الهند وثقافتها المركبة بين الماضي والحاضر

بقلم: الدكتور معراج أحمد معراج الندوي*

إن الشعب الهندي مركب من عناصر غنية متنوعة من الناس والأفراد والأغذية والثقافات واللغات والمعتقدات، إلا أن هذا التنوع منحصر ضمن كيفية غير ملموسة من الطابع الهندي. وهذا التراث خليط من تيارات عديدة، كبيرة وصغيرة وانصبت كلها في أزمنة مختلفة في نهر الهند المتدفق إلى الامام.

إن الثقافة قوّة فاعلة من قوى البناء الحضاري في مدلوله الشامل، الفلسفي والأدبي، السياسي والاجتماعي، الاقتصادي والتنموي. والثقافة طاقٌة للإبداع في شتّى حقول النشاط الإنساني، ثم إن الثقافة البانية الهادفة الفاعلة، لابد وأن تكون في خدمة السياسات التي تتجه نحو ترقية وجدان الإنسان، و ﺗﻬذيب روحه، وصقل مواهبه، وتوظيف طاقاته وملكاته في البناء والتعمير والتي تعمل من أجل تحقيق الرقيّ والتقدّم والرخاء والازدهار.
إن الثقافة هي قوة وسلطة موجهة لسلوك المجتمع، تحدِّد لأفراده تصوراتهم عن أنفسهم والعالم من حولهم، وتحدد لهم ما يحبُّون ويكرهون، ويرغبون فيه ويرغبون عنه؛ كنوع الطعام الذي يأكلون، ونوع الملابس التي يرتَدُون، والطريقة التي يتكلمون بها، والألعاب الرياضية التي يمارسونها، والأبطال التاريخيين الذين خلدوا في ضمائرهم، والرموز التي يتخذونها للإفصاح عن مكنونات أنفسهم. تنتقل الثقافة من جيلٍ إلى جيل عبر التنشئة الاجتماعية: فثقافة المجتمع تنتقل إلى أفراده الجدد عبر التنشئة الاجتماعية؛ حيث يكتسب الأطفال خلالَ مراحل نموهم الذوقَ العام للمجتمع.
إن بلاد الهند غنية بتراثها وثقافتها منذ القدم، وهي بذلك أصبحت من عوامل التأثير في ثقافات الشعوب الأخرى وحضاراتهم قديما وحديثا، ومما يزيدنا فخرا واعتزازا أن بلادنا وما فيها من العجائب والطوائف حلّت محل التقدير والإعجاب. تحتوي الهند على أقدم آثار بشرية على مستوى العالم، وهي واحدةٌ من أكثر الدول التي توالت عليها الحضارات المختلفة، فهي مهد حضارة وادي السند التي يرجع تاريخها إلى العام 3000 قبل الميلاد، هذا عدا عن الحضارة الفارسية والإغريقية والآرية والإسلامية وغيرها وجميعها استقرت في الهند نتيجة لموقعها الاستراتيجي، ومكانتها التجارية والاقتصادية الكبيرة منذ القدم.
الأمة الهندية: إن مفهوم كلمة “الأمة” معقد ولا نستطيع أن نفهمه إلا بالأخذ في الاعتبار بأنه تطور على مدى فترات مختلفة من التاريخ في مراحل متميزة. ونلاحظ في هذا المفهوم تغيرات هامة لما ننتقل من عهد أو بلد إلى الآخر. هذه الأمة التي تتكون مكن مجموعة عرقية ولغوية واحدة هي أقل درجة بدون ريب من أمة متكونة من ثقافة مركبة متنوعة. وإن كل هذه حاكت نسيج الحياة المتمدنة التي لا توجد بسهولة في أي مكان في العالم. فلو اختفى هذا التنوع ، فإن ثقافتنا لا تضعف فقط، بل قد يزهر خطر الاستبداد والفاشية في بلادنا.
الثقافة الهندية المركبة: الثقافة الهندية مركبة من عناصر مختلفة. تشير الثقافة المركبة في المفهوم الهندي إلى أسلوب انتقالي بصفة دائمة. أنها تمثل خليطا نابضا بالحياة من خيوط ثقافية متعددة تستوعب أحسن من كل واحد منا. وفي سياق الثقافة الهندية ، تعنى كلمة (Composit) الاتجاه الواسع العام الذي انبثق تدريجيا من امتزاج مجموعات وفئات مختلفة تنيجة دفع نابع من التغييرات في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.  تاريخ الثقافة المركبة سجل لرد فعلنا للظروف المتغيرة للحياة في صور أفكار وشعور تجربة، وليست تصورا تجريديا، وأنها عادة، وليست طريقة خاصة في والوقوف أو الجلوس، ليست عقيدة دينية جوهرية وإنما هي التصرف. إن الثقافة الهندية تتميز بثلاث ارتباطات ممتازة بكل وضوح وصراحة: الاستمرارية والاستيعاب والجمع بين العناصر المختلفة.
التعدد اللغوي والتنوع الثقافي: تشهد الهند حالة التعدد اللغوي منذ نشأتها، ما يجعل مجرد الحديث هناك عن مفهوم اللغة الأم موضوعا إشكاليا وتشكل جزءاً من عملية تحول عالمية من سماتها الاندماج القومي والتموضع الديني والبحث عن استراتيجيات للتعامل مع التنوع والاختلاف. إن عملية إدخال التنوع والتعددية الثقافية في الهند على وحدتها اللغوية والثقافية تتوفر قدار كبيرا من الانسجام بين اللغة والشعب والوطن. وتكمن الإشكالية الأساسية للدول متعددة الثقافات في إيجاد أنجع الوسائل للتعامل الديموقراطي مع التنوع الداخلي وسبل ضمان الاستمرارية.

فبعد استقلال الهند عام 1974 تم الاعتراف في دستور البلاد بستَ عشرة لغة رسمية. في غضون ذلك بلغ عدد اللغات الرسمية المعترف بها حاليا اثنتان وعشرون لغة. تتبوأ الهندية مركز اللغة الوطنية الرسمية في حين تعتبر الإنجليزية لغة رسمية ثانية. فإن اعتراف الدستور رسميا بإحدى اللغات يخضع في الهند للمعادلات السياسية القائمة. وقد أحصى الرصد الأنثروبولوجي للهند خمسة وعشرين نظاما للكتابة وثلاثمائة وخمسا وعشرين لغة في الهند. وهناك عدد كبير من اللغات واللهجات التي دخلت فضاء اللغة الهندية وأضافت عليها لمستها وتأثيرها على مدى قرون. لقد كان عدم الاقتصار على تعلم لغة واحدة من أعظم المغامرات في القرن الماضي بالهند. وإن إتقان أكثر من لغتين لا يساعد على توسيع دائرة المفردات لدى المرء باستمرار فحسب، وإنما يفتح الباب على مصراعيه أيضا لكي يُظهر الأطفال طاقات الإبداع الهائلة الكامنة في عقولهم. وهذا مؤشر واضح على أن التعدد اللغوي في الهند ليس ظاهرة معزولة وإنما هو أمر طبيعي.

دستور الهند وهدفه في حماية الثقافة المركبة: يعتبر دستور الهند رمزا حيا لتكامل الهند ووحدتها القومية، فالحقوق الأساسية والمبادئ الإرشادية كلها تعزز الوحدة القومية وتحميها. وكذلك فإن جهاز التخطيط على الكستوى المركزي يعزز عملية التنمية من خلل التعاون والانسجام في أعمال الولايات المختلفة، كما توفر الخدمات المركزية حلقة تكاملية حيوية. ويتضمن الدستور المثل العليا للعلمانية والحرية والمساواة 15/ 16 التي تمثل أساسا وطيدا لتكملنا القومي. فتحرم المادتان التمييز على أساس الطبقة والدين والنسل والجنس أوأماكن بأنه لا يكون هناك أي تمييز في التعيين في 16 الولادة. وتؤكد المادة 25/ 26 الوظائف الحكومية على أي من الأسس المذكورة. وتكفل المكادتان الحقوق في اعتناق ديانة وممارستها ونشرها، والحرية لتنظيم أمور دينية. وتوضح المواد المذكورة أعلاه أن الدستور الهندي يشجع التسامح الديني وتحرم الموقف التمييزي من شأنه أن يعمل كضمانات كافية في ملأ المناصب ذات المسئوليات الحكومية اعتمادا على مبادئ الاستحقاق. فإن دستورنا ميثاق للعلمانية والحرية والوحدة القومية. وإبان وضع الدستور كان المؤسسون متأثرين بالدرجة الرئيسية بالفلسفة العلمانية لقيام دستور الهند، فتصورا البلاد حتى في تمهيد الدستور كجمهورية ديمقراطية ذات سيادة تضمن لجميع المواطنين الحصول على الحقوق الآتية:

العدل: الاجتماعي والاقتصادي والسياسي
الحرية: في الفكر و في التعبير والاعتقاد والثقة والعبادة
المساواة: للمكانة والفرص
الاخاء: الضمن الكرامة للفرد والوحدة والانسجام للشعب. ولأجل توفير المساواة لكافة المواطنين ضمن الدستور في الفقرة 14 ( في الجزء الثالث اذي يعالج الحقوق السياسية) المساواة أما القانون قائلا: لا تنكر الدولة لأي واحد المساواة أمام القانون أو الوقاية المتساوية عن طريق القوانين داخل إقليم الهند. وحتى الفقرة 15 هي أكثر أهمية حيث تحرم التمييز على أساس الديانة والعرق أو الطبقة أو الجنس أو مكان الولادة كما يلي:

تحريم التمييز على أساس الديانة والعرق أو الطبقة أو مكان الولادة:
(1) لا تميز الدولة ضد أي مواطن على أساس الديانة والعرق والطبقة والجنس ومكان الولادة فقط أو أي واحد من هذه الأمور.
(2) لا يتعرض أي مواطن على أساس الديانة والعرق والطبقة والجنس ومكان الولادة أو أي واحد من هذه الأمور لأي عجز أو مسئولية أو قيد أو شرط فيما يتعلق:
(أ) الدخول إلى المحلات التجارية والمطاعم العامة والفنادق وأماكن التسلية العامة أو
(ب‌) استخدام الآبار والحياض وأمان الاستحمام والشوارع والمنتجعات العامة التي تتم صيانتها كليا أو جزئيا من الاعتمادات المالية للدولة أو التي تم انشاءها لاستخدام عامة الناس.
(ت‌) لا تمنع هذه الفقرة الدولة من اتخاذ ترتيبات خاصة الأم والطفل.
(ث‌) لا تمنع هذه المادة للفقرة 29 الدولة من اتخاذ الترتيبات الخاصة التنمية الطبقات المختلفة اجتماعيا و تعليما والقبائل المتخلفة.
(ج‌) وكذلك تضمن الفقرة 16 التساوي في فرص التوظيف العام بدون أي تمييز على أساس الديانة والعرق والطبقة والجنس والخلاف ومكان والادة والسكن أو أي واحد من هذه الأمور.
العلمانية: إن العلمانية تعنى الشيء الذي يتعلق بالأمور الدنيوية التي تتميز عن الأمور الروحانية. تعتمد العلمانية على المبدأ القائل بأن المعايير الخلقية والسلوك الأخلاقي يجب تحديدها بوجه خاص بدون مراجعة الديانة. يقوم مفهوم العلمانية بكاملها أساسا على المعالجة المنطقية للحياة عكس تلك التي تعتمد على القبول التام. ولا جدوى في محاولة تحديد هذه المفاهيم في سياق المجتمع الهندي من الناحية التاريخية. على سبيل المثال لم تكن الهند أمة واحدة أبدا بمفهوم المصطلح الحديث لعلم السياسة. يمكن تفسير العلمانية بمعنى التسامح الدين على نمط نظرية التي عمل من أجلها الإمبراطور أكبر المغولي. فكان من المفروض أن تعطى هذه النظرية شعورا من الأمن والكرامة لأتباع كل المعتقدات. فمن زمن موغول في القدم تعتنق أغلبية كبرى ممن شعبنا فكرة العلمانية والتسامح الديني ، والسلام والإنسانية فإن الهند الجديدة المعتمدة على مبادي المساواة والوحدة أو التي تنشأ كقوة اقتصادية عالمية كبيرة بفضل النمو المتوازن ستحتل مكانة مهمة بين مجموعة الدول التي تتقدم نحو ” العالم الواحد” في القر ن الحادي والعشرين.

القومية: القومية ظاهرة تمثل في مساعدة أهالي المنطقة ليرتفعوا فوق ولاءاتهم الضيقة للطبقة والقبيلة والدين. ومع تجربة مشتركة على مدى أجيال في هذه المرحلة من الانطلاق السريع نحو الحرية والمعرفة. يتطور شعور بالقومية ويغرس الناس شعورا عميقا بالاعتزاز بهويتهم والارتباط بأرضهم وثقافتهم. وعندما تصبح هذه القومية كيانا سياسيا مستقلا وتبلور جهازا إداريا وسياسيا خاصا بها أو على الأقل تكون حريصة على تحقيق مكانة لكما قومية فرصة لتنمو إلى أمة. لقد برز من بوتقة التاريخ شئي نادر في الهند. وهو أنه توجد في بلادنا أفكار عن الوطنية وممارستها التي لا يمكن أن تنحصر في فئة ولغة واحدة. القومية تجعل مجموعة من الأفراد يشعرون بأنهم واحد. وأهم مكون في القومية أو أمة هو العاطفة للوحدة السيكولوجية التي تربط الناس معا، إلا أنه لا بد من الاعتراف بأن هناك أوضاعا موضوعية تغذى روح القومية مثل اللغة والأرض والتراث المشترك من الماضي مع ذكرياتهم وديانتها ومنشأتها المشتركة والجنس المشترك والكيان السياسي والتقاليد وما إلى ذلك.
وحدة الهند وتكاملها: إن الشعب الهندي مركب من عناصر غنية متنوعة من الناس والأفراد والأغذية والثقافات واللغات والمعتقدات، إلا أن هذا التنوع منحصر ضمن كيفية غير ملموسة من الطابع الهندي. وإن تراثنا خليط من تيارات عديدة، كبيرة وصغيرة وانصبت كلها في أزمنة مختلفة في نهر الهند المتدفق إلى الامام. توفر هذه الوحدة العميقة الجذور مفتاحا لفهم الفكرة والثقافة الهندية المركبة وخطا إرشاديا للمستقبل المنير.
إن الثقافة المركبة للهند مزيج بارع لتيارات متعددة أنواع لتراثنا العرقي والاجتماعي والفلسفي والطبيعي. وإن تأثرات متعددة امتزجت بعضا مع بعض لخلق وحدة كاملة منفردة. ونحن نجد في خيوط الثقافة الهندية المركبة دورا فعالا للنصيرة الفيدية وفلسفة غيتا والسلسلة الصوفية ودمثة اللغة الأردية التي نشأت كلغة مزيج من الثقافات والعلوم والتكنولوجيا الغربية واللبرالية والقيم التي نبعت من تجربتنا خلال حركة الاستقلال. وكذلك فإن جبل الهمالية و النهر الغانغا والتاج محل وخاجوا راهو كلها رموز بليغة لهذه الثقافة المركبة. وقد تغنى رجال الدين والنساك الهندوس والصوفية بأناشيد وحدة الله والإنسان ونشروا رسالة البشرية التي سمت فوق الطبقة والفئة. فقد استوعب حملة مشعل حركة الإخلاص والتفانى. وكانت لهم علاقة مباشرة مع الجماهير فاستلهموا القوة الروحانية منها. وحاول كبير وغرونانك إحداث التقارب بين المسلمين والهندوس في الواقع لم يكن تنظيم نانك لتعايش المجتمع مختلفا من أنظمة الصوفياء في زواياهم. وكانت الحركة الصوفية ملائمة للانصهار في بوتقة الروح الهندوسية ورموزها الثقافية. وإن حركة بهاكتي التي نشأت في جنوب الهند قد نشرت نفس الرسالة للتسامح والتعايش السلمي. هكذا أصبحت الثقافة الهندية المركبة غنية وعالمية.

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة عالية – كولكاتا، الهند*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *