منهج الشك عند الغزالي

بقلم: علي بدوي الشهري*

يقول عالم الرياضيات والجبر والفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت” عبارته المشهورة: “أنا أشك إذن أنا موجود”، ومن هنا ننطلق ويبدأ الإمام أبو حامد الغزالي رحلته إلى اليقين، حيث آثر أن يبدأ من الصفر، قائلاً: الشكوك هي الموصلة إلى الحق ، فمن لم يشك لم يَنظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى والظلال.

انطلق الإمام الغزالي في منهجه الشَّكي هذا بأن راجع كل معارفه وعلومه السابقة، فابتدأ بالعقائد الدينية فرأى أنها تنتقل بين الناس ومن جيل إلى جيل عن طريق التقليد والوراثة في أغلب الأحيان، فالطفل المسلم والمسيحي واليهودي يرث دينه من والديه أو أحدهما، تحقيقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي رواه أبا هريرة رضي الله عنه حيث قال:(ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يُمجسانه …) رواه البخاري ومسلم.

وهنا توصل الغزالي في منطقه الشَّكي هذا كخطوة أولى إلى أن العقائد القائمة على الوراثة ليست يقينية، وفي خطوته الثانية جاء بالعلوم والمعارف وأخذ يًعرِّفُ العِلم اليقينيَّ الَّذي يُريد أن يَصل إليه حيث قال: إنَّ العلم اليقيني هو العلم الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا بديهيا لا يبقى معه رأي.

وهنا يُثارُ ويُستثارُ لدينا ولديه هذا السؤال: ما مصير معارفنا وعلومنا الموجودة لدينا الآن؟! هل ينطبق عليها الشرط الذي حدده الإمام الغزالي ؟! هل هي موثوقة؟!

اعتبر الإمام الغزالي أن العلم يحصل بالاعتماد على أمرين

أولهما: الحواس أو الحسيات: وهي التي لا ثقة فيها أبداً، لأنها خادعة مضللة، فلو نظرت مثلاً لقلم رصاص موضوع في كأس به ماء، لرأيته مكسوراً وبالتالي فالحسيات لا ثقة فيها.

وثانيهما: العقليات: حيث رأي أن العلوم التي تأتي عن طريق العقل محدودة، والعقل بذاته محدود ولديه أخطأ، معتمداً في ذلك على الأحلام ورؤيتنا لها وتصديقها، لكن حينما ننتبه ونصحو من النوم نجدها لا تتعدى كونها أحلاماً، وبالتالي فالحواس تُكذب العقل، والعقل يُكذب الحواس ، وبعد كل هذا الذي قال به وتوصل إليه الغزالي في منطقه الشكي، فقد وصل مع نفسه لطريق مسدود، حينها فقط آثر الاعتزال، والاعتكاف، والزهد، حتى وصل لمرحلة عليا من التفكير والتأمل، فقذف الله في قلبه بعدها الإيمان، والبصيرة، ونور اليقين، ليدرك بعدها الحقائق اليقينية التي كان ينشدها ، وهذا النور الإلهي بحسب الغزالي يُعّدُّ المُساعد والمُعين لعقولنا الضعيفة على إدراك ما هو فوق طاقتها وبخاصة في الأمور الغيبية ، بالإضافة إلى أن هذا النور هو مفتاح الدخول الذي يهبه الله سبحانه للمجتهد وللمخلص من عباده فقط، للوصول للعلوم والمعارف.

قال تعالى مخاطباً نبينا المصطفى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، (114) سورة طه، وقال تعالى على لسان نبيه موسى عليه الصلاة والسلام: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)، سورة طه.

وبالعودة لرينيه ديكارت، فقد وجد هو الأخر هذا المفتاح الذي يهبه الله سبحانه لبعض من عباده المخلصين، ولكنه ما لبث أي ديكارت أن شكك في هذا النور، ولكنه تدارك شكه هذا بجعله فكرة وجود الإله هي الفكرة الوحيدة ليتخلص من شكه وشيطانه، لأنه ببساطة وبدون هذا الإله لا يستطيع أن يكون على يقين من أي شي في هذه الحياة، لذا فقد وجد ديكارت الله بحدسه وبصيرته فانفرجت له معاقل العلوم والمعارف كما هو الغزالي.

ختاماً: ما أحوجنا اليوم للشك في كل ما تعلمناه ونعتقده، لا لأن نكفر بالله وتزيد أعداد ملحدينا وجُهالنا وجَهلتنا، ولكن ليزداد إيماننا بالله أولاً، وتقلَّ خُصُومتنا، والتي أغلبها تنشأ عن ثقة كاملة (عزة بإثم)، أو غرور بجاهٍ أو منصب، أو شهادة علمية، لربما يكون قد جاء بها صاحبها من الأزقة الخلفية لبعض الجامعات العربية أو الأجنبية وما أكثرهم ..، أو خصومة تنشأ نتيجة لعنصرية قبلية أو مناطقية أو حتى قول فلان ورأي فلان، دون تحقيق وتحقق منه أو بحث في هذا أو ذاك سواء كان القول ذاته أو صاحب ذلك القول فكراً وتوجهاً وأهدافاً.

كاتب وشاعر سعودي*

2 thoughts on “منهج الشك عند الغزالي

  1. يقيني بأنك مبدع موضوع في بالغ الأهمية لإنعاش العقل والتوسع في طرقالبحث و التفكير وفقك الله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *