الشافعي : اكتشاف شاعر

 

د. مصطفى الضبع 

تتسع الشبكة العنكبوتية لكثير من الأصوات الشعرية الجادة، وبين وقت وآخر يطيب لي الارتحال بين المواقع والصفحات استكشافا واكتشافا لما لم تجتهد المطابع أن تقوم بوظيفتها الحيوية (ولم تعد كذلك) في تقديم الجديد.

ومن فضائل الشبكة اكتنازها بأصوات لم يكتشفها القارئ على نطاق واسع ولم تعرف طريقها إلى حلقات الدرس النقدي، ومقاربات الدارسين والباحثين في الشعر وعنه وبه .

فيما كنت أبحث عن معلومات تخص شاعرا أستعد للكتابة عنه، صادفتني هذه الكلمات للشاعر السعودي موسى الشافعي:

دع عنك شعر أبي نواس
ودع منادمة الوليد
واترك هراء الأقدمين
فمن زهير ومن لبيد؟

شاعر يستهل نصه بالدعوة إلى الترك، إلى أن يترك متلقيه نصا قديما لا أن يتمسك بصورة قديمة تقف على أطلال الماضي، ربما تقف عند دعوته بشكل مضاد وربما تسير معه مستجيبا ومعيدا النظر فيما يطلبه، ولك أيضا أن تقف عند الأسماء التي استعارها للتعبير عن ترك الماضي.

تجاوبت مع سهولة اللغة و مساحات عمقها وقدرتها على تشكيل رؤية شعرية لا تعقيد فيها، تنمو الصورة معتمدة على طاقة شعرية للمفردات بوصفها علامات لغوية تجتهد في بناء الصورة ومن ثم القصيدة، ومن حولها رؤية الشاعر لما يمثل تعبيره عما يشتبك معه من قضايا، وعما يطرحه من رؤى .

يستثمر الشاعر طاقة فعلي الأمر: دع – اترك، مكررا الأول لإضافة طاقة جديدة للفعل بالتكرار وللتمييز بينه وبين الفعل الثاني ” اترك” فيما يجسد المتروك بوصفه ماديا يمكن التخلي عنه، وصيغة فعل الأمر تكاد تكون واحدة من الصيغ الأكثر دورانا في الشعر العربي منذ القدم، حتى أن عنترة بن شداد يكاد يطرح القضية نفسها بصورة مختلفة حين يقول:

دَع ما مَضى لَكَ في الزَمانِ الأَوَّلِ   وَعَلى الحَقيقَةِ إِن عَزَمتَ فَعَوِّلِ
وإذا كان الشاعر قد عاد لما طرحه عنترة بطريقته العصرية، فإنه لا يقف عند عنترة باستدعائه بصورة غير مباشرة عبر المعنى، وإنما يستدعي شعراء بعينهم لإنتاج ما يتغياه من دلالة حين يستعير أربعة من الشعراء محددا جوانب من شعريتهم وكأنه يقرر ما يجب عليك فعله حين تقف عند أبي نواس بماعرف عنه، وعند الوليد (صريع الغواني)، معيدنا للوراء قرابة قرنين من الزمان لندرك في النهاية أن الشاعر لا يتقصد مجرد رفض هذا نوعا بعينه من الشعر بقدر ما يتمرد على فكرة العودة للوراء ذاتها، وأن نكون نحن أنفسنا، نعيش عصرنا لا نعيش عصور السابقين، لذا يبادر الشاعر إلى رفض البكاء على الأطلال :

“لا تبك أطلالا عفت 
وتحولت في البيد بيد
لملم جراحك لا تقف 
متأملا قصر الرشيد
وارسم لنا غابات بلور 
يلونها الجليد” !

يتحول الشاعر إلى صيغة أخرى للخطاب لا تبتعد دلاليا كثيرا عن صيغة الأمر (النهي بلا الناهية “منتجا صورة تقوم على سلسلة متماسكة من العلامات اللغوية يتصدرها ثلاث علامات أساسية  في سياق الصورة : لا تبك – لملم – ارسم .

  • لا تبك: فعل له دلالة التفريغ، تفريغ الذهن مما يطرحه معناه، أي التخلص من البكاء، بكاء الأطلال الموصوفة بالعفاء والتحول بفعل الزمن إلى بيداء، والشاعر يؤكد على انتهائها وزوالها بقطع الصورة عما يليها دون ربطها بالعطف أو غيره من الأدوات فلم يقل ” ولملم ” وإنما عمد إلى تفريغ الذهن من الصورة لإقامة الصورة التالية على أنقاضها ولتحتل مساحتها طامسة آثارها.
  • لملم جراحك: عودة لصيغة الأمر بعد تهيئة الوضع جامعا بينه وبين النهي بعدم الوقوف (لملم + لا تقف) منتجا حركة ممتدة تجمع بين اللملمة والاستمرار، فالقضية تتطلب مزيدا من الجهد للخروج من دائرة القديم ناهيا عن حركة بعينها (تأمل قصر الرشيد) أي لا يغرنك ما تراه وعليك تجاوز حالتك (يعتمد الشاعر اسم الفاعل في وضعية الحال معينا على تجاوز الأمر في زمن أسرع مستثمرا دلالة الحال على الزمن المتسارع)، مما يمهد لحالة مغايرة تتمثل في دخول الفعل الثالث .
  • ارسم: وقد هيأ الشاعر الظروف حين تخلص من الماضي وآثاره، وصوره العالقة في الذهن مما تغري الإنسان بتأملها، راح يدعو إلى الفعل الأكثر إيجابية فعل الرسم الذي يحدده بالخروج من القديم لرعاية عصرية تجعله يعود إلى الطبيعة عبر الغابات يتغنى بها ويعايشها، مستثمرا طاقة العلامة (الجليد) خروجا من طقس إلى طقس ومن زمن إلى زمن ، ومن حالة على حالة مغايرة .

وبعد أن يثبت الشاعر الصورة السابقة بما استثمره من طاقات اللغة التصويرية فيها يروح يرسم صورة تبدو للوهلة الأولى  منفصلة عن سابقتها ، ولكنها شديدة الصلة بها لكونها تعليلا لها، وتسويغا لمطالبها، راسما خارطة طريق لشعرية مغايرة:

“الشاعر العصري يا
هذا ينام على الحديد
ويخاف من أعصابه ال
سكرى فيلتحف الوريد

معتمدا الطاقة الشعرية لثلاثة أفعال أخرى متوالية تترابط بكونها أخبارا متعددة لمبتدأ واحد حدده بالعصري 🙁 ينام +يخاف +يلتحف) يقيم الشاعر سردية صغرى ترسم صورة جزئية لما يكون على الشاعر أن يعتنقه أو لما يجب على الشعرية أن تكونه ومع اجتماع دلالة النوم على الحديد ( أي أن يقف الشاعر على أرض صلبة تجعل موقفه ثابتا وأن يتحمل نتيجة موقفه مقاسيا برودة الحديد وحرارته)، وفي موقفه هذا يكون حساسا لما يثير توتر  أعصابه (السكرى بفعل احداث سابقة وضعته في موضع المتحمل مايطرحه واقعه فلم تصل أعصابه لهذه الحالة من السكر إلا بفعل مالم نطلع عليه ولكن يمكننا التوصل له من خلال ثورة الشاعر على الذين يتمسكون بالماضي في صورته الجامدة)، وهو ما يجبره على التحاف وريده، مما نفهم منه حالة الانكفاء التي يجد نفسه مجبرا عليها أو مضطرا للدخول فيها غير أنه لا يستنيم لذلك فيعمد في النهاية إلى الإقرار برؤيته الأعمق مستهلها بإبراز ضمير الأنا في نهاية القصيدة ولأول مرة في سياقها، كأنه يحيلنا على الوعي بأنه نموذج للتحقق عبر الماضي وأنه لافكاك من ماض يمثل جيناتنا الوراثية غير أن هذا الماضي حتى يكون عصريا فعليه أن يولد من جديد في كل مرة، تلك الولادة التي تمنحه القدرة على الاستمرار، بأن يخوض تجربة الماضي ليصل إلى درجة التحقق، نافيا إنكار ما مضى، مدركا تلك المسافة البعيدة الدالة على الرحلة الطويلة للإنسانية :

“أنا لست أنكر أنه
قد جاء من زمن بعيد
لكن ولادته هنا 
بين المعاني والقصيد!!

بمعنى أن يتخلص من كل شيء استعدادا للميلاد الجديد المناسب لعصره المتجدد فالشاعر باستخدامه العلامة اللغوية (هنا) يجعل من إشارته للمكان والزمان عملا غير محدد بأي زمان أو مكان وإنما هي ولادة منفلتة من سيطرة عصر معين وإنما هي دائمة التجدد .

يمنحك القصيدة الدافع لمتابعة تجربة صاحبها والإحاطة بجوانب شعريته وتفاصيلها، وإدراك مواطن الجمال والتميز فيها، وهو ما آمله لاحقا بمتابعة شاعر يليق به التميز .

————————————

  أستاذ البلاغة والنقد- كلية الآداب –

 جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *