تجليات النوادر العربية، والمقامات والأقاصيص، التي كانت تتسرب خارج جدران القصور الملكية، وتحكي عن الجن، والشياطين، والخوارق، أو التي تروى على لسان الطير والحيوان، مثل (كليلة ودمنة)، و(ألف ليلة وليلة)، وغيرها. ويذهب هؤلاء إلى أن هذا القصص قد تسرب إلى الآداب الأوروبية في إيطاليا وإسبانيا، وتجلى مردوده في قصص مثل (الديكاميرون) للكاتب الإيطالي (بوكاشيو) وهي عشر قصص تحكى عن مكائد النساء وحيلهن، تشبه قصه امرأة العزيز الواردة في القرآن الكريم، و(جحيم دانتي) التي يرى فيها البعض تأثراً كبيراً بأبي العلاء المعري الذي يسبقه بزمن.

وسواء أكان هذا الفن مستحدثًا، أوروبيًّا خالصًا، أم كان ناتجاً للتزاوج بين الآداب الأوروبية، والأدب العربي؛ فالقصة القصيرة تبرز اليوم باعتبارها كيانًا له أهميته، وخصوصيته البارزة في كل الآداب.

وحين نتحدث عن القصة القصيرة كأحد روافد الأدب الحديث سنجد أسماء تتلألأ في سماء الحركة الأدبية على امتداد وطننا العربي بصفتهم الرواد الأوائل لهذا الجنس الأدبي، كـ (محمد تيمور) من مصر، و (ميخائيل نعيمه) في لبنان، ثم توالت من بعدها أجيال من المبدعين إلى أن نصل إلى (يوسف إدريس) و(يوسف الشاروني) و (بهاء طاهر)، وجيل الشباب الآن الذين يثرون الساحة بنتاج قرائحهم في هذا المضمار.

في هذه السطور تناقش فرقد الإبداعية ظاهرة القصة القصيرة كقوالب، ومعايير تتجاذبها الحداثة؛ لنقف على ملامح هذه الظاهرة، وأبعادها، وتجلياتها؛ من حلال محاور: ما واقع القصة القصيرة في الوطن العربي؟،ما مدى قدرة القصة القصيرة على ملء الفراغ الذي نتج عن ندرة الروايات العربية؟، وماذا عن الألوان الأدبية المستحدثة على القصة القصيرة؟، هل ظهر في القصة ألواناً جديدة تختلف في معاييرها عن المعايير التقليدية للقصة القصيرة؟ ، البعض يدعي أن سمة العصر السرعة والإيجاز؛ فهل ينسحب هذا التوظيف إلى المنتج الأدبي؛ فيسوغ ألواناً من السرد القصير المكثف؟، هل تحمل القصة الومضة، أو القصة القصيرة جداً معايير القصة القصيرة؟.

تقول الأديبة الجزائرية صبحة بغورة:

أن الكثير من القصص القصيرة قد أدت دورًا مهماً في إثراء الثقافة العربية، وفي تهذيب الذوق العام، وإشباع القيم الجمالية، في المتعة الفكرية الراقية، والاستفادة من التجارب، وتميز الأداء بالبراعة، والدفء، والإقناع المصحوب بالجمال الخاص،والجاذبية، ومجال القصة القصيرة المحدود أدى إلى الاهتمام بالترشيح اللفظي؛ لتكثيف المغزى و المعنى، دون الإسهاب في التوظيف البنائي، والبناء الداخلي للشخصيات، الذي قد يستهلكها على حساب الإيحاءات، التي تستفز قوة الحياة، ومازال هناك حاجة لتجاوز القصة التي تدور أحداثها بلونين متنافرين؛ أي بشخصيتين متضادين؛ لمجرد إحداث التفاعل المطلوب؛ للتعبير عن قلق الوجود، إلى ما يمكن أن يمنح بعدا إنسانيا وروحا، من التعايش بين عديد الأطراف، الذي يكسب القصة القصيرة الكثير من الدلالات.

أن القصة القصيرة تختزل بتفاصيلها الحياة، بأفراحها وأتراحها، وتستدرج القارئ بقدر ما تتمتع به من روعة، التراكيب اللفظية، وكثافة اللغة الشعرية، والحس الإبداعي للقاص؛ لذلك وجدت القصة القصيرة سبيلها للانتشار سريعا، بالرغم من ان للرواية دور مهماً في إثراء الثقافة، وتهذيب الذوق العام، وإشباع القيم الجمالية، في المتعة الفكرية الراقية، والاستفادة من التجارب، إلا أن توجه بعض الكتاب إلى تفضيل تحويلها إلى عمل درامي، سينمائي أو تلفزيوني؛ قد أثر في شكلها بعدما أصبح موجه لمعدي السيناريو، أكثر من توجهه للقراء.

وتضيف قائلة: أن الأصوات تعددت في بعض القصص القصيرة، كتقنية جديدة تمنح القصة مزيدًا من الحيوية، وفرصة أكبر لتمثيل الواقع، تمثيلًا يمنح القارئ هامشاً واسعاً من الحرية، في تأويل المواقف، والحكم على الشخصيات، بعدما يجد نفسه أمام حدث يروى من مواقع مختلفة؛ فتتشكل لديه وجهة نظر خاصة، ويميل بكل حرية إلى ما خلص إليه اعتقاده.

ويميل بعض الكتاب إلى القصة التاريخية القصيرة، التي ظهرت محاولات لمزج الملحمي بالواقعي، والأسطوري بالحقيقي، والكاتب لا يستطيع أن يتجرد من خياله، وهو في نفس الوقت لا يكتب تاريخًا، ولا يعمد في أعماله أن يكون مؤرخًا، هو يوظف التاريخ، ويعتمد على التخيل، الذي يرفع العمل الروائي إلى عمل إبداعي، وهنا تكمن المعاناة؛ لأن مجال القصة القصيرة لا يسمح بالذهاب بالنص إلى أقاصي بعيدة؛ حيث سيصعب تقريب العنوان الذي يرمز لدلالة المعنى، مع المدخل الذي يعبر عن المغزى القوي للقصة، ومن ثمة يحدث التأويل في الكتابات التاريخية، ومعها يفتح الباب واسعاً أمام مفهوم الغرور الحضاري.

ولقد دفعت الرغبة في ولوج عالم ما وراء الطبيعة، إلى ظهور القصة الغرائبية؛ لتأخذ غواية الكتابة الكاتب إلى أفاق التجريب على الفانتازيا، حيث يستند سرده إلى الحالة النفسية المؤدية إلى الوهم، والاستغراق في متاهات حلم، لتتعاقب الأحداث في صور على غير الصورة الطبيعية، وهي غالبا تنتهي بمفاجأة، تتجاوز حدود الاكتراث بأي عواقب، ومثل هذا اللون يعتمد على أن التخيل، بحد ذاته تركيباً فنياً، يحاول أن يحاكي ما هو قائم في الكون، ولكنه في الحقيقة يبدو من حيث الواقع مجرد إيهام به.

أن الاعتراف بأننا نعيش فعلاً عصر السرعة، في كل  مفردات حياتنا اليومية؛ يدفعنا إلى التأكيد على فضائل استغلال الوقت، بل واستثماره بأمثل ما يمكن من جهة، ومن جهة أخرى إلى ضرورة توخي الحذر، من الوقوع في فخ العجلة، والهرولة غير المتبصرة، وينصرف هذا المعنى على طبيعة المنتج الأدبي؛ حيث أصبحت المكتبات تعج بالمؤلفات في مختلف المجالات؛ ولكنها دخلت في إطار ليس كل ما يكتب يمكن أن يقرأ، فتسابق دور النشر في ظل التنافس القائم بينهم؛ دفع بالكثير منهم إلى تعمد التوسع في النشر، بأساليب إثارة غير حقيقية، وضعت القارئ  للأسف في كثير من الحالات أمام صدمة عنوان عمل أدبي، بمحتوى فارغ، ومضمون ضعيف.

القصة الومضة، والقصة القصيرة جداً ظاهرة سردية جديدة، وهي لدي المتلقي كمن يعد الأيام بالدقائق، وتمثل بالنسبة للقصة القصيرة، نقلة في الشكل والمضمون، لا تتجاوز مجرد موقف واحد غالباً، مالا تكون له مقدمة، وينتهي بغموض؛ لذلك فهي تقوم على الإيجاز، والتكثيف، وتحتاج إلى جهد أكبر في حبك أحداثها، وصياغتها، ومهارة التوفيق، في تجنب الوقوع في فخ المختصر المخل، والتطويل الممل، وقد تعتمد كثيرا على شعرية المجاز، أكثر من شعرية اللغة، التي تدفع في الحقيقة إلى شعرية العمل الأدبي، وذلك لحبك السرد التخيلي، أو الكذب الفني الإبداعي، وبذلك فهي تبتعد عن معايير القصة القصيرة، القائمة على وضوح العلاقة بين الدال والمدلول.

ويرى القاص المصري عبد الفتاح خطاب:

أن القصة القصيرة في العالم العربي تعيش اليوم واقعًا جيداً؛ ففي كل دورية ثقافية تفرد مساحة للقصة القصيرة، وفي رحاب المنتديات الثقافية، كقصور الثقافة في مصر مثلا، يفرد كيان مستقل للقصة القصيرة، ويحمل الآن قطاع لا بأس به من المبدعين، ممن يكتبون القصة لقب (القاص فلان)، في مواجهة الشاعر، والمسرحي، والناقد.

ولا يعتقد أن هناك ندرة في عالم التأليف الروائي العربي؛ بدليل وجود أسماء كثيرة تكتب الرواية الجيدة، على مدار الوطن العربي بأكمله، وفي كل أقطاره، من مصر، ولبنان، والسعودية، والجزائر، والمغرب، ولست في حاجة إلى ذكر اسماء، وقد يكون الروائي قاصاً، والعكس؛ باعتبار أن الرواية تندرج تحت مسمى القصة عموماً.

ويضيف أن القصة القصيرة بصفتها حراك إبداعي إنساني؛ ليست بمعزل عن أي حراك، أو نشاط يبدعه الإنسان، في تأثره بموجات التحديث، على مستوى العالم، مثل القصص السيكولوجي، واللا معقول في الأدب الفرنسي خاصة، والغربي عامة، والواقعية النقدية، والواقعية السحرية، عند أدباء أمريكا اللاتينية، والاقصوصة، والقصة الوامضة… الخ

لقد كان الشعر العمودي، ثم شعر التفعيلة، ثم قصيدة النثر، فقصائد لا تختلف عن السرد العادي، وكلها يقال لها شعر، كذلك القصة، والرواية، فهناك روايات تبدأ من اخرها، وروايات تتضمن بين سطورها، مقتطفات من أقوال الصحف، مثل ما يكتبه صنع الله إبراهيم، وروايات تغرقك في عالم الأحلام، أو الجريمة، أو الرعب في الأقبية المظلمة؛ فقط المعيار في كل ذلك؛ هو أن يحافظ المبدع، على قيمة الصدق الفني.

وذهب الأديب خطاب إلى القول بأن عالم السرعة حدا بفن القصة القصيرة، أن ينزل بمساحه القصة من ثلاثين صفحة عند الرواد الأوائل، إلى أسطر قليلة هذه الأيام؛ لأن فن القصة القصيرة فن يتجاوب مع إيقاع العصر، وطالما تحتفظ بمعايرها المتعارف فلا بأس، فتتميز القصة القصيرة في صياغتها الفنية بالوحدة الشعورية، دون حشو، أو عبارات مجانية، لا لزوم لها، ثم التكثيف، والتركيز، وعدم تعدد الشخصيات؛ حتى لا يتشتت ذهن المتلقي، والعبارة فيها كالطلقة، تذهب إلى هدفها دون انحراف، أو دخول في متاهات.

وهي نص يجمع في داخله الزمن بأبعاده الثلاثة، الماضي، والحاضر، والمستقبل، أما عن مساحة القصة؛ فليس هناك تحديد لعدد كلماتها، فقد تكون صفحة، أو عدة صفحات؛ على ألا تستغرق من الوقت في قراءتها، أكثر من نصف الساعة، وفى هذه المساحة عندما تقصر عن الصفحة الكاملة، تسمى القصة القصيرة جداً، وهو لون جديد ظهر على يد شباب القصاص، غير أنه يحتاج لحرفية عالية، وقدرة، ودربة من كاتبها؛ فبعضها يروى من خلال سطر، أو سطرين.

أما إذا تعددت صفحاتها فتسمى القصة القصيرة، وهذه وتلك تختلف عن الرواية، التي هي فنٌ آخر قائم بذاته، وله مناخه الخاص، وحرفيته المميزة، وهمومه، التي تختلف بشكل كبير عن القصة القصيرة.

أن قصة الومضة هي أخر (صرعة)، أو (موضة) يطرحها فن القصة؛ لكنني على المستوى الشخصي، لست أدرى كيف يستطيع كاتبها، أن يقول ما عنده في كلماتها القليلة؟!؛ وسوف يتلاشى هذا النمط؛ ليطرح علينا عالم الابداع نمطا آخر؛ لأن عالم القص قابل لكل ما تطرحه قرائح المبدعين.

ويؤكد خطاب أن الأدب سفينة، ملاحها يشق بها العباب، مرة يواتيه حظه؛ فينجو، ومرات يتصادم مع الهول، والمهم أن يصل بسلامة إلى مبتغاه، ولا يهم بعد ذلك كم العنت الذي لاقاه؛ وما أظنه الا مواصلاً رحلته دوما، وسيظل العصر يطرح علينا، كل فترة طريقة جديدة، واسلوباً مبتكراً، وتظل مسيرة الابداع، حاملةً شعلتها العبقرية، متجهةً نحو المستقبل.

بينما ترى الأديبة السورية عبير النحاس:

أن القصة القصيرة كجنس أدبي؛ مظلوم عالمياً، وليس فقط في الوطن العربي، فهي تعاني من طولها على المنابر، وتظهر مملة عندما تقارن بالشعر، الذي يعتمد، ويصلح للمنابر أولاً، وهي أيضاً أقل حظا من الرواية، التي تعتني بها دور النشر، والمحافل الأدبية، بشكل أكبر، وهي تتناسب مع المجلات الأدبية، والدوريات، والتي تعاني بدورها من مشاكل، في التمويل، والانتشار؛ وقد تكون جائزة نوبل في مجال القصة القصيرة، التي نالتها الكاتبة الكندية أليس مونرو عام 2013م؛ حدثاً فريداً، يعبر عن واقع القصة القصيرة في العالم، عندما تقارن بما نالته الأجناس الأدبية الأخرى، من هذه الجائزة لسنوات طويلة، ولو أن الحدث كان مفرحاً لنا، ككتاب للقصة، وإشارة إلى وجودها بفاعلية، من جديد على الساحة الأدبية.

وتؤكد النحاس أن الندرة الحقيقية في القصة القصيرة، الجيدة والمؤثرة؛ فالقصة القصيرة فن يلي الشعر في درجة الانفعال الوجداني، المطلوب لكتابتها بنص قوي مؤثر، وهو ما لا تتطلبه الرواية، وأيضاً التكثيف الذي يتطلب مهارة لغوية عالية، والعناصر التي تستلزم كاتباً متمكناً؛ يملك قلماً مطيعاً، وانفعالاً قوياً، وخبرة في تقنيات القصة؛ وهي شروط تجعل من كتابة الرواية، أكثر سهولة، إضافة إلى ما أسلفت، من دعم دور النشر لها.

منذ عقد من الزمان وربما أكثر قليلاً، خرجت لنا القصة القصيرة جداً، والقصة الومضة، وانتشرت، وتأسست من أجلها الجوائز الأدبية، والمنتديات، ونشرت العديد من المجموعات القصصية، التي أفردت لها أو تركت لها حيزا من أوراقها، بين قصص قصيرة مكتملة العناصر؛ وسارع النقاد بوضع قوانين، وتقنيات لها؛ ليتم ضبطها، وتوقع البعض أن تندثر القصة القصيرة بعد سنوات، وتطغى على الساحة القصة القصيرة جداً، وقد كنت ممن يخشون على مستقبل القصة القصيرة؛ ونظراً لما نراه من إحجام القراء عن القراءة؛ وتوقعنا أن يكون هذا سبباً كافياً لطغيان القصة القصيرة جداً؛ لكن هذا لم يحدث، ولم تستمر القصة القصيرة جداً بتلك القوة، وما زالت القصة القصيرة ،بشروطها، وقوانينها التي نعرفها، هي أساس هذا الجنس الأدبي الراقي، ولا خوف عليها إن شاء الله.

وتضيف أن القصة القصيرة بتقنياتها الحالية، فن مستحدث عمره لا يزيد عن قرن ونيف؛ وظهرت على يد موبسان الفرنسي، ثم انتشرت، ومن الممكن تحديثها بفن جديد، منبثق منها يحمل معاييرها.

ومما لا شك فيه أننا نقبل ممن كتب القصة القصيرة، وأبدع فيها؛ أن يكتب القصة الومضة، أو القصة القصيرة جداً؛ لأنه حينها لن يكتب بشكل عشوائي، بعيدا عن العناصر، والشروط، وأيضا نحن نثق بملكاته الأدبية، وبلاغته؛ فلا تكون الساحة ملعباً للدخلاء؛ كما حدث عندما بدأت القصة القصيرة جدا.

وأقرت الأديبة عبير النحاس بأن الومضة، والقصة القصيرة جداً؛ تحمل معايير القصة القصيرة؛ كالحدث، والشخصية، لكنها تغفل الزمان، والمكان، من بين عناصرها، وهناك من يفرق بين القصة الومضة، والقصة القصيرة جداً، من حيث التكثيف؛ ويرى أن القصة القصيرة جداً يمكن أن تمتد لعدة سطور، بينما القصة الومضة أكثر كثافة، وتمتلك نهاية صادمة، وغير متوقعة، ولا تتجاوز السطر، وتم تحديدها بـ 25 كلمة، من قبل بعض النقاد، وأنها تحمل نهاية صادمة.

فيما شن الناقد الأدبي الأستاذ عبد الجواد خفاجي:

هجوماً عنيفاً على الصور الجديدة للقصة القصيرة جداً، والتي تسمى بالقصة الومضة، وبدأ حديثه عن أشكال ومسميات، سعى مخترعوها إلى ترسيخها، كمصطلحات تدل على انتماء كتاباتهم إلى فن القصة.

فإذا كان هدف القصة عموماً تقديم حدث؛ فقد سعى هؤلاء إلى تقديم حدث غاية في القِصَر والنحول، الذي يُخرج الكتابة من الفن؛ فليس القصر خصيصة فنية، وليس النحول خصيصة فنية؛ وليس تقديم الهيكل العظمي للدجاجة، على أنه وجبة صحية؛ غير الغش نفسه، بعيداً عن الحقيقة، ولا يجوز إلا في عالم القطط والفئران.

الخصيصة الفنية التي يُساء فهمها، والتي يلعب الجميع تحت رايتها هي التكثيف؛ والتكثيف لا يعني هزالا، ولا قِصَراً، ولا يعني نحولا، ولا يعني هيكلاً عظميا، ولا يعني اختزالا؛ وإنما يعني شحن النص بأكبر طاقة ممكنة، من الدلالات الرمزية، والإيحائية في أقل عدد ممكن من الكلمات، بحيث يبدو النص رشيقا معبأ، بالطاقة والحيوية، التي يكتسبها من خصيصة أخرى؛ تُسمى التوجه الدرامي للنص.

وإذا كان أساس الدراما فعلا، أو حدثا، فإن هذا الفعل لا يتم بمعزل عن فاعله (الشخوص)، والشخوص ليسوا مجردين، فهم أبناء الحياة، ولهم بيئاتهم، وواقعهم، كما لا يوجد فعل في فراغ، مجرد من الزمن (الزمن القصصي)، والمكان (الذي يحوي الحدث)، ولا يوجد واقع بغير التناقض، والمفارقة، ومهمة الفنان اكتشاف الدراما، وليس مجرد التعبير عنها.

لقد فهم مشعوذو القصة القصيرة جدا، وكهنة القصة الومضة، الأمر على أنه مجرد فعل، أو حدث، وكفي؛ ومن هنا ـ حسب وجهة نظرهم ـ قدموا للشباب الغرير قصص الومضة، على أنها مجرد حدث، من عينة: (مات) (عاش.. مات) (أحببتها.. ماتت) (واعدتها.. نسيت)؛ ومن سعى منهم إلى صنع مفارقة، قدم أشكالاً من عينة: (أحببتها.. تزوجت غيرى).. (بنيت.. هدوموه) (انتصرت.. حاكموني)…

لا شك أنها كتابة مجردة من المكان، وإن دلت على الزمن المصاحب لأي فعل، ولكنه زمن مجرد (في المطلق)؛ إذا كانت النماذج السابقة هي “قصة الومضة”، أو غيرها من المسميات؛ فكل فعل في اللغة قصة، لأن الفعل حدث، وله فاعله.

ليس الفن مجرد فعل له فاعل، وليس في ذلك جهد، وليس الأمر نحوياً إلى هذا الحد، ولا علاقة لهذا بالفن؛ أقول هذا وقد لاحظت أن الآلاف من الكتبة بغير موهبة، بدأوا ينشغلون بمثل هذا الهراء، لتزجية الفراغ، والحياة أولى بطاقتهم، والمجتمع أولى بطاقتهم، بعيدا عن هذا الهراء، ونفوسهم لها حق عليهم، بعيداً عن هذا الهزر.

ليس معنى هذا أنني أنفي وجود القصة القصيرة جدا، أو قصة الومضة؛ ولكني أؤكد قيامها، وأتساءل عن الفن، والقيمة، والرسالة، بعيدا عن العبث، واللا قيمة، واللا فن. والشأن في فن القصة القصيرة جدا، أو قصة الومضة؛ أنها الجرم الصغير الذي انطوى فيه العالم الأكبر، وليس الشأن حصاة صغيرة بلا قيمة في فلاة؛ يجب أن نلتفت فيها إلى: التكثيف الشديد، بالمعنى الذي أوضحناه سابقا. والصياغة التي تصعد بالعمل نحو ذروة النهاية، معتمدة على تسريع الزمن؛ بمعنى الاستغناء عن التفاصيل التافهة، وغير الضرورية، والغموض الفني المحبب، والدراما؛ بمعنى لابد أن يكون النص معبأ بالأكشن (بلغة السينما)، ولا مجال فيه إلا للحركة، والفعل، ورد  الفعل؛ ثم تأتي الوحدة: وحدة الموقف، والشخصية، واللحظة الزمنية، والحدث، إلى أن تنتهي القصة، بمفارقة غير متوقعة، ويجيء عنوان النص، الذي لابد له أن يكون بوابة مناسبة للعمل، تلخصه، أو تختزله، أو تشير برمزية، إلى مضمونه، ونلاحظ أن الخصائص السبعة؛ لم تتطرق إلى تحديد عدد الكلمات، كما نسمع: مائة كلمة، أو أكثر من ذلك، أو أقل، فالفن ليس كميا، ولا يُقاس بالسنتيمترات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *