نافذة الأشعار لعبد الإله المالك

محمد فوزي أبوغانم :

هي المقدمة الشعرية لديوان “مراكب الوله”، وتقع هذه القصيدة في عشرة أبيات تشع منها عبقرية الشاعر وبراعته اللغوية في استخدام مفردات الشعر العربي، وتظهر فيها مهارته في استخدام الألفاظ التراثية التي يحفل بها ديوانه. إنها نافذة الاتصال والتواصل بين القديم والحديث؛ بين ماضٍ قد ظننا يوما أننا نسيناه وحاضر يأبى إلا أن يثبت بنوته الشرعية لماضيه التليد. نافذة التلاقي ومفتاحها التناص.
التناص هو تلك العلاقة التفاعلية بين النصوص، أو كما يعرفه دومينيك مانجينو بأنه “مجموعة العلاقات التي تربط نصا ما بمجموعة من النصوص الأخرى وتتجلى من خلاله.” وهذا ما نراه جليا في الديوان بمجمله وفي هذه القصيدة على وجه الخصوص. القراءة الأولى للقصيدة ترجعنا أزمانا وقرونا للوراء … ترجعنا لزمان العز والمجد وتأخذنا في نزهة نشتاقها إلى الأندلس وقصورها وحدائقها أيام كانت زهرة العالم في العصر الوسيط. يذكرنا عبدالإله المالك بواحدة من عيون الشعر العربي في الأندلس – “أضحى التنائي” لابن زيدون – التي يرثي فيها الأخير حاله لفراق حبيبته “ولادة بنت المستكفي” وما ترتب عليه من جفاء.
لقد أحسن الشاعر استخدام التناص في قصيدته حيث تظهر في النص مجموعة من العلاقات التي تربط وشائجه بالنص السابق أي قصيدة ابن زيدون ومنها العلاقات الدلالية والتعبيرية والبنيوية. ومن أمثلة ذلك استخدام ذات الألفاظ مثل “أمانينا – الرياحينا – نسرينا – المحبينا – إلخ” ونفس القافية لربط القصيدتين معا بالإٍضافة إلى تساوي البنية النصية. والمالك لا يكتفي بالإشارات الضمنية في قصيدته لكنه يصرح بها أيضا مباشرة فيأتي بولادة لتكون شاهدة عليه إذ يصرح باسمها في البيت السابع “كأن ولادة تلقي ضفائرها”. مما يزيد قصيدته رونقا وثقلا. وإذا كانت “ولادة” في قصيدة ابن زيدون ذكرى الشاعر ومبكاه وسبب معاناته تقف موقفا سلبيا أو تسمع ولا تجيب، استطاع المالك أن يجعلها تتفاعل وتتجاوب في قصيدته وتضيف لها ملقية بضفائرها في “رواق الحب” الذي يقطنه الشاعر. “نافذة الأشعار” رغم قصرها النسبي إلا أنها تتجاوز التقليد إلى الإبداع والمتابعة إلى الابتكار، والشاعر أجاد فيها استخدام التراث من خلال استخدامه لآلية التناص.
“نافذة الأشعار” مقدمة الشاعر ومفتتح ديوانه، يحكي لنا من خلالها آلية كتابة الشعر لديه ووسائله في ذلك. إنها نافذة الشعر التي ينهل الشاعر من معينها العذب والمتدفق فيأتي بالدرر المنظومة كحبات اللؤلؤ المنتظمة حول جيد حبيبته تشع بالأمل والنور المنعكس من البدر المطل على حجرتها في الليلة القمراء. هي نافذة في كينونتها لكنها مثل البوابة الواسعة الرحبة تدخل منها عرائس الشعر والخيال لتزود شاعرنا بما يحتاجه من مقومات الكتابة، ولتستفذ موهبته الشعرية فتجود قريحته بعبقريات القصائد والأشعار.
تفتح هذه النافذة على “أزهار” عبقة “العطر” تفوح منه المعاني والخيالات، ليمهد الطريق للحروف التي “تزور القلب” الذي أضناه “الوله” وشدة الحب ليصيغ منها أغانيه. وهذه الأغاني في حاجة إلى من “يشدو” بها فتأتي “الغواني” طالبة أياها قصائد “تمشي في زهو وفي ترفٍ.”
ثم “يطلع البدر” من هذه النافذة “ولها” في آفاق الشعر ناثرا الحلم “أزهارا” للعشاق، ومنبها الجميلات لطلوعه؛ فإذا انتبهت له “فاتنة الأهداب” معشوقة الشاعر وأطلت من مخدعها، حمَّلَه الشاعر رسالة يبثها لمحبوبته بألا “تقتلي عاشقا” ذنبه الوحيد هوى الريحان وهي ريحانته التي تنشر شذاها العَطِر في حياته. وهو في صومعته – “رواق الحب” – يروي المدائن بالأفنان والنسرين لا بالمياه لشدة رقته ورهافة حسه.
وهو في رقته هذه مثل “ولادة بنت المستكفي” معشوقة ابن زيدون، ومثل الخنساء “أخت صخر” في صوغه لشعر المراثي الذي صاغ منه عدة قصائد في ذات الديوان يواسي بها نفسه وذويه ومواطنيه والبشرية جمعاء عند رثاء أخته والأمير نايف بن عبد العزيز ورثاء بغداد وسوريا.
تنفتح نافذة الأشعار أيضا على “مراكب” القصيد وهي تناجيه في فخر وفي غنجٍ، ليبني لها الشعر مسارا على “درب الخلود”، يصل مداه إلى العلا والسمو والمثالية التي يبحث عنها جميع الشعراء مخلدا الشاعر ومحبوبته.
يختتم عبد الإله المالك قصيدته بمناجاة قصائده الأخرى الصادحة التي تبوح بما يختلج في قلبه من مشاعر إنسانية تنبع من تجارب واقعية عاشها بالفعل. فالشعر عنده ما هو إلا انعكاس لتجارب ذاتية وقومية يذخر بها القلب، فيصوغها قصائد وأشعارا خالدة.

30 thoughts on “نافذة الأشعار لعبد الإله المالك

  1. ما شاء الله لغة قوية و ألفاظ ثرية تحمل معانٍ و مضامين لم نسمع مثلها منذ زمن تنم عن فكر ثاقب و ملك لناصية اللغة و النقد الأدبي بكل أدواته .
    جدًا رائع ، دمت مبدعًا أخي الفاضل أستاذ محمد فوزي .

  2. رقة الأسلوب ودقة العبارة استمتعت فعلا بوجبة أدبية دسمة
    استاذ محمد فوزي إلي المزيد إن شاء الله

  3. ماشاء الله عليك يا دكتور محمد… مقال نقدي مبدع
    وهذا ما ألفناه عنك… بالتوفيق ان شاء الله

  4. “ما قلّ ودل”..عمود صُحفي رائع؛ عرض الخاطرة بطريقة مركزة وشائقة
    موفق أستاذ محمد فوزي

  5. أبدعت ي دكتور ف التحليل .. مقال غاية ف الوصف بصراحه .👌
    أدامك الله إلي الامام دايما بارك الله فيك

  6. ما شاء الله عليك
    استاذ محمد دائما مبدع ودائما تنتقي الكلمات العذبة
    زادك الله علما

  7. مقال جميل، شوقتني اقرا للشاعر، وذكر ابن زيدون أصابني بالشجن، وهفكر ارجع اقراله.
    بالتوفيق دكتور محمد 💙

  8. نقد رائع ومتمكن لمست من خلاله ابداع اختيار الكلمات وروعه انتقاء التعبيرات مما اخذنا في رحله ساحره مع الشاعر وقصيدته زادك الله من علمه وفضله وفي انتظار المزيد استاذي الفاضل

  9. تحليل رائع قصير فى عدد كلماته, مفصل فى مضمونه أضاف لنا ،دمت إلى الأمام، أستاذنا محمد فوزى

  10. مقال رائع يعكس الخلفية التراثية
    ويصل الحاضر بالماضي
    بالتوفيق أستاذ محمد فوزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *