تلقائية الرتابة في الحياة الزوجية 1

تلقائية الرتابة في الحياة الزوجية
( الجزء الأول )

إبراهيم البليهي

تلقائية الرتابة في الحياة الزوجية هي نتاجُ التعوُّد؛ فالتعوُّد هو الذي يُكَوِّن التطبُّع الذي ينساب منه السلوك تلقائيًّا؛ فالتطبع بواسطة التعود هو أبرز خصائص الإنسان، وهو أهم قابلياته؛ فلا غِنى للإنسان عنه. وقد تناولتُ في فصل آخر؛ ضرورة التعود، وأنه شرطٌ للتطبُّع التلقائي في الطفولة المبكرة؛ حيث يتَأسَّس عقلُ الطفل؛ تَطَبُّعًا قبل بزوغ وعيه. كما أن التعود شرطٌ لانتظام حياة الفرد، واكتساب المعارف، والمهارات، ودَفْع الإنسان إلى التطلع الدائم وعدم القناعة بما هو متحقق. لكن هذه الإيجابيات تقابلها سلبيات. ومن سلبيات التعود؛ تضاؤُل قيمة ما يَتحقَّق نوالُه، وسيطرة الرتابة والملل، والسعي المتكرر لمطلب جديد، من متطلبات الحياة والمكاسب المادية. وهنا نكون أمام مفارقة حادَّة؛ فالأسبق الذي يتطبَّع به الإنسان من العقائد والتصورات والانتماءات والمواقف الثابتة؛ يزداد مع الزمن رسوخًا وامتزاجًا في الذات، وغبطةً به، وتقديسًا له، ودعوةً إليه، ودفاعًا عنه. أما ما يتعلق بالرغبات والحاجات والمطالب المتغيرة التي يشترك فيها كل البشر من كل الأمم؛ فإن التعود يُفقِدها امتيازها؛ وقد تناولتُ ذلك في الفصل الخاص بالملل؛ وبذلك تكون الرتابة في الحياة الزوجية نتيجة حتمية …
إن تلقائية الرتابة في الحياة الزوجية؛ هي إحدى تجليات الطبيعة التلقائية للإنسان؛ فالاهتمام الشديد المتبادل الذي يكون مشتعلا بين الزوجين في البداية؛ يضعف أو ينطفئ باعتيادهما على التواجد الدائم معًا؛ حيث يعتاد كل منهما على وجود الآخر فيصير كلٌّ منهما لا يستحوذ على اهتمام شريكه، ولا يشد انتباهه، فمواجهة الواقع تُزيل هالات المتخيَّل، وتطفئ توَقُّد الانتباه؛ وبذلك تسود الرتابة، فيفاجأ الزوجان بهذا التغيُّر، فتتنوع التفسيرات الخاطئة الواهمة عند مختلف الأزواج والزوجات، مما يؤدي إلى إرباك الحياة، وربما التنافر والقطيعة، وهذا شاهدٌ مهم لنظرية التلقائية الإنسانية. إنه إحدى النتائج البائسة التي تنجم عن جهل الناس بطبيعتهم التلقائية …
تحت عنوان (الألفة تولِّد اللامبالاة)) يتناول مات ريدلي في كتابه (الطَّبْع عَبْر التطبُّع) إحدى نظريات التطبع البشري وكيف أن الألفة بين الأزواج تحجب الانتباه وتُذبل الاهتمام أما حين يكون الزوجان قد عاشا معًا قبل الزواج فإن النفور يكون أشد. وهو بذلك يلخِّص نظرية عالم الاجتماع إدوارد ويسترمارك التي قدَّمها في كابه (تاريخ الزواج البشري) حيث يرى هذا العالم: ((أن الأشخاص الذين عاشوا معًا في طفولتهم ينفرون من بعضهم البعض حين يبلغون)) لكن هذا العالم قد فَسَّرها بأن هذا النفور ناتجٌ عن سبب فطري ولم ينتبه لفاعلية التعوُّد الحاسمة. لأنه توصَّل إلى نظريته قبل أن تتقدم علوم الدماغ؛ حيث ثبت الآن أن الدماغ يتجاهل ما يعتاد عليه حيث تتنقل الصورة من الوعي إلى اللاوعي وبذلك ينطفئ توَقُّد الاهتمام وتحل محله الرتابة. وقد استكمل ريدلي ذلك بتلخيص نظرية العالم آرثر وولف الذي انتهى إلى أن: ((الأشخاص الذين يعرفون بعضهم البعض فيما يتعلق بشؤونهم الحياتية لم تستمر حياتهم الزوجية أمدًا طويلا، مقارنةً بالأزواج الذين لم يألفوا بعضهم أو يتقابلوا قبل زواجهم)) وينتهي مات ريدلي بعد مناقشته للنظريات إلى: ((أن النفور حالةٌ واضحةٌ لعادة تَنْطبع في العقل؛ فيما يعني أن ذلك ليس إلا تَطَبُّعًا نقيًّا)) إن تفكير الإنسان وسلوكه وقيمه واهتماماته وانجذابه ونفوره؛ ما هو إلا سلسلة من العادات التي تطبَّع بها …
والمهم في هذه الظاهرة البشرية العامة؛ هو دلالتها على أن الإنسان كائنٌ تلقائي، وأن هذه الطبيعة التلقائية؛ تتأسَّس على قاعدةٍ بيولوجيةٍ أصيلة، وتنبع من طبيعةٍ بشريةٍ عميقة في تكوين الدماغ الإنساني، حيث يعتاد على المتكرر فالتعرُّض للضوضاء يكون شديد الإزعاج في بداية التعرض له ثم يتجاهَله الدماغُ بعد التعوُّد عليه؛ فيخفُّ أو يزول الشعور بالإزعاج. وبالمقابل فإنه يمل من كل شيء متكرر حتى لو كان مبهجًا في بدايته فالذي كان طريفًا يُبتذَل بتكراره فيمله الإنسان ويبحث عن طريف جديد. وهذا الملل هو أحد أسباب تطور اللغة الأدبية؛ فالعبارات اللغوية المبتكَرة تُبتذَل إذا طال استخدامها؛ لذلك تنمو اللغات بواسطة الشعراء والكُتَّاب المبدعين؛ بدافع البحث عن تعبير طريف؛ فالملل من المكرَّر ليس ظاهرة فردية، أو ثقافية، أو اجتماعية، بل هو أحد التجليات البيولوجية لطبيعةٍ بشريةٍ عامة؛ إنها ظاهرةٌ ذاتُ منبعٍ بيولوجي، وهي في الأصل تقوم بوظيفةٍ حيويةٍ أساسية؛ لاستمرار البقاء؛ على النحو الذي سيجري توضيحه فيما بعد؛ فهي لا تشيع في أمة دون أخرى، ولا تتأكد في مجتمع دون غيره، ولكنها ظاهرةٌ بشرية عامة …
في كتابه (التفكير السريع والبطيء) يَنقُل عالمُ النفس دانيال كانمان رسمًا بيانيَّا توصَّل إليه أندرو كلارك والفريق العلمي من الهيئة الاجتماعية الاقتصادية الألمانية بعد متابعتهم لمقدار رضا المتزوجين ويظهر في الرسم كيف كان الرضا في القمة. ثم يبدأ في الهبوط حتى يصل إلى الحضيض. ثم يقول دانيال: ((وباستخدام المصطلح المفيد الذي قدَّمه دانيال جلبرت وتيموثي ويلسون؛ يعكس قرارُ الزواج في نظر العديد من الناس؛ خطأً جسيمًا من التنبؤ العاطفي؛ ففي يوم الزفاف، يكون العريس والعروس على علم بارتفاع معدلات الطلاق وبارتفاع معدل حدوث الإحباط الزوجي، ولكنهما لا يُصَدِّقان أن هذه الاحصائيات تنطبق عليهما. والنبأ المفزع الذي يحمله الرسمُ البياني؛ هو وجود انخفاضٍ حادٍّ في مستوى الرضا عن الحياة؛ تختفي مباهج الزواج الأولى سريعًا، وتكتسب الخبرات والتجارب صفة الروتينية)) إن هذه الظاهرة البشرية العامة؛ تحمل دلالات عميقة متنوعة؛ فهي ليست محصورة بفشل الكثير من حالات الزواج التي ينقلب فيها الاهتمام المتوقد، إلى التعود والرتابة والملل. فمن الدلالات المهمة؛ أن هذه الظاهرة تكشف بأن الإنسان لا يتعلم بحفظ المعلومات، وإنما يتعلم بتكرار الفعل، والممارسة التي تؤدي إلى إضافة الحالة إلى ذخيرة العادات المستقرة؛ فالتعلم يقتضي خوض التجربة العملية بنفسه؛ لكي يعتاد فهو لا يتعلم من تجارب الآخرين. بل يتعلم من تجاربه هو، ليس هذا فقط بل لابد من التكرار إلى أن تتكون لديه عنها عادةٌ؛ تنساب منها المعرفة أو المهارة انسيابًا عند الطلب. وهذا أحد أسباب إخفاق التعليم اللفظي- الوصفي، المنفصل عن حركة الحياة الواقعية، فهؤلاء الأزواج والزوجات الذين جرَتْ عليهم الدراسةُ يعلمون قبل زواجهم؛ ما انتهتْ إليه زواجاتُ الكثيرين ويعرفون الاحصائيات ويكونون في الغالب مطلعين على المشكلات الناجمة عن سرعة انطفاء التوقد وحلول الرتابة. ولكنهم يجهلون أن التعود هو السبب وراء هذه الظاهرة الشائعة فيتوهمون أنهم يختلفون عن غيرهم، ولا يكتشفون الحقيقة المرَّة؛ حتى يخوضوا التجربة بأنفسهم ويكتشفوا المشكلة التي تعاقبتْ الأجيالُ على اكتشافها لكن لا أحد يَعتبِر بتجربة غيره؛ بل من النادر أن يدركوا أن التعود يقف خلف هذه المعضلة؛ فيقع في المصيدة واحدٌ بعد آخر ولا يتَّعظ أحدٌ بتجربة أحدٍ وكما يقول العالم هينز باجلز: ((إن التحول في التفكير؛ لا يأتي طوعًا، ولكن تمليه الظروف التجريبية)) فالمعرفة بنْتُ التجربة الذاتية؛ فلا بديل عن التجربة الشخصية؛ فقيمة المعرفة النظرية أنها تساعد على الممارسة أما النتائج فهي مشروطة بتكرار الفعل برغبة إلى يتم اكتساب عادة يفيض منها الأداء فيضانًا تلقائيًّا بأقل قدر من الانتباه. لكن هذه الطبيعة البشرية في التعود تسلب الإنسان استمتاعه الغامر بما كان مبتهجًا به فبعد تعوده عليه يخفت إغراؤه …
يشتاق الإنسان لما لم ينله فإذا ناله زهد فيه وكما يقول الشاعر ناظم حكمت: ((أجمل البحار ذاك الذي لم نذهب إليه بعْد، وأجمل أيامنا تلك التي لم نعشها بعد)) لقد بات معروفًا أن الدماغ البشري؛ يتجمد مع المألوف، وينشط حين يستثار بالجديد، وأن نموه في مرحلة التكوين؛ يكون بمقدار ما يتعرض له من إثارات مغايرة للمألوف. وكما يقول ريتشارد واطسون في كتابه (ملفات المستقبل): ((كل جديد مثير للاهتمام)) ويوضح في كتابه الآخر (عقول المستقبل) أن الدماغ البشري في مرحلة التكوُّن: ((يحب الأفكار الجديدة لكنه يميل إلى تجاهُل الخبرة نفسها بعد فترة قليلة. ويُدْعى هذا بمبدأ التعود. ويستمر هذا المبدأ طول حياتنا)) وقد بات ذلك من بداهات علم النفس؛ فالدماغ يستثار بغير المألوف فإذا اعتاد عليه؛ تجاهَلَه كما يؤكد عالم النفس إنجوس جيلاتي في كتابه (الذهن والمخ) إن هيمنة الرتابة؛ نتيجة حتمية في كل المواقف بعد التكيف والتعود؛ وهي ليست محصورة في الحياة الزوجية بل تنطبق على علاقتنا بالأشخاص والأشياء والطموحات والآمال والأهداف والأحداث والتوقعات؛ فما يناله الفرد ويعتاد عليه ويتآلف معه؛ يضمحل الاهتمام به ويبدأ التطلع لغيره …
ويجب دائمًا أن نستحضر الفرق النوعي بين ما يتطبَّع به الناس في طفولتهم من تصورات وعقائد وقيم وولاءات. مقابل الرغبات المتغيرة والحاجات النامية والمطالب المتجددة التي لانهاية لها؛ فالأولى تزداد رسوخًا بامتداد الزمن فيجري تلقائيًّا رفْض الجديد الذي لا يتفق معها. وكما يقول الفيلسوف جون لوك: ((الأفكار الجديدة؛ هي دائمًا موضع شك، وتتم مقاومتها غالبًا بسبب أن الناس لم يعتادوا عليها)) أما المطالب المتغيرة فيحصل العكس تمامًا فما يتم التعود عليه يفقد بريقه وربما يتم تجاهُله …
إن الاستثارة بالجديد، ثم انطفاء هذه الاستثارة بعد التكيف والتعود؛ ناشئتان عن طبيعة الدماغ ووظيفته الاستطلاعية؛ فكما يؤكد عالم النفس الشهير مارتن سليجمان فإن: ((الخلايا العصبية مبرمجة بحيث تستجيب للأحداث الجديدة ولا تنفعل إذا كانت الأحداث لا تقدم معلومات جديدة)) ويعبِّر عن المعنى نفسه طبيب الأعصاب د نورمان دويدج في كتابه (الدماغ : وكيف يطور بنيته وأداءه) لكن المعنى الذي يؤكده كلاهما لا يقتصر على جفاف أو فتور الاهتمام المتبادل بين الزوجين ثم الدخول في مرحلة الرتابة وإنما يتضمن معنى أشمل وأعمق وهو جدب العقول إذا عاشت في بيئة مغلقة وقاحلة ثقافيًّا لكن الذي يهمنا هنا هو دلالتها على أسباب الرتابة في الحياة الزوجية حيث يقول نورمان دويدج: ((لا شيء يُسَرِّع ضمور المخ أكثر من تحرك المرء داخل البيئة نفسها؛ فالرتابة تُقَوِّض إفراز الدوبامين والأنظمة الانتباهية الضرورية)) ومعلومٌ أن هرمون الدوبامين الذي ينضب مع الرتابة هو هرمون المتعة، وهذا يعني أن كل ما يتلهف الفرد إلى نيله؛ تَخْفت اللهفةُ إليه، بعد الحصول عليه، واستمرار التواجد معه؛ وعلى سبيل المثال فإن العلاقة الزوجية التي كانت مشحونة بالاهتمام والإثارة والابتهاج قبل الزواج وما بعده مباشرة؛ تفقد الكثير من الإثارة بالتعود؛ فتتقلص الرغبة ويتلاشى الاهتمام وتضعف الإثارة وربما تنطفئ؛ لأنهما قد تجاوزا مرحلة التعرُّف واحتوتهما مرحلة التكيف والتعود؛ فالمعايشة تؤدي إلى التآلف، والاعتياد، والرتابة، وزوال أو ضعف الإثارة. وبذلك يفقد كلٌّ منهما ذلك المثير التلقائي المحرِّك القوي الذي يشده إلى الآخر، ويفقد كل منهما ما كان يتلقاه من اهتمام متدفق وتدليل وإطراء؛ حيث يسود الملل وكما يقول الدكتور ديفيد ليندن في كتابه (بصمة المتعة): ((غريم المتعة هو الملل، ونقص الاهتمام في الأحاسيس والتجارب، وغريم الحب؛ هو اللامبالاة وليست الكراهية)) فالذي يختفي هو فورةُ الاهتمام رغم بقاء الحب. فلو أدرك الناس السبب البيولوجي لهذا التحول؛ لتكيفوا معه دون حساسية ولا غضب ولا تلاوم، لأننا أمام طبيعة بشرية عامة ولسنا أمام حالة فردية خاصة، وهي طبيعة حيوية إيجابية فإذا كان استمرار الإثارة مطلوبًا ثقافيا وحضاريا من أجل النمو والمعرفة والابتكار والإنجاز والتغيير والتطور والازدهار؛ فإن الاعتياد مطلوبٌ من أجل الانتظام والاستقرار والإنتاج ويُسْر الأداء فلا إنتاج إلا بانتظام …
إن ما أكده المفكر ريتشارد واطسون والعالمُ مارتن سليجمان ود نورمان دويدج وما بينه الدكتور ديفيد ليدن وغيرهم؛ عن حاجة الدماغ البشري إلى التجديد المستمر للمعلومات وتلقائية الملل من المتكرر؛ قد أكَّده وبيَّنه بشكل مفصَّل؛ عالمُ النفس الأمريكي الدكتور ويلارد هالي في كتابه (احتياجاته واحتياجاتها) فقد أمضى عمره معالجًا للمشاكل الزوجية فصار كتابه مرجعًا عامًّا وتمت ترجمته لمختلف اللغات. كما أكد المعنى ذاته عالمُ النفس الفرنسي بيير داكو في كتابه (من السجون إلى الحرية) حيث يؤكد أن فورة الاهتمام تقوم على الجِدَّة والطرافة والطراوة، وأن هذه الجِدَّة تنقلب بالتكرار والتكيف والتعود إلى مستنقع، كما أن قانون الانتروبيا يكون متحفِّزًا لكي يطفئ الاهتمام ويلتهم الرغبة ويرى أن إمكانات إعادة الاكتشاف محدودة وسريعة النضوب فيقول داكو: ((ينحو شخصان، يحب أحدهما الآخر إلى الحياة؛ كما في إناء موصد، والانسحاب من العالم المألوف. هذا النظام جميل جدا لكنه أقوى وسيلة لكي تَسُود انتروبيا وجدانية متوثبة؛ فلكي تختفي بأسرع ما يمكن الحرارة العشقية؛ حيث الهوى هناك الذروة والقمة الوجدانية. فكيف السبيل في هذه الحالة لرفد معلومات جديدة لهذه الذروة على نحوٍ يومي؟! ومَن عليه أن يجلب هذه المعلومة سوى الآخر؟! ولكن مَن بوسعه أن يقاوم هذا الطلب، ذلك أن كل شخص في العالم ليس واسعًا بما يكفي لكي يُكتَشَف يومًا بعد يوم على مدى زمن طويل. إن إعادة الاكتشاف المستمرة تصبح مستحيلة. إذن؛ يوجد لحظة تنقص فيها المعلومات التي يجلبها الآخر وتنضب ولا يبقى بَعْدُ شيءٌ يُكتَشَف. يكفي أننا نراه كل يوم لكي نعرفه فوق ما يجب؛ حينذاك يتوقف الاهتمام ويستنقع النظام لافتقاره إلى معلومات جديدة وتبدأ الحرارة الوجدانية بالتلاشي على نحوٍ تدريجي ويضمحل الإحساس بالتشابه؛ فإذا نضبت المعلومات بدأت الانتروبيا تُرخي ظلالها وتلتهم الهوى. ويتضاعف الخطر عندما يشكل العاشقان نظاما مغلقا بسبب افتقاره إلى المعلومات الآتية من الخارج. القانون قاسٍ لكنه القانون)) ليس أروع ولا أوضح من هذا البيان فما يعتري الحياة الزوجية من الملل هو انسيابٌ تلقائي حتمي تمليه الطبيعة البشرية …
تختلف مواقف الأفراد، وتتنوع ردود فعلهم، وينشأ عن ذلك هشاشةٌ شديدةٌ في علاقات بعضهم ببعض، مع قابليةٍ لسرعة التأثر السلبي؛ ففي الإنسان رغبةٌ عميقة جارفة؛ لتأكيد أهميته، ويصاب بالرعب إذا شَعُر بأنه لم يَعُد مهمًّا؛ ففي رواية (شقة الحرية) للعبقري غازي القصيبي؛ يؤكد انزعاج المحب حين يشعر بأنه لم يَعُدْ في بؤرة اهتمام المحبوب؛ فيقول: ((فتاةٌ أحببتها، ثم شعرتُ أني لست سوى جزءٍ هامشي من اهتمامها)) فعلاقات البشر شديدة الهشاشة ومعرَّضة للاضطراب بتراكمات صغيرة؛ وكما تقول عالمة النفس سوزان ديفيد في كتابها (المرونة العاطفية): ((في الزواج تَبْنِي اللحظاتُ البسيطة من الحميمية أو التجاهُل؛ ثقافةً؛ إما تزدهر بها العلاقة أو تذبل، وتعتمد هذه السلوكيات البسيطة على بعضها وتزداد مع الوقت، حيث يُبنى كل تعامل على التعامل الذي يسبقه)) ويرى سلامة موسى أننا نتصور الواقع أجمل مما هو فيخيب أملنا حين نكتشف الحقيقة فيقول: ((إن الواقع هو على الدوام أو في أغلب الأحيان ناقصٌ، فالمرأة في الواقع ليست من الجمال بالقدر الذي نتخيله)) وكذلك الرجل ليس هو ذلك الفارس النبيل الذي قد تتخيله فتاةٌ لم تعرف الحقيقة. وفوق ذلك فإن البشر كائناتٌ عاطفية هشة؛ فهم ينفعلون بالمواقف بفاعلية استجابات هرمونية تلقائية الأداء …
الحب هو أقوى الروابط ومع ذلك فإنه بكل أعماقه وأنواعه وتجلياته؛ ((ليس إلا ظاهرة كيميائية)) كما تقول عالمة الأعصاب البريطانية فرانسيس أشكروفت في كتابها (شرارة الحياة): فهي تتساءل: ((ما الذي يجعلنا نقع في الحب؟ هل نسعى وراء الشريك المثالي ونرتبط به إلى الأبد؟ أو نفضِّل الوجوه الجديدة ولا نثبت إلا على التقلُّب؟)) ثم تُجيب: ((توحي أبحاثٌ أُجْريَتْ مؤخَّرًا بأن الحب ليس إلا ظاهرة كيميائية)) وتضيف: ((السعادة صنيعة الدماغ، وكذلك البؤس)) وتؤكد: ((أن الدوبامين يُنَبِّه مركز المكافأة في الدماغ)) وتقول: ((يرتبط الدوبامين ارتباطًا وثيقًا في الرغبة. تُطلِق التجارب اللذيذة مثل الجنس والحب والطعام؛ الدوبامين في مركز المكافأة في الدماغ، فيزيد النشاط الكهربائي للخلايا العصبية، ويُعزز إحساسنا بالمتعة)) هكذا تفعل المتعة في تَحَكُّمها بالتفكير والسلوك؛ تجلياتٌ كثيرة؛ تتشابك لتؤكد أن الإنسان كائنٌ تلقائي، كما تؤكد هشاشة الوضع البشري؛ حيث تتحكم به الآليات التلقائية، القابلة لشتى أنواع الارتباك والاضطراب والانكسار والانفراط والعطالة؛ فالعلاقة الزوجية التي يُفترَض أنها أقوى العلاقات؛ هي نتاجٌ لطبيعة مزاجية متقلبة؛ تبعًا لحالات الامتلاء أو النضوب، إنها محكومةٌ بهرمونات تُفْرط في إفرازها أو تشحُّ به؛ فيهتز الارتباط وتضطرب العلاقة …
ينشأ الناس على التنافس، والتركيز على المكاسب المادية والمعنوية، ويغفلون عما يجعل الحياة ذات معنى أسمى، وعما يرتقي بقيمة الوجود؛ فالرغبة في الحيازة والتملك، وهيمنة الوجود الشخصي على الوجود المشترك؛ تخطف الجميع عن المغزى الحقيقي للوجود، وعن مسرات الألفة الشفافة، وحميمية الصداقة العميقة. لذلك يشيع بين المفكرين العزوفُ عن الزواج؛ تجنُّبًا لمشاكله، وخوفًا من التزاماته، وإدراكاً عميقًا لما سيؤول إليه من ثُقْلٍ ورتابة وملل وتقييد؛ مالم يتحوَّل إلى شراكةٍ عميقة، وصداقةٍ محضة، وتوافقٍ فكري متجدد؛ أما بدون ذلك فإن انتظام الحياة الزوجية؛ يؤدي حتمًا إلى التعود وفتور الاهتمام المتبادَل بينهما أو إلى انطفائه؛ كما أنه يترتب على الزواج ارتباطٌ والتزاماتٌ ومسؤولياتٌ قد تَشغل المبدع عن إبداعه أو تصرفه عنه؛ لذلك فإن كثيرًا من الفلاسفة مثل كانط وشوبنهاور ونتشه وغيرهم تجنبوا الزواج ومما قاله نتشه: ((إن الزواج يخلو من المعنى؛ فعلى الإنسان حين يعشق أن لا يتخذ قرارًا يكون ملزِمًا له طوال حياته)) أما مؤسِّس الاتجاه السلوكي في علم النفس جون واطسون؛ فقد تنبأ بأن مؤسسة الزواج في الغرب؛ سوف تنتهي وكتب بحسم يقول: ((أعتقد أن الزواج الأحادي قد انتهى)) كما أن الواقع في أمريكا يؤكد انحدار المجتمع الأمريكي لما يتفق مع هذا التوقُّع كما تدل على ذلك الإحصاءات التي أشار إليها بانزعاج شديد الدكتور ويلارد هارلي ومع أن الأصل في مؤسسة الزواج؛ أنها ليست فقط للمتعة؛ لكن المتعة عاملٌ حيوي لتمتين العلاقة، وتَحَمُّل المسؤولية. وكما أكد خبير الحياة الزوجية الدكتور هارلي فإن: ((الاختلاف حول الجنس بين الزوج والزوجة يمكن أن يُدَمِّر الزواج)) فلا يصح التقليل من فاعلية هذا العامل وكما يُنبِّه الطبيب النفسي فلاديمير ليفي في كتابه (رحلة صيد وراء الفكرة) إلى أن اللذة تخدم غايةً حيويةً واجتماعيةً فهي دافعٌ أساسي في التعلُّم والعلاقات وفي كل ما هو في صالح استمرار الحياة البشرية وتَجَدُّدها؛ يقول الدكتور ليفي: ((الطريق إلى اللذة يُفترَض به أن يكون مُرْبِحًا من الناحية البيولوجية والاجتماعية. يتضمن في ذاته جميع المتع العليا، بما في ذلك لذة الإبداع السامية)) فمن المؤكد أن اللذة من الدوافع الأساسية التلقائية التي غُرِزت في الإنسان لتحقيق غاياتٍ حيوية عظيمة. لكنها في الحياة الزوجية؛ ليست سوى أحد الروابط الأسرية؛ فالأسرة هي الوحدةُ الاساسية للمجتمع، كما أنها أساسُ التكاثر الإنساني المنضبط، وسبب الالتزام بالمسؤوليات تجاه المواليد، واستمرار الأجيال، ومحور التلاحم البشري، وبها تتكوَّن الأخلاق الاجتماعية. إلا أن ذلك لا يعني تجاهُل تأثير عامل المتعة لأنه يوجد ظواهر لا تُحصى في الحياة البشرية؛ تؤكد أن ميل الإنسان التلقائي للممتع؛ هو ميلٌ عميقٌ، وأن هذا الميل له نتائج عظيمة؛ ولا يصح التقليل من فاعليته، كما تؤكد هذه الظواهر أيضا؛ أن كل ممتع يفقد بالتكرار تأثيره؛ فتحلُّ الرتابةُ والمللُ …
في كتابها (الجنس الآخر) تقول الأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار: ((لا أحد ينكر مآسي الحياة الزوجية)) وترى أنه مهما حاولوا: ((إلا أن هناك لعنة تَحلُّ بهم ولا يتحررون منها إلا نادرًا وهي الشعور بالسأم؛ فلن يكون بينهما بعد بضعة أشهر أو بضع سنين أية مشاركة أو أي تجاوب؛ سرعان ما تعرف المرأة أن سحرها الجنسي ليس سوى أوهى أسلحتها لأن تأثيره يخف بالتعود. إن مأساة الزواج يَنذُرها للتكرار والرتابة المملة)) وتقول: ((يتفاقم الخصام حتى يؤدي إلى الانفصال)) فالرتابة حتمية أما النتائج التي تنجم عن هذه الرتابة فتختلف باختلاف المجتمعات وتنوُّع الثقافات …
إن طبيعة الإنسان الملولة الباحثة عن تجدد المتطلبات المادية والنفسية، ونمو الرغبات، وتكاثر الحاجات؛ هي التي قادته لمعرفة مالا يعرف، ودفعته للبحث عما ليس عنده، ولكن نتائج الملل ليست إيجابيَّة دائمًا؛ ومن هذه النتائج السيئة؛ حتمية الرتابة في الحياة الزوجية. ليس هذا فقط بل قد يدفع الضيق بالملل بعض الأفراد إلى إيذاء آخرين بقصد التنفيس عن النفس والتحرر من الملل والخروج من الرتابة الخانقة؛ فالإنسان يملُّ من كل شيء قد اعتاد عليه، فيتحرك، ويسعى، للهروب من الرتابة، ليدفع الملل. فحتى اللعب الذي هو من وسائل دفع الملل؛ لو طال على نفس الوتيرة فإن الإنسان يمله؛ وكما يقول شكسبير: ((لو كانت السَّنة بكاملها إجازاتٌ لِلَّعب؛ لكانت الألعابُ مملَّة كالعمل، ولكن عندما تكون نادرة يتمناها الإنسان)) إن الملل محرِّكٌ تلقائيٌّ لا يختفي إلا بالانشغال عنه؛ فهو دائم الفاعلية ويتجدد ولكن استثماره مرهونٌ بقيم المجتمع واهتمامات الأفراد …
ورغم ثبات البنية الذهنية القاعدية التي يتطبَّع بها كل فرد في طفولته وتتعزز في مختلف مراحل عمره؛ فإن الدماغ يبقى متلهفًا لمتغيرات أو مثيرات جديدة كحاجةٍ دماغيةٍ طبيعية؛ فإذا لم يحصل ذلك فلابد أن يحاصره الملل؛ ومع أن الأصل في جوع الدماغ إلى المعلومات هو من أجل متطلبات البقاء، أو حتى كونه فضولا لحوحًا للتعرف على خصوصيات الناس، أو أية استثارات غير نافعة؛ إلا أن هذا الجوع الدماغي الطبيعي؛ قد أدى عند أفراد خارقين إلى إضاءات خارقة تطورت بها الأفكار والعلوم والمعارف والإمكانات البشرية؛ فلولا لهفة الدماغ الدائمة إلى أن يتعرف على أشياء جديدة لما تطورت العلوم ونمت المعارف وازدهرت الحضارة. وكما تؤكد الدكتورة ماريان كوخ في كتابها (ذكاء الجسد) فإن: ((الخلايا الدماغية تريد دائما تَعَلُّم أشياء جديدة)) فما يتعرَّف عليه الدماغ يكف عن الاهتمام به ويبحث عن جديد يتعرَّف عليه في لهفةٍ لا تتوقف؛ فحياةُ خلايا الدماغ، ونموها، واستمرار نشاطها؛ مشروطةٌ باستمرار هذه اللهفة إلى الجديد الممتع. وكما تقول عالمة النفس تارابينيت – جولمان في كتابها (الكيمياء العاطفية): ((المخ يصبح نشيطًا كلما صادف شيئًا جديدًا أو غريبًا، حتى يعتاد المخ على الشيء الجديد. ثم حالما يضع العقلُ هذا الشيء في إحدى الفئات المعروفة لديه؛ فإنه يتجاهله)) ثم تقول: ((يُعتبَر الملل أحد أعراض تدني مستويات الانتباه؛ فعندما نشعر بالملل، عندما يتضاءل اهتمامنا؛ يتناقص نشاط المخ تبعًا لذلك)) وهكذا تتضافر تأكيدات العلماء العارفين على أن انطفاء الاهتمام أو فتوره؛ هو نتاجٌ طبيعي تلقائي للدماغ والغدد المرتبطة به؛ فالرتابة في الحياة الزوجية هي نتيجة طبيعية حتمية …
إن فورةَ الاهتمام الجياش بين الزوجين؛ مرتبطةٌ بوفرة إفراز هرمون الدوبامين بينما أن التعود يجفف هذه الوفرة فتسود الرتابة. وكما يقول الدكتور بيرس هاوارد في كتابه الرائع (دليل المالك للمخ): ((فالرتابة تُقَوِّض إفراز الدومامين كما تقوض الأنظمة الانتباهية الضرورية)) لذلك فإن الرتابة والملل في الحياة الزوجية؛ ليست خاصة بامرأة دون أخرى، ولا برجل دون غيره، فلو استمرَّ الرجل يكرر الزواج، فسوف يتكرر التعرُّف والتعوُّد، ثم الرتابة، إنها نتيجة تلقائية حتمية بعد التكيف والتعود مع أي مثير؛ فبعد التعرف تعود الحاجة إلى الإثارة، وهي حاجةٌ حيوية عامة لحوحة، ولا تهدأ أبدًا إلا لكي تعود مرة أخرى وإلى ما لا نهاية، فكل إثارة يعقبها تعَرُّف وتكيف وتعود ثم فتور ثم خمود ثم رتابة وملل؛ يدفع للبحث عن مثير جديد؛ فهذه الطبيعة ضرورة حيوية؛ فهي التي تدفع الإنسان إلى مواصلة التعلم، لذلك فإنها دائمة التحفُّز، وبسبب ذلك صار السجن الانفرادي من أقسى العقوبات لأنه يَحْرم الحواس والجهاز العصبي من الإثارة؛ حيث يبقى الفرد في حيِّز ضيِّق، وتتكرر أمامه نفس المشاهد، وبذلك تصير الحواس والجهاز العصبي في حالة تشبُّع منَفِّر مما هو حاضر، وفي حالة مجاعة مخيفة لمثيرات جديدة غائبة، كما يكون السجين في حالة ملل مرعب؛ فالإثارة للحواس وللجهاز العصبي كالغذاء للجسم، إنها حاجة حيوية ملازمة للإنسان لا تنفكُّ عنه ولا تُفلته، فالبديل هو الملل الممض …
إن مطالب الإنسان، ورغباته، وتوقعاته، وأحلامه؛ تكون مغرية حتى ينالها فإذا نالها فقَدَ اهتمامه بها فلم تَعُدْ تعطيه ما كان يتصوره منها؛ يقول المبدع الفرنسي فلوبير: ((ورحت أتساءل؛ هل هذه هي المتع التي كنت أحلم بها، هل هذه هي كل النشوات الحارقة التي تخيَّلها قلبٌ رقيقٌ في عذرته، هل هذا هو كل شيء!؟ ألا يوجد خلف هذه المتعة الباردة متعة أخرى أسمى وأرحب، ألس هناك شيءٌ يجعلك تقع في نوع من الانخطاف!؟ أيعقل أن يكون كل شيء قد انتهى عند هذا الحد !؟)) متعة الفكر وحدها هي المتعة النامية المتجددة. أما كل المتع المادية فيعقبها الشعور بالفراغ واللاجدوى. لكن مصلحة الإنسان تقتضي هذا التأرجح بين الإثارة والملل لأنه يَحميه من الخمول الضار الذي يستبقي العقل متحجرًا، والفرد كليلاً، والمجتمع متخلفا، والحضارة متآكلة…
لكن خفوت الإثارة؛ لا يعني أن المثير فَقَدَ أهميته، وإنما يعني أنه لم يَعُدْ غريبًا ولا مجهولاً ولا غامضًا ولا مثيرًا، لقد صار شيئًا حاصلاً وليس مطْلبًا نسعى لتحصيله؛ فالحواس والجهاز العصبي تحتاج دائمًا إلى مثيرات خارج المعتاد؛ إنها تجوع إلى الإثارة، كما يجوع الجسد إلى الطعام، لكن جوع الدماغ إلى تجدد المعلومات وتنوعها أشد من جوع الجسد إلى تنوع الطعام، فالجسد يتقبَّل الطعام المتكرر؛ لأنه يحقق التغذية التي يحتاجها الجسم، أما الدماغ فيحتاج في كل مرة إلى غذاء مغاير ومعلومات مختلفة، حتى لو كانت معلومات زائفة أو ضارة، فالمهم أن تكون مثيرة. أما التحقق فإن الدماغ لا يُفَرِّق بين الحقيقي والزائف ولا بين الخطأ والصواب؛ فقدرة التمييز مكتسَبة وليست طبيعة تلقائية، وبسبب هذه الطبيعة للدماغ فإن تكرار المعلومة ذاتها يثير السأم، وبهذا النهم المتجدد يحصل التعلم وتنمو المعرفة وتتطور الفنون وتزدهر الحضارة، لكن استثمار هذه الطبيعة استثمارا نافعا وناجعا؛ يتوقف على اتجاه حركة المجتمع، ونمط النظام السياسي، وانفتاح الثقافة، والصراع المتكافئ بين الأفكار المتعارضة، وخصوبة البيئة معرفيا، وتشجيع النزعة الفردية، وتأكيد قيمة المعرفة اجتماعيا، وفتح الآفاق بالفرص المتكافئة، وربط المكانة الاجتماعية بما يملكه الفرد من علم ومهارة، وما يحققه من إنجاز، وما يلتزم به من أخلاق …
لقد شاعت في أوربا منذ القرن الرابع عشر مقولة: ((الألفة الزائدة تُوَلِّد الازدراء)) وناقشها جوليان باجيني في كتابه (هل تحكم على الكتاب من عنوانه؟) وينقل عن الأديب الأمريكي الشهير مارك توين قوله ساخرًا: ((الألفة الزائدة تولد الازدراء والأطفال)) أي أن الزواج يفرض قُرْبًا دائما وحياة مشتركة تؤدي إلى فقدان الإثارة وتوقُّف الاهتمام الإيجابي. وتتمخض عن إنجاب أطفال.!! إنها طبيعة بشرية عامة؛ فالدماغ البشري والحواس بحاجة دائمة إلى تجديد التغذية بمثيرات مغايرة …
إن الإثارة المتجددة؛ هي الغذاء الضروري للحواس وللجهاز العصبي، وما لم يحصل ذلك؛ فإن الرتابة والملل جاهزان للهيمنة المضجرة؛ لكن بإمعان النظر في الشيء الذي نظنه معلومًا نكتشف جديدا، فيتجدد الاهتمام ومثلما يقول فلوبير: ((لا شيء يصبح مملًا إن أنعمتَ النظر فيه طويلا)) في أمور المعرفة يندفع الفرد للبحث حين يكون أمام شيء يجهله وكما يقول وليم كوبر: ((يبدأ البحث عندما يحدث أمرٌ يشغل خيال المرء؛ شيءٌ يجهله؛ وتصبح مسألة التعرف عليه واكتناهه؛ جذابة وجزئيا يصبح ذلك الشيء نفسه مُهمًّا وأخَّاذا، ثمة شرارة وتحفيز يجعل عملية التعرف؛ فائقة الإثارة إلى حد يصعب مقاومته، هناك التماعٌ وكحال الحب يعرف الإنسان أنه وقع في أسره )) ويوضح العالم نورمان بريل : (( أن العمل والحب والأمل والبحث عن الجمال ورياضة النفس والتفكير العميق تبعث على إرضاء النفس ولا تحتاج إلى ما يبرر القيام بها سوى ذاتها )) إنها مطلوبة لذاتها من دون النظر إلى أي منافع أخرى إنه جوعٌ نفسيٌّ متجدد وتكيُّفٌ تلقائي حتميٌّ متكرر؛ يعْقُب كل تَعَرُّف فإذا أدرك الناس ذلك، واعتادوا عليه، وتكيفوا معه بوعي ونُضْج واستنارة، فسوف تستعيد العلاقاتُ المهمة قيمتها، وتصير في حالة تجدد دائم، غير أن ذلك يتطلب أن يعْلم الناس أصالةَ النقائص البشرية، فيكون تقييم بعضهم لبعض مبنيًّا ليس على توقُّع خلو الذات، والآخر من النقائص الطبيعية والثقافية وإنما على تقدير ما استطاع أيٌّ منهما تحقيقه من تحرُّر من بعضها، وأن يدركوا عمق الاختلافات بين الأفراد وأن اختلاف الآراء ناتج عن هذا الاختلاف التلقائي فيعلموا بأن الانسجام يقوم على التنازلات المتبادلة والتفهُّم الحكيم. وبذلك يطور الناس مهاراتهم في الحياة؛ فبمقدار إدراك الإنسان لطبيعته، وما يملكه من خيال، وما يمر به من تجارب، وما يكتسبه من مهارات في التعامل مع الواقع، وخَلْق الهالات للمعتاد، وتكوين الطرافة للمألوف؛ تتجدد مباهج حياته، وهذا هو الفن الرائع لممارسة الحياة، وهو فنٌّ يفتقر إليه أكثر الناس، ولكنهم بإدراك هذه الحقيقة عن طبيعة الإنسان التلقائية، وبالتعلُّم، والتدريب، والمران؛ يمكن أن يُجيدوه، ويُبرمجوا أنفسهم به، ويعتادوا عليه؛ فيصير سلوكا تلقائيًّا. إن هذه الطبيعة البشرية الباحثة دائما عن معلومة جديدة وعن مثير مغاير؛ هي التي جعلت الكثيرين يجهلون أسباب فتور الاهتمام المتبادل، وشيوع الملل والرتابة في الحياة الزوجية فيزعمون أن مؤسسة الزواج، مؤسسة فاشلة وقد أردتُ بهذا الفصل أن أوضح الأسباب البيولوجية لهذه الظاهرة وأن أُقَدِّمَها كشاهد قوي لنظرية التلقائية …
البعض يرى أن تجنُّب هذه النتيجة الحتمية؛ يقتضي التحايل على الدماغ لكي يدوم الاهتمام، وتتجدد الإثارة، وتستمر حرارة العواطف، وكما يرى المبدع أندريه كونشالوفسكي بأن حياة الإنسان تتزيَّن بما يسميه (الخدعة السامية) فلكي يعيش الفرد أملاً دائمًا؛ يحركه نحو المستقبل، فإن الأشياء التي لم يجربها أو لم يحصل عليها تكون محاطة بهالة جذابة ومغرية، ولكن ما أنْ يقترب منها ويحصل عليها، حتى تنقشع هذه الهالة فيوجِّه نظره إلى شيء جديد؛ مازالت تحيط به الهالة، وتجذب إليه، وتغرى به، إنه الدافع الإنساني التلقائي المتجدد الذي تُستثار به الطاقة الإنسانية وتتقدم به الحضارة. أما الاحتفاظ بحيوية الحياة الزوجية فيتطلب التحايل على الذات، بخلق ظروف متجددة …
الخدعة السامية؛ هو العنوان الذي اختاره اندريه للكتاب الذي يحكي فيه سيرته الذاتية فهذه الخدعة، هي التي كانت خلف انجازاته وإبداعاته، فالإنسان بطبيعته يسعى للحصول على ما لم يحصل عليه وإنجاز ما لم ينجزه واكتشاف مالا يزال يكتسي بشيء من الغموض وكما يقول أندريه: ((فإن الشيء المثالي هو الشيء الذي لا نملكه ولكن بمجرد أن يصبح ما نحلم به وما نصبو إليه؛ حقيقةً وواقعًا فإنه لا يعود شيئًا مثاليًا)) بل يصير شيئًا مألوفًا ومعتادًا وغير لافت ولا مثير، إن هذا الجوع المتجدد إلى التعرف على الأشياء والأشخاص والأوضاع والحالات وكل ما يلفت النظر في الوجود ويثير الانتباه؛ هو مفتاح التطور الإنساني، لكن هذا الجوع العقلي؛ ينطفئ بالانغلاق الثقافي والاستبداد السياسي والغبطة بما تم التبرمُج به تلقائيا؛ حيث تسود أوهام الكمال والاكتفاء فيتحول نهم الدماغ إلى مجالات ضارة فينشغل الفرد بالتعرف على أحوال الآخرين والنبش عن عيوبهم أو اختلاق النقائص لهم فالحياة البشرية صراعات مستعرة دائمة وجائرة من أجل المكانة …
إن هذا النهم المستمر إلى ما لم يحصل؛ يظل من أهم الدوافع الإنسانية للنمو والتطور وكما يقول كونشالوفسكي : (( إن الناس يصْبون دائمًا أن يكونوا أفضل مما هم عليه )) لذلك يزهدون بأي شيء متحقق لأنه تحصيلُ حاصل، ويتجه اهتمامهم إلى تحصيل ما لم يحصل فطبيعة الإنسان تقتضي تنويع مصادر الإثارة، وبهذه الخاصية؛ يندفع للبحث عن الجديد، فيتعلَّم، ويكتسب المهارات، وقد يبدع وتتزايد إمكانات الفرد إن كان في مجتمع يعترف بفردية الإنسان ويستحسن المغامرة و يُمَجِّد التفرد فالحاجة الطبيعية لتجدد الإثارة هي حاجة حيوية بالغة الأهمية …
أما عن معضلة خمود الاهتمام المتبادل وحلول الرتابة والملل في الحياة الزوجية فكما يقول كونشالوفسكي: ((الحب أيضا خدعة سامية فنحن نبقى محبين ما دمنا نخدع أنفسنا أي عندما نقوم بتحويل موضوع حبنا إلى شيء مثالي، والمثالية هنا هي اختفاء كل الصفات السلبية في خدعه سامية، نحب امرأة فنجعل منها مخلوقًا مثاليًّا لكنا لاحقاً بعد أنْ تنتهي سَورةُ الحب لا تصبح هذه المرأة بالنسبة لنا مشوَّهة فقط وإنما تصير مخلوقًا وحشيًّا)) إن الجهل بطبيعة الدماغ، وحاجته المتجددة إلى الإثارة؛ هي التي جعلت هذا المبدع ينسب الانطفاء إلى انتهاء سَورة الحب مع أن الذي انتهى هو الإثارة وليس الحب، إننا حين ندرك طبيعتنا بوعي ونُضْجٍ؛ نستطيع أن نتجنَّب هذه النتيجة الفاجعة، ونحتفظ بالتجدُّد المبهج، فنندهش من الهالات المستعادة فكل فرد هو عالمٌ مدهش، مختلف عن كل الآخرين، فالاختلافات بين فردين هي اختلافاتٌ لا نهاية لها، فنحن نتوهم أننا عرفنا الآخر بمجرد لقائه، أو التعايش معه، بينما نحن في الواقع؛ نتوهَّم ذلك حيث تبقى جوانب كثيرة تتطلب الاكتشاف مهما امتد الزمن ومن ناحية أخرى، فإن المرأة كائنٌ مدهش متجدِّد العطاء ومتنوع أسباب الإثارة إنها ذاتُ طبيعةٍ غامضة مختلفة عن طبيعة الرجل ومهما أوغلتَ في محاولة فهمها فإن غموضها يتجدد ،كما أنها ذات مفاتن لا تنفد، إذا نحن فتحنا أذهاننا وعواطفنا وخيالنا على آفاق هذه المفاتن…
الشاعر الفرنسي الأسطورة آرثر رامبو؛ قد أدرك هذه الطبيعة المنغِّصة في الإنسان فأكد : (( أن الحب يجب أن يُبتكر من جديد )) أما الفيلسوف آلان باديو فقد أعجبته هذه الومضة الكاشفة فراح في كتابه (في مَدْح الحب) يكررها ويعلق عليها فيقول: ((يجب أن نبتكر الحب من جديد ويجب أن ندافع عنه لأنه يواجه تهديدًا من جميع الأطراف)) إن الحب؛ قيمة أساسية عُليا في الحياة، فيجب أن نحميه من أي تهديد وأن نعمل على تجديد أسبابه، وعلينا أن نعلم بأن طبيعتنا التلقائية، هي أشد أعداء الحب، كما أنها العدو المتربص دائما بكل المكاسب والمسرات، حيث لا يهنأ المرء بأي مغنم ولا يرتاح بعد تحقيق أي طموح وإنما يبقى متلهفًا للمزيد مهما أدرك، وهي الطبيعة الايجابية التي كانت خلف المنجزات الفردية العظيمة، لكنها تأتي دائما لمصلحة العموم، على حساب راحة الفرد ومتعته، وربما أن استمرار تلهف أصحاب المشروعات التنموية الكبرى؛ إلى المزيد من التوسع والنجاح، وتلهُّف كبار الأثرياء إلى المزيد من المال؛ هو أوضح الشواهد على هذا النهم الذي لا يشبع، حيث يبقى أحدهم مندفعا لإنجاز المزيد وجمْع المزيد من المال مهما بلغت أمواله، فيستهلك نفسه ويحرمها من الراحة والمتعة بطريقة هي أبعد ما تكون عن العقلانية، وهي حالةٌ تشبه انتحار شغالات النحل حيث يضحين بأنفسهن تلقائيا من أجل المجموع؛ فلهفة رجل الأعمال إلى إنجاز المزيد من المشروعات أو لهفة صاحب الثراء الفاحش إلى المزيد من المال؛ هي لهفة تلقائية لا سيطرة له عليها، إنه يندفع رغمًا عنه بل قد يتأجج قلقه فيجفوه النوم وينهك نفسه وجسده وتضطرب صحته، وهذا منتهى العجز الإنساني عن مقاومة الاندفاع التلقائي …
يتحدث الفيلسوف الكبير هيجل عن الزواج فيؤكد أن: ((الحب هو شعور الفرد بأنه متحد مع آخر)) يعلق على ذلك ولتر ستيس في كتابه (فلسفة هيجل) فيقول: ((ففي الزواج يلغي الشخصان شخصيتهما المستقلة ويصبحان شيئًا واحدًا؛ لأن ماهية الزواج تكمن في أن شخصين مستقلين، يلغيان استقلالهما)) وهذا يقتضي التفهُّم العميق لكل منهما للآخر؛ فما يحصل من أي طرف منهما هو من نوع حديث النفس للنفس. ولكن بلوغ هذا المستوى من الاحتواء؛ لا يأتي تلقائيًّا وإنما يتطلب إدراكًا عميقا لأهمية العلاقة الزوجية وديمومتها. وكما يُنبِّه المفكر جوزيف كامبل في كتاب (سلطان الأسطورة) فيقول: ((ليس الزواج؛ علاقة غرام، فعلاقة الغرام، هي شيءٌ مختلفٌ تمامًا، فالزواج التزامٌ بهذا الذي هو بمعنًى ما أنت نفسك، فالحب هو معنى الحياة وهو أعلى نقطة في الحياة فهذا الشخص بالمعنى الحرْفي؛ هو نصفك الآخر، وأنت والآخر تصيران واحدًا، وليست كذلك علاقة الغرام، فهذه علاقة لذَّةٍ، وحين تصبح غير ممتعة؛ تنتهي لكن الزواج حياةٌ، والتزامُ الحياة يعني أنه الهمُّ الأول لحياتك، فإذا لم يكن الزواج هو همُّك الأول فأنت غير متزوج)) إنها رؤية فلسفية عميقة، وزاخرة بالمعنى، لكن ما أقل الذين يستطيعون الارتقاء إلى هذا المستوى الفلسفي الرائع …
الأفراد الاستثنائيون، وهم أقلية على المستوى الإنساني كله؛ يضعون للحياة الزوجية معايير عظيمة لكنهم يعلمون أن تعميم هذه المعايير والارتقاء إلى هذا المستوى الشامخ يكاد يكون محالا. لذلك فإن بعضهم يتجنبون الزواج لأنهم يعلمون بأنهم لن يجدوا نساء يرتقين إلى هذا المستوى الاستثنائي الذي يراد أن تكون عليه الحياة الزوجية. يقول آلان باديو: ((الحب خبرةُ اثنين؛ يعيش اثنان خبرةَ الاندماج المخْلص داخل الفكرة)) إن فكرة الحب؛ هي الرابط العذب الجميل، فينتقل التفكير من الشخص إلى الفكرة البهيجة، فطاقة الفكرة لا يمكن استنفادها، فهي قابلة للتفريع، وللتجدُّد إلى مالا نهاية…
الأصل في الإنسان أنه مدفوعٌ بما تحتاجه طبيعته ماديًّا ونفسيًّا، وبما اعتاد عليه وتطبَّع به من البيئة. أما التغلب على هذه الدوافع فهو ارتقاءٌ معرفي وأخلاقي مضادٌّ للطبيعة التلقائية وللتطبع الثقافي إن اندفاع الإنسان التلقائي للتعرُّف على الأشياء؛ يبقى محكومًا بالبيئة فقد يتم استهلاك هذا الاندفاع في بث الشائعات وفي استقبالها والتلذذ بها؛ إنها خاصية عظيمة لكن الغالب أنها تبقى في المسار السلبية التلقائية أما الارتقاء إلى المسار الإيجابي فيتطلب وعيًا استثنائيًّا ووثبة أخلاقية. ولكن يكفي أن الاندفاع الطبيعي إلى التعرف يكون عند القلة الريادية؛ منبع كل المكتسبات المعرفية، وفي نفس الوقت هو المصدر الذي يتدفق منه الانجذاب المتبادَل بين الرجل والمرأة، فعلينا أن نتذكَّر أن التجاذب بين المرأة والرجل يحصل لثلاثة أسباب أو لواحد منها؛ إنه يحصل من دون حب بل لمحض التعرُّف على هذا الكائن الغامض، كما يحصل أيضا بدافع الرغبة الجنسية المحضة العابرة من غير حب، أو يحصل بدافع الحب العميق المتجدد، وعلينا أن لا نخلط بين هذه الحالات المختلفة. وكما يقول باديو: ((الرغبة الأنانية ليست حُبًّا، مَن يُخفق في رؤيةِ أنَّ من الضروري لكي نحب أن نصبح غير أنفسنا، إنه نقيضٌ لقانون الرغبة في حد ذاته، فكرةُ أن نعيش منذ الآن فصاعدًا؛ اثنين؛ أن نتشارك الموقف من وجهتي نظر، إذن ذاتُ الحب، ليس هو أو هي، بل ذلك الذي يتجاوزهما في نحن، من دون أن يحدث انصهارٌ أبدًا، فالانصهار ليس سوى وهْم، في الحب يربط الإنسان نفسه بآخر من أجل أن يُشَكِّل ذاتًا معه)) هكذا هو الحب ليس امتلاكًا ولا احتكارًا، فلا يكون بتركيز أي منهما على ذاته، ولا على الشخص الآخر، وإنما على الفكرة التي تجمعهما، وبهذا يتحقق التَّفَهُّم والتفاهم، إنه تجاوزٌ للذات من كليهما، فترتقي الحياة إلى مستوى بهاء الفكرة ورحابة آفاقها؛ فالمحب ينسى نفسه، ويتجاوز التفكير في ذاته، وتسيطر عليه فكرةُ الحب ذاتها، إنه يدرك أن الحب قيمةٌ عظيمة متجددة، وليست تَعَرُّفًا محضًا، ولا احتياجًا عابرًا، وإنما هي علاقة أبدية، كعلاقة الفرد بذاته، إن عذوبة الحب؛ تجعل كل شيء عذبًا، وتقْلب المرارة عَسَلاً، إنه ارتباطٌ عميق، وعلاقة حميمة، ومودةٌ صادقة، وتشارُكٌ نبيل، إنه تجاوزٌ لحالة الاستجابات التلقائية وارتقاءٌ إلى مستوى الوعي القصدي المضيء، والإدراك العميق، والتقدير المتبادل…
جمال المرأة يلفت نظر الغريب فهو مأخوذٌ بسحر البُعد وإغراء الغموض أما زوجها فلا يلفت نظره؛ لأنه قد اقترب منه، وتعرَّف عليه، وهذا هو السبب الذي لم يفهمه أكثر الناس وكما قال المبدع الأمريكي وليم فولكنر: ((إنني لا أستطيع أن أصفها بلون شعرها أو عينيها، فهذه صفاتٌ يراها الرجل ويُعجب بها إلى حين، ثم لا تلبث أن تختفي عن ناظره، إن المرأة المثالية، هي تلك التي تبقى صورتها في رأس كل رجل، وهي صورة تستطيع هي وحدها أن ترسمها لنفسها بكلمة جميلة أو رأي سديد يثير إعجابه وتقديره فتبقى كلماتها حية دائمًا في مخيلته، كما لو كانت صورة رائعة لفنان مبدع )) إنه الذكاء المتوقد، والإدراك العميق، والتَّفَهُّم الناضج، وروعة التعامل، والاهتمام بالآخر، وتبادل الاحترام معه…
في رواية (آنا كارنينا) للمبدع الروسي العظيم تولستوي يقول عنها: ((نعم لقد كانت جميلة، ولكن أجمل ما فيها بصيرة كادت بها أن ترى كل شيء من حولها ولو في الظلام)) إنها رؤية البصيرة وليست رؤية البصر، إنه الذكاء اللاقط، والبديهة المشرقة، والحضور الآسر…

 

____________________________

تحميل الملف 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *