آفاق الرؤية وتجليات الفن (سماوات ضيقة ) 2

آفاق الرؤية وتجليات الفن في
ديوان (سماوات ضيّقة) للشاعر خليف الغالب
( الجزء الثاني )

أ.د. محمد صالح الشنطي

في قصيدته (جواب سيموت) التي ذيّل عنوانها بمقولة النّفري المتصوف “إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة” تبدو دفقة شعرية سردية حوارية؛ فالتشكيل يقوم فيها على السرد والحوار مكثّفا، يستحضر عبره أنفاس صلاح عبد الصبور الشجية الغنائية، فيرسم نموذجا للضحية التي تنتهي نهاية تراجيدية بعد كفاح ملحمي عبر مقاطع ثلاثية (مكونة من ثلاثة مقاطع) تنتهي بلازمة موحدة (فلا يجيب) وكأنها رقصة الذبيح التي تحدث عنها إبراهيم طوقان في قصيدته الموسومة بهذا العنوان.
اللافت في بنية هذه القصيدة اللغوية أنها تتكئ على الظرف (حينما وحين) في مستهلها، وهو ذو دلالة زمانية والحال مفردا تارة وجملة تارة أخرى، في المتن ثم التكرار والنفي في آخر كل مقطع، وأداة الوصل بين المقاطع الثلاثة هي واو العطف، وهي أداة تراكمية تفيد مطلق الجمع، ولكنه تراكم يفضي إلى التحول.
أما قطبا الدلالة فمفردات دالة على المعاناة تنتهي بمفردة الموت ومحبة حائرة تنتهي إلى النفي.
البوح والشكوى والشموخ واتساع شرفات الذات التي يطل بها الشاعر على العالم شاكيا باكيا مختالا فخورا هي أمشاجٌ من هواجس وتأملات واستشرافات وأحاديث مع النفس والآخر، أشتات مجتمعات في بوتقة واحدة في بنية كبرى تتراصف في داخلها بنيات صغرى تلتئم في كلية شمولية هي الأنا الشاعرة، وتطلق العنان للتحولات منضبطة لا تندّ عن النسق المختار.
في قصيدته (حكاية غريب) نموذج تحتشد فيه الأعراض والجواهر والمتن والحواشي على حد سواء، العام والخاص تتحدّر القصيدة من عتبة النص؛ فالحكايات جمع المؤنث السالم متجانسة في الشكل مختلفة في المضمون، موصوف صاحبها بالغربة، والحكايات تثير في الذهن معنى القصص المروية الهامشية غير ذات الوثوق بصدقيتها؛ فهي نكرة مضافة إلى نكرة تفيد العموم، وقد صدّرها الشاعر بمقولة العقاد التي تشي بغياب الحقيقة تعضد العنوان في هامشيته وإشاراته التي يطلقها موغلة في هذا الاتجاه. يقول في الصفحة 20:
وفي الفؤاد حكاياتٌ تردّدني
يومًا بصدق مراياها.. سأعترفُ
مزملٌ بثيابٍ
ليس يعرفها
من عاش ينمو على أهدابه الترفُ
في قصيدته (حزن صعلوك متأخر) يستثمر الشاعر تقنية القناع والتناص؛ وهما تقنيتان متداخلتان لا يمكن الفصل بينهما؛ وهو يختار قناعه شاعرا جاهليا صعلوكا هو الشنفرى، وهو الذي عزف عن عالم البشر والتجأ إلى عالم الذئاب، وقد كانت الإشارة الدلالية الأولى استهلاله نصّه الشعري ببيت الشنفرى الذي يعبر عن الأنفة ورفض الهوان:
وأستفّ ترب الأرض كي لا يرى له * علي من الطول امرؤ متطاولُ
وإذا كان الشنفرى هو قناعه الشعري الذي يتيح له مسافة تبعده عن ذاته متأملا لها من خلال ما يتصف به القناع من سمات تجسد ملامح الأزمة التي يجد نفسه مكبلا بها وفي صراع وجودي معها.
وهو من خلال استحضاره لنصوص قناعه يفجر المفارقة الفنية التي تشكل ملامح شعريته، فهو يرتكز على دعائم ثلاث: القناع والتناص والمفارقة، وهي متداخلة في نسيج واحد، وهو إذ يتداخل نصوصيا مع لامية الشنفرى يحرص على أن يكون هذا التداخل عيانا بيانا، فلا يغيب النص بل يلج إلى الاقتباس منه صانعا مفارقته اللغوية، متكئا على بعض الظواهر البديعية التي يستقيم معها الإيقاع، وترفده بما ينجم عن بنائها الصوتي:
أقمْ صدور المنايا لست ندمانا ** قد حُمّت الأرضُ أشواقًا لموتانا
فهذا الاكتظاظ بحرفي النون واللام فيه إيحاء بالانكسار والانتصار؛ فالنون تتساوق مع الأنين، واللام وهو حرف طباقي يوحي بالصرامة والشدة؛ والقصيدة برمتها مبنية على هذه الثنائية: ثنائية الانكسار والانتصار، وإن كان لحن الانكسار هو الغالب، غير أنه انكسار يتمرد عليه الشاعر ويأبى الرضوخ له
وفي القصيدة ثلاث حركات تتعالق فيما بينها مشكلة بنية النص:
الحركة الأولى: محورها الذات الجماعية في اندحارها عبر حقول ثلاثة: الموت والغياب والماضي، أما الموت وهو الحاضنة الدلالية الكلية للغياب والتاريخ فيعزف فيه على وتر المسافة بين الماضي والحاضر، إذ يصبح الماضي بديلا للحاضر وهذه تجليات أولى للموت لأنهما يشتركان في سمة واحدة هي الغياب وهو هنا يستخدم معجما مكتظا بألفاظ تنتمي إلى هذين الحقلين الموت والغياب.
أما الموت فتتكرر ألفاظه الصريحة : الموت و الموتى و المنايا، وقد اختار أن يستهلها بالمنايا في مقابل المطايا ليفجر المفارقة باستحضار لامية الشنفرى التي بدا فيها الشاعر متمردا مزمعا الرحيل عن الأرض و القوم الذين أهين بين ظهرانيهم ؛ فكان اختياره مناقضا لاختيارنا حيث قبلنا بالموت، و في قوله “حُمّت” أي قدرت وأزف موعدها, وفي مقابل موعد الشنفرى مع الخلاص كان الموعد مع الموت هذه مقابلة وظفها الشاعر في هذا السياق عبر الاقتباس المباشر من اللامية التي تعرف بلامية العرب معلنا عن مقصده و مبتغاه، وفي مقابل السفر الذي هو لون من ألوان الغياب الموقوت و المؤقت يأتي الموت الذي يحمل معنى الفناء (الغياب المطلق) حيث يتضافر المكان مع الزمن: سطح الأرض و باطن الأرض و المطايا و المنايا. يقول في الصفحة 32:
ضاقت دروبٌ من الأحلام نعرفها
وأسفرَ الموتُ في هزلى مطايانا
قد كان ما كان إن صدقا وإن كذبا
لن يتعب القلب
في تفسير ما كانا
والتناص مع قول الشاعر في قوله قد كان ما كان إن صدقا وإن كذبا مع قول الشاعر ” قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا”، وهذا شطر من بيت يروى أن النعمان بن المنذر رد فيه على جليسه الربيع بن زياد العبسي حين اعتذر إليه عن نميمة جرت على لسانه بشأن بني جعفر بن كلاب قوم لبيد بن ربيعة.
أما التجلي الآخر للموت فيتبدى في ضيق الدروب، وفي الهزال وفي ما صاحب ذلك من مفردات دالة على الضعف كالحزن والبقايا (بقايا بقايانا) , وفي الوداع و التعب, وفي تكرار فعل الكينونة في دلالته على الغياب و التماهي مع الماضي قرين الغياب ، وهنا يتوحد الزمانان الماضي و الحاضر في ثنائية الحضور والغياب، وإذا كان المكان الزمان التاريخي دالا على الغياب فإنه يتساوى مع المكان في دلالته على ذلك الغياب، فتحول الزمان الماضي إلى مكان يعني مطلق الغياب ، فثمة مكانان: الأول يعبر عنه الشاعر بالدروب الضيقة والثاني بالأحلام ذات المكان الافتراضي، و هو ذو دلالة على الوجود الوهمي في الزمن الوهمي ثم تداخل المكان مع الزمان في مفردتي (الماضي و التاريخ).
يتماهى الحاضر مع الماضي في استحضار الصعاليك الذين كانوا يعيشون على هامش عصرهم في عالمهم الخاص مغيبين عن مجتمعهم فهم الحاضرون الغائبون، ونحن قرناؤهم في الغياب وفي التهميش، من هنا كان استحضار الشاعر للنص الجماعي للصعاليك في قوله في الصفحة 33:
إنّا صعاليك هذا العصر
يا أبتي
أجسامنا ذبلتْ
شحّت عطايانا
وهنا يوظف الشاعر ضمن الحركة الجماعية الأولى جدلية التماثل والاختلاق: التماثل في الحال حيث التهميش والاختلاف في المآل حيث الموت مقابل الحياة؛ فقد اختار الصعاليك حياة جديدة أما نحن فاخترنا الموات متماهين مع أسلافنا الذين سكنوا باطن الأرض عبر اختيارنا مصادقة الأوراق الصفراء معبرا بذلك عما مضى وانقضى من التاريخ في الصفحة 33:
نصادق الورق المحموم
نسرقه همًّا
ونُهديهِ، ما أقسى هدايانا.
الحركة الثانية حركة ذاتية، و فيها يسفر الكاتب عن قناعه الذي اختاره (سيد الأزد) وهنا ينتقل من التوصيف التي تجلت في الثلاثية السابقة: الموت والغياب والماضي، فهو يخاطبه وكأنما ينطق الشاعر باسمه فهو ذاته الثانية التي يخاطبها فيبوح بما في نفسه، ومحورها التمرد، ولكنه ليس تمردا هروبيا رومانسيا بل أقرب إلى أن يكون حوارا ذاتيا بين الشاعر و قناعه، ولهذا تجلى ذلك في فعل الأمر الذي تكرر في طرقات متوالية وكأنها قرع لجرس الإنذار (أَفِقْ) فعل الأمر الذي يكون مصحوبا بأداة التعليل (لكي) التي تكررت معه، ثم ما تلا ذلك من إقرار بالعجز، وهذه الحركة الذاتية في تجلياتها الثلاثة: التمرد و الخذلان و التيه:
أفقْ (الدعوة إلى التمرد): فعل الأمر
شعري لا يطاوعني (العجز): أسلوب النفي
وأنا طفلٌ، وصدقي غدا زورًا وبهتانا
والأهل بالسرِّ ساروا
ما وفًوْا لدمي
والصحب ضلّوا ووقت الوعي ما حانا 34ص
وهنا تولد الحركة الثالثة التي تتمثل في الجدل بين الذات الجماعية والفردية حيث السير والمتاهة والمجهول والانزواء والجروح والدماء، وهو هنا يتحدث باسم المجموع موجها الحديث إلى الأب مفضيا إليه بما آل إليه الأمر الذي تتلامح فيه من بعيد قصة يوسف عليه السلام في تناص إيحائي مع قصيدة محمود درويش (أنا يوسف يا أبي) فإذا بيوسف الذي يعنيه الشاعر الأنا الجمعية وليست الفردية.
وفي هذه القصيدة تنعكس الآية فتصبح الذات الجمعية متماهية معها هي الذات الفردية، وإذا بالذات الشاعرة تحاور العاشقة التاريخية واصفة المخاطب بأنه شبيه الصخر، ويظل الخطاب متفاوتا بين الإفراد والجمع، ويستحضر الشاعر صوتا شعريا آخر في قوله (لا أرض في الأرض) مومئا إلى النص الغائب للشاعر محمد العلي (لا ماء في الماء).
ففي الثمانينيات كما تقول بدرية البشر صرخ من غربته ووحدته الشاعر السعودي محمد العلي وقال (لا ماء في الماء) ثم جاء أحمد أبو دهمان واستعار جملته حين تركت النساء حمل الماء للقرية بسبب انشغالهن بالحمل والولادة فأصبح الرجال يحملون الماء للنساء بغضب ودون رضا منهم فتكدر طعم الماء في ذائقتهن فصرخن (لا ماء في الماء). (ج الرياض 12 ربيع 1440)
فصرخة النفي هذه تأتي صدى لمرحلة تاريخية تبدو معها وكأن التاريخ يعيد نفسه، وهي تومئ إلى الغربة في أشد حالاتها مثولا، فحين يخلو الشيء من جوهره ومعناه فإن ذلك يمثل أقسى درجات الاغتراب.
والشاعر يعمد من خلال هذا الجدل إلى التماهي مع طائفة من المثقفين الذين يشكون من التهميش كما هي الحال مع الصعاليك الذين يشكلون النص الإطار، فلا ينفك الشاعر يستذكرهم منذ اللحظة الأولى سواء في العنوان أو المقتبس الاستهلالي وفي متن القصيدة، فحضورهم دائم داخل النص، ولذلك تأتي شذرات من نصوصهم لتذكر بهم خصوصا بالقناع الذي اصطنعه الشاعر وهو (الشنفرى)
في البيتين قبل البيت الأخير يستدعي الشاعر عبارة من لامية العرب في الصفحة 73:
نستفُّ تربةَ أرض غيبتْ وطنًا
كي يُنبت الجسد الصعلوك أوطانا
ليت الصعاليك فجرًا غادروا حدَقي
أو ليت أن زمان الودّ ما هانا
وحضور المرأة في الديوان يتقاطع مع حضور الوطن، والتقاطع غير التماهي، فالتماهي يفضي إلى الفناء؛ فناء الذات في الآخر والتوحد معه، ولكن القارئ يستشعر في قصيدته (يا بخيلة) على سبيل المثال لونا من ألوان التقاطع وإن شئت التوازي، يظل الوطن هو الوطن، والمرأة تبقى هي المرأة؛ ولو أن الشاعر يوهمنا في بداية القصيدة أن ما سيرد في قصيدته من حديث عن المرأة إنما يقصد به الوطن ولكن السياق الدلالي يشير إلى غير ذلك؛ فبعد المقطع الذي يقول فيه:
ها أنا في ظلمة الليل أنادي
يا بلادي يا بلادي يا بلادي
بعد هذا المطلع تتوارى مفردة البلاد، ويظل الحديث خالصا للأنثى، فهو ينادي (يا نبيلة) و (يا بخيلة) و (يا أميرة) و (يا فتنة قلبي) و (يا نسيم الصبح) و (يا دمع المآقي) وهكذا فإن النداء الذي هو محور رئيس في القصيدة منذ العنوان يستدعي الأنثى المرأة، فبعملية إحصائية بسيطة يتبين للدارس أن الخطاب موجه لها (المرأة الأنثى وحدها) فالبلاد لا يمكن أن توصف بالبخل الذي تضمنه العنوان عتبة النص الأولى، والنداء بوصفه استدعاء مباشرا يقابله في الكثافة الأسلوبية إذا صح التعبير أسلوب الأمر والمناجاة والنفي، يقول في الصفحة 50:
احضنيني…
أحضنيني…
لست أقوى يا بخيلةْ
وما بين المطلع والختام يتردد النداء والدعاء والمناجاة والشكوى والنفي في نسيج أسلوبي حمولته الدلالية تحمل ملامح خطاب العشق للمرأة، فهي قصيدة حب بامتياز.
وفي المنحى ذاته تأتي قصيدة (تعالي) التي يتصاعد فيه خطاب العاشق للمعشوق متكئا على الطلب نداء كان أو أمرا في توالٍ جدلي بينه وبين التقرير، الذي يؤكد ويعلل؛ سواء بطريق مباشر عبر أداة التعليل (كي):
كي يعاودني ثباتي
وكي تعود إلى ذاتي
أو لام التعليل:
لأسموَ في فضاء المعجزاتِ
أو في أسلوب توكيدي:
إنه أرقى اللغاتِ
أو عبر التذييل:
وفي شفتيكِ موتي
أو حياتي
ثنائية العاشق والمعشوق التي يطغى فيها العاشق حضورا في الخطاب فهو يناجي ويتحدث بالفعل، ويتوارى المعشوق في صمتٍ مطبق، فهو المخاطب العمدة الحاضر بالقوة لا بالفعل، وهذه الثنائية تولّد الكثير من الثنائيات: الجمع والشتات، البدايات والنهايات، الصمت والبلاغة، الحرية والقيد، المجنون والرواة (يقصد قيس الشاعر) الموت والحياة، الاغتراب والعودة، وهي ثنائيات متضافرة متصاعدة تبدأ بالشتات وتنتهي بالاجتماع.
تتسم الرؤية الشعرية في الديوان بالجدل المستمر بين الذات والمجموع؛ الانتماء ملمح شديد الوضوح في قصائد الشاعر, لا انفصام بينهما؛ فقصيدة (سيرة) على سبيل المثال يوحي عنوانها بالتمحور حول الذات؛ ولكنها تستهل منذ البداية بضمير الجمع، ويغلب على مفرداتها صيغة الجمع، والأفعال في مجملها تبدو إما متصلة بضمير المتكلم أو المخاطب الدال على الجمع، هاجس الزمن هو المهيمن ، فقد بدأ الشاعر قصيدته بلفظة زمنية ( لنا ألفُ عامٍ) الحوار فيها بين الزمان والإنسان، التقرير فيها سيد الموقف، سردية الزمن الماضي والآتي، زمنٌ يتسم بالسكونية جوهرا وبالحركة مظهرا، يغلب على معجمه في دوالّه الرئيسة الصفات المشبهة و أسماء الفاعلين, وعلى تراكيبها الأحوال، وفي صياغتها تقديم المتعلقات و أشباه الجمل, تتضافر هذه الظواهر الأسلوبية على نحو بارز، والجمل الاسمية التي تتقدم أخبارها ترسخ حقائق المرحلة و تلائم سكونَها وتُمطي أزمانها على أريكة الخدر التاريخي، الخيط الأساس في النسيج اللغوي يتبدى عبر حركة الواقع و الحلم والتاريخ و الزمن الحاضر و الذات المختفية والآخر الحاضر الذي يطمس الأنا و يغيبها, والحياة والموت واللغة الصادقة الكاذبة، هذه الضفائر اللغوية تمتد في بنية وصفية سردية؛ ولكن الوصف هو الذي يتسيدها ليلائم الرؤية السكونية لواقع آسن، وتنتهي القصيدة معبرة عن هذه السكونية التي تسم الزمن بميسمها:
مضى ما مضى
” كل وقت سيمضي”
ويأتي إلى الناس ما هو آتْ
وكل الحكايات: سردٌ وحيد
” وليد أتى ثم عاش وماتْ”
الزمن يلقي بكلكله ثقيلا بطيئا رتيبا كما يتبدى ذلك في استمرارية المضي عبر تكرار لفظة (مضى، ويمضي) وتكرار (أتى ويأتي) و(عاش ومات) لفظتين مجردتين..
والرتابة إذ تأخذ بتلابيب الزمن لا ينعتق من أسرها البشر، فهم موسومون بها عادة جارية وملمحا ثابتا، غير أن الأمر يبدو ملتبسا حين تتكرر لفظة (سلاما) مخاطبا بها الأحرار والبدو الرعاة والأرض الأكول التي تلتهم الأحياء والأشياء فهي (الصحو والمشتهى والسبات) رؤية فلسفية وجودية تشي بمفاهيم الغربة والاغتراب.
وفي (رسائل الطائي الممزقة) يتنامى الحس الوجودي الممتد من أعماق التاريخ إلى عتبات الحاضر: توق إلى الماضي بما انطوى عليه من تغييب للأحباب، وهنا يبدو الجهر بالمشاعر دون غلالات تلفّه بالغموض، نزعة رومانسية تعبيرية تتأرجح بين التقرير والتعبير، فهي من القصائد المبكرة، المعول فيه على مفردات تتسلق أسوار المجاز، وهذه المراوحة بين أساليب الطلب والتقرير، تبدو وكأنها خفقات قلب ينبض بين انبساط تشعله أساليب الطلب وانقباض تنحسر عنه أساليب التقرير:
هم أسرجوا ليل الوداع وغابوا ـــــ أسلوب خبري تقريري سردي
كيف السبيل إليه يا أحبابُ؟! ـــــ أسلوب طلبي استفهامي يقوم على التمني ونداء حميم
متثاقلٌ أمشي
كأني حاملٌ ــــــــ وصفي تقريري
تاريخ يعربَ والمدى نهّابُ ــــــــ وصفي تصويري
وفي المجمل ثمة صورة مشهدية حافلة بالحركة، تتكامل أبعادها حافلة بما يجيش في مضطرب العالم الداخلي للشاعر، فتصوغ نبضات عالمه وتجوب آفاقه.
إنها قصيدة مفعمة بغنائية شفيفة يتنامى فيها التصعيد الوجداني ليصل إلى أقصى مداه ببلورة النموذج (حاتم الطائي) أيقونة الكرم في ديار العرب (ديار الشمال حيث جبلي أجا وسلمى)
لقد اتخذ منه الشاعر رمزا للمخلص، فهو يمثل العروبة في نقائها وكرم محتدها وأصالتها وجوهرها، ولذلك يوجه الخطاب إليه، ولذلك افتتح عددا من أبياته الشعرية بلفظة (قم) وهي لغويا تقال لمن كان قاعدا أو نائما؛ فضلا عن إيقاعها الحاد القاطع الذي يلائم التنبيه من الغفوة التاريخية التي طال عليها الأمد.
وبعد، هذه نظراتٌ مختصرة في هذا الديوان البكر لشاعر موهوب مبدع يعد بالكثير؛ ولعلّي عائد إليه مرة أخرى لعلي أن أفي بشيء من حقه.

تحميل الملف 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *