بين الخويطر و القصيبي

بقلم: طارق بن خويتم المالكي*

حضرتُ أمسيةً ثقافيةً ماتعةً أقيمت في الرياض لتأبين الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله، بعد وفاته بأسابيع قلائل. تقاطرَ إليها مُحِبُّو غازي من داخل المملكة و خارجها، يحُفُّهم ألم الفقد و يسوقهم وفاء المُحِب، و يعيشون على أصداء الدويِّ الذي خلّفه غازي بعد رحليه، و كأنه لم يغادر الدنيا بعد، و ما زال يملأ السمع و البصر كما كان في حياته. كأنّ الأنباري لم يقل إلا فيه قبل أكثر من ألف عام:

عُلُوٌ في الحياةِ و في المماتِ
لحَقٌ أنتَ إحدى المُعجـزاتِ

قبل بدء الأمسية، نصَبَ الصمتُ خيمةً كبيرةً سقفها الأنوار المنتشرة في أعالي القاعة، و غرَسَ أوتاده الصلبة في زواياها، و ذلك على غير العادة في الأمسيات الثقافية. كنتُ أطالعَ الحاضرين دونما فضول، فأرى غمامةَ حزن رمادية تظلل الوجوه، و الدموعَ تتراقص في عيون أبناء الفقيد. كَأَنّ شيئًا خفيًا يسري في القاعة، و يوزِّعُ الأسى على الحضور، و يسلب قطعةً من قلب كل واحد منهم، حتى يمنع أحدًا من أن يتحدث مع صديقه، أو أن يتعرف على جاره الجالس بقربه!

أدارَ الأمسيةَ الأستاذ محمد نصرالله، التلميذ النجيب الذي درّسه غازي عندما كان أستاذًا في جامعة الملك سعود. و تحدّث المحاضرون الذين كانوا أصدقاء المُؤَبَّن المُقرَّبين: الدكتور عبدالعزيز الخويطر، و الدكتور محمد عبده يماني، و الدكتور سليمان السليم، و الدكتور عبدالعزيز الزامل، و الأستاذ عبدالرحمن السدحان، و الأستاذ عبدالرحمن رفيع، رحم الله من تُوفِّي منهم، و حَفِظَ من بقي.

أجزم أن المتحدثين لاحظوا في بداية الأمسية الأجواء القاتمة في القاعة، و أرادوا تبديدها كما تبدّد الشمسُ الضباب، حتى أنّ الدكتور سليمان السليم، وزير التجارة الأسبق، قال: “أرجو ألا تكون ليلتنا هذه بُكائيةً أخرى، فقد ذُرِف من الدمع على غازي ما لم تذرفه الخنساءُ على صخر. أراد غازي فيما كتب و فيما نظم أن يُدخِل الجمال و البهجة على قلوبنا. فلنحاول، فلنحاول ألا نُخيَّب ظنّه.”

ركَّز المحاضرون في الحديث على جانب المرح في شخصية غازي. و نحن نظن أن لا يوجد جانبٌ للمرح في شخصية المسؤول الرسمي الذي يعيش تحت وطأة المهام و المشاغل؟ و متى يظهر هذا الجانب إذا نرى المسؤول في وسائل الإعلام المختلفة تجتمع علامات الحزم و الإرهاق على مُحيَّاه؟ و إذا وُجِد المرح في شخصيته، هل يتوارى في بِشْته أم يختبىء في نفسه؟ و لأنَّ غازي مختلف في كل شيء تقريبًا، و الاختلاف قاعدة من قواعد الإبداع، كان المرح جزءًا فطريًا أصيلًا غير مُتَكلَّفًا في شخصيته، و يطفو على صفحاتِ كتبه و رواياته، و كتَبَ أصدقاؤه كثيرًا من طرائفه و نوادره. كان هذا في زمنٍ يُنظَر إلى المسؤول نظرةَ خوفٍ و مهابة، و أنه يعيش في برجٍ عاجيٍ فوق السحاب، و ليس، بالضرورة، أن يكون هذا صحيحًا. فما بالك بمسؤولٍ كسَر الحواجز و ألغى الحدود بينه و بين الناس فضلًا عن مَرَحٍ طاغٍ في شخصيته؟! و هذا هو الاختلاف الذي أعنيه في شخصية غازي، الذي أسكنه في قلوب حتى من لم يلتقوا به.

رَوَى الدكتور عبدالعزيز الخويطر ضمن ما روى في الأمسية قصة إيقاف الوجبات الغذائية التي كانت تُوزَّع على طلاب مدارس التعليم العام بالمملكة في أعوام الطفرة الاقتصادية. و قال أن الموضوع دُرِس دراسة مستفيضة في اللجنة العامة لمجلس الوزراء، و أبدت رأيها يإيقاف الوجبات الغدائية لأسباب شتّى. و كان غازي عضوًا في اللجنة العامة و مؤيدًا للرأي للذي انتهت إليه، و مع ذلك نسَجَ حوارًا شعريًا بمهارة و طرافة عالية على لسان أعضائها مع الدكتور الخويطر:

إنّ الخويـطـرَ لـلـطـعـامِ مُـحـارِبٌ
حــربًــا تـــدومُ لآخــر الأنــفــاسِ

قلنا: الحليبَ.. قال: ذلك مُسْهِـلٌ
مسَّ البطـونَ فما يفيد نَطَـاسـي (الطبيب الماهر)

قلنـا: التـمـورَ؟ قـال: تلك رديـئـةٌ
جاءت بسُوْسٍ عاثَ في الأضراسِ

قلنا: إذًا فالجُبْـنُ؟ قال: مُـسَـمَّـمٌ
كم طالبٍ قـد بـاتَ في الأرْمَـاسِ (القبور)

قلنا: إذًا فالخـبـزُ؟ قـال: مُـعَـفِّـنٌ
فـتـعـوذُّوا من خـدعـةِ الخـنّـاسِ

قلنا: إذًا مالرأيُّ؟ قال: صيامهـمْ
فالصــومُ مـنـجـاةٌ لكـلِّ الـنـاسِ

يبدو أن القصيدة السابقة لم تُقنِع غازي، حتى بلغ به الأمر أن يصف صديقه الصدوق وصفًا عجيبًا، و مُنتَقِدًا فلسفته الإدارية المعروفة بالمحافظة، فقال:

إنَّ الخويـطرَ ثعـلـبُ.. بين الحدائـقِ يـلـعبُ

و ترى ضَحَاياه الدجاجُ.. و قد يُـشَاهد أرنبُ

و يحوسُ كلَّ معاملاتِ الناس.. فَهْيَ تُـقَـلَّـبُ

و يقول فتـحُ البــابِ أمـرٌ فاحـشٌ يُـتَـجَـنَّـبُ

إن قيل هذا وضعكم دومًا.. فقولوا: نَشْجبُ

كتَبَ غازي هاتين القصيدتين قبل ثلاثة عقود، و لم يتبرّم الخويطر من مداعبات صديقه الشعرية، بل احتفظ بها. تلك هي المحبة الخالصة و الصداقة الحقيقية التي جعلته يفعل ذلك، و أظنُّ أن لم يدر بخَلَده أنه سيلقيها يومًا ما في تأبين غازي. و تلك هي الثقة العظيمة بالنفس التي جعلته يروي أبياتًا كهذه للناس و يُفْرِج عنها للتاريخ و للفكاهة، فليتعلم أولئك الذين يضيقون من النقد، و يتحسَّسون من أي كلمةٍ طائرة، و يراقبون كل جملةٍ عابرة، و يحسبون أنّ كلَّ صيحةٍ عليهم!

كانت أمسية مختلفة بحق. فلأول مرة أرى أمسية تأبينٍ يدخل إليها الناسُ حَزَانى و يخرجون منها مسرورين. و ظلّ الاختلاف قدَر غازي حتى بعد وفاته، و اقتبست تلك الأمسية ذلك من روحه.

كاتب سعودي*

4 thoughts on “بين الخويطر و القصيبي

  1. مقال جميل جدا وضح شيء من شخصية غازي رحمه الله الذي كان حريصا على التطوير والجانب الانساني الذي يحمله لمجتمعه.
    لم يكن لنفسه فقط كما هو الكثير من الأثرياء الذين كسبوا الثراء من مناصبهم او حتى من تجارتهم المشروعة او غير المشروعة ثم زاد بخلهم وتنكرهم للمجتمع والوطن. باختصار كان شخصية مثقفة متواضعة ومسؤول مواطن ومواطن مسؤول.
    شكرا للكاتب على المقال الجميل وننتظر المزيد من الابداع لكم استاذ طارق.

  2. هذا اقل ما يستحقه الرجل القامه الدكتور غازي القصيبي عليه الرحمه وبمقالك هذا يا ابا عدنان صورت لنا أمسية التأبين وكأننا حضور معكم

  3. مقال رائع وغير مستغرب عليك ككاتب اشكر لك نقلك لنا صورة متكاملة وجميلة عن تللك الأمسية عن رجل كان وما زال ممبر للكلمةالحرة رحمة الله عليها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *