الأدب الرقمي بين الإقرار بوجوده ونفيه

 

مقولة السناجلة تثير جدلاً واسعاً

 

الدكتور والناقد عبدالرحمن المحسني: النص الرقمي مسئولية نقدية، النكوص يوقع بالتتابع في خلل نقدي عربي.

الدكتور إبراهيم السماعيل: الأدب الرقمي والورقي فرسان في مضمار الأدب الفصيح.

القاص أحمد الزين: معارض الكتاب وما تحققه من أرباح سنوية تنفي مقولة أن المستقبل للأدب الورقي.

الروائية رقية دشتي: النص الورقي هو المحبب لدى الأغلبية.

الروائي رائد النبرواي: الأدب الرقمي هو أدب المستقبل، أدب جيل الأندرويد والهواتف الذكية والألواح الرقمية.

الشاعر الدكتور: عبدالله الخضير: علينا أن نأخذ الأدب الرقمي بعين الاعتبار ونستفيد منه ونطوره.

 تحقيق: ملاك العجيلي

رافقت العولمة ثورة معلوماتية هائلة، وتقدم تكنولوجي مذهل؛ وأكبر مثال على ذلك ثورة الاتصالات، التي بلغت أوجها في شبكة الأنترنت، وأظهرت لنا ما يسمى بالأدب الرقمي، الذي يعد مرحلة متطورة من الأدب، مرت بمستويات متعددة؛ حتى فرضت واقعها وذاتها على مثقفي هذا العصر، ويرى البعض منهم  أن التعامل مع النص الرقمي بلا شروط معرفية نقدية واعية يعد إخلالاً بمنطق تلقيه؛ لذا لابد من إيجاد وسائل نقدية خاصة به، ويرى البعض الآخر منهم أنه لا وجود لمسمى الرقمية في الأدب؛ فالنص يبقى نصاً سواءً كتب على ورق، أو على أي وسيلة أخرى والنظر يكون له، لا للحامل أو الوسيلة التي نقل بها .

ونظراً لوجود الكثير من الآراء المختلفة حول هذه القضية؛ سلطت مجلة فرقد الإبداعية الضوء على الظاهرة، وجمعت بعض أراء المختصين، والنقاد، والأدباء من داخل المملكة وخارجها عن هذه القضية المثيرة للجدل؛ من خلال إجابتهم على المحاور التالية: أختلف النقاد حول هذه القضية فانقسموا إلى فريقين؛ فريق معترف به، ويطالب بإيجاد وسائل نقدية خاصة به، وفريق ينفي وجوده، فـ/ أيهما تؤيد ولماذا؟، هل ترى أن الأدب الرقمي يشكل تهديداً على الأدب الورقي أم أنه ليس سوى مرحلة متطورة له ولا ضرر عليه منه؟، ينفي بعض النقاد وجود الأدب الرقمي في المملكة العربية السعودية قائلاً: أن كل ما لدينا مما يقال عنه أدب رقمي؛ هو في الأساس أدب يكتب ويدقق، ثم ينشر في وعاء رقمي؛ ونشره في هذا الوعاء الرقمي لا يجعل منه أدباً رقمياً، فما رأيك؟، وإن كنت مخالفاً فهل تذكر لنا أسماء سعودية لدينا تثبت وجوده؟!، هل الأدب الرقمي هو نفسه الأدب التفاعلي أم أن هناك فرقا بينهما؟، ما رأيك بقول الروائي السناجلة في أن الرواية الرقمية هي رواية المستقبل شاء من شاء وأبى من أبى؟.

شاركنا الدكتور الناقد عبد الرحمن المحسني بقوله:

أود أن أقدم بالقول: إن الحوار حول مثل هذه القضايا سيكون ضرباً من الهزل المباح في وقت قريب وأؤكد أن كل نص أدبي على الشبكة هو نص يستحق الاهتمام والدراسة، والحفظ على شرط الأدبية والجمالية الفنية؛ أن ثمة اتجاهات للنص الأدبي على الشبكة الإلكترونية، يحسن توضيحها هنا، وذكر آليات التحليل، والرؤية المصاحبة لها، وهي:

•أولا: اتجاه النص الذي يكتبه المبدعون على فيس بوك، وتويتر، وانستقرام، ويوتيوب، أوغيرها، وتلك ثروات أدبية ينشرها الشعراء والمبدعون بمئات النصوص يومياً؛ ولا تلبث بعد أيام، بل ساعات أن يزول أثرها حتى يتلاشى؛ وفقدانها هو اخترام لسجل أدبي يذهب، ومسؤولية المؤسسات أن تقوم بحفظ هذا النص، ومسؤولية النقاد دراسته، ومقاربته، والإسهام قدر المستطاع في حفظه وتخليده.
أن يقول أحد: إنه لا يختلف عن النص الورقي؛ ليبرر عدم دراسته؛ فهذه بالتتابع توصلنا إلى تلاشي النص، وتجعلنا أمام جناية تاريخية لن يغفرها لنا الزمن؛ لأنها نصوص أدبية ذات عدد كبير، يضخ في المواقع يومياً، ومنها نصوص ذات قيمة، تكتب لوقتها، وترحل أمام نظر المؤسسات والنقاد!، هذا من جهة، ومن وجهة أخرى، فإن التقنية ستلقي بظلالها على تكوين النص؛ فالنص ابن بيئته كما يقال، والبيئة التقنية التي كتب عليها النص؛ لن نسلم بعدم تأثيرها على النص سواء في المكونات الذهنية لنشأة النص، أو ما يصاحب النص على النشر الإلكتروني، من توظيف صور مصاحبة، أو صوتيات أو تغيرات في البنية حسب الحامل؛ مما يصعب غض النظر عن تأثيرها في بنية النص وتلقيه؟!..؛ إننا بالتجاهل نقع من حيث نعلم، أو لا نعلم في خطيئة تاريخية؛ بمحاولة تجاهل هذا النص، وتغييبه، والدعوة إلى إقصائه، وما يصاحبه من نقد ومقاربات تحليلية؛ ولنا عبرة مؤلمة في المنتديات الأدبية على الشبكة، التي تلاشت بمدوناتها، وبما فيها من جمال، وإبداع، وتاريخ ثقافي وأدبي؛ وأغلبه -إن لم يكن كله -نشر إلكترونياً ابتداء وانتهاء؛ وأخشى أن يأتي يوم ننعى اندثار تاريخ أدبي، شعري، وسردي على مواقع فيس بوك، وتويتر… الخ؛ الأمر الذي سيجعلنا _ إذا بقينا في هذا التناسي_ نرحل بلا ذاكرة أدبية للأجيال؛ ( قدمت في ظل هذا الهاجس مبادرة لحفظ النص الرقمي، إلى رئيس نادي جدة الأدبي في ملتقى النص 15، ولعلها ترى النور والتفاعل )؛ وحسب النقاد الذين يقاربون هذه النصوص الإلكترونية؛ أن جهد الدراسات لأدب تلك المواقع، يلقي الضوء على أدب هذه الحقبة التاريخية، ويسهم في حفظ بعضه، ويحلل تلك النصوص، بأدواتها الفنية المناسبة، ويبقى النص الأدبي فيها أوسع، من هذه الجهود الفردية البسيطة.
•الثاني: نص لا يقرأ إلا على الشيكات التقنية؛ كنص مشتاق معن (تباريح رقمية)، وهناك دراسات وأطروحات أكاديمية، تناولت نصوص سناجلة؛ وما زالت النصوص قليلة في هذا الاتجاه تحديداً؛ وما زالت الأدوات النقدية قاصرة عن قراءة تلك النصوص، ولعل المستقبل يكون كفيلاً بتجديد الجهود في ذلك، وقد كنت كتبت عدة مقالات عن (أزمة النص الرقمي في فرقد يمكن مراجعتها)، وهي تخص هذا النص تحديداً، الذي يفيد من كل عناصر الميديا على الشبكة.
•الثالث: نصوص عربية قديمة، تم رقمنتها على الشبكة العالمية، وهي ذات أهمية كبيرة، تقارب النص التراثي بأدوات تقنية حديثة؛ وهذه تلقي مسؤولية أخرى على المؤسسات التربوية، والأكاديمية؛ أن تفيد من طاقة التقنية في مقاربة تلك النصوص العربية القديمة، وتقريبها للطلاب، ومقاربتها التقنية، وتعزيزها كبديل في المناهج التعليمية.
•الرابع: النص التجريبي على الشبكة؛ وهذا مدخل لنص لا يمكن تحديد مآله، ولعل من التجارب العالمية؛ النص الشعري الذي تنتجه التقنية دون تدخل إنساني، سوى إدخال مفردات ضمن تطبيق، ولا أحد يعلم أين يقف النص الأدبي، في تعاطيه مع تقنيات متجددة!؛ والذي نراه واقعاً أن الورق بدأ يتراجع بشكل ملحوظ؛ فالصحيفة الورقية، والكتاب الورقي نرى تراجعها، ونرى عياناً: كيف يتعامل المثقفون، بل المجتمع الناشئ معها؛ وهذا سيجعلنا نحكم على النص الشعري الورقي؛ أنه سيتراجع تماماً،وما لم نسارع في صنع أدوات تلق جديدة لحفظ النص ودراسته؛ فستكون دراساتنا الورقية خارج دائرة الزمن، وسيكون الديوان الورقي جزء من التراث؛ أقول هذا بقياس الواقع على الواقع؛ وأقول هذا لأن التباطؤ من المؤسسات في متابعة حفظ النصوص، وتوجيه الدارسين لها؛ سيجعل الأجيال بلا ذاكرة تدرس ..

كل نص أدبي (وأؤكد على الجمالية الفنية) اتصل بالتقنية على أي وجه، فهو يستحق المقاربة والكشف، منذ اتصال الكتابة بالنص من ال sms إلى إنستقرام وما بعده؛ بل من ظهور تقنية الطباعة، وتأثيرها على صناعة العتبات، ودورها في دعم التشكيل البصري، ناهيك عن التقنيات الأحدث؛ وهو اتصال بأدوات تقنية متعددة؛ كل تقنية تحمل النص الأدبي، وتلقي بظلالها وأثرها عليه.
كما أن هناك دراسات وبحوث أكاديمية نشرت في المملكة، وغيرها من الجامعات العربية، ورسائل علمية تستحق التقدير؛ لدورها الريادي والاستشرافي للتعامل مع هذا النص العصري؛ وكون النصوص كانت ورقية، ثم رحلت للتقنية هذا لا يعني عدم دراستها كما قلت آنفا؛ إذ كانت التقنية تضيف بعداً على النص، كالصوت، والصورة، والإضاءة، أو التفاعلية مع النص، أو تغير تشكيل بنية النص؛ وكلها ظواهر يمكن دراستها ومقاربتها، ومنذ صدور كتابي خطاب ال sms قبل عشر سنوات، إلى كتابي بصريات نقدية الذي صدر هذا العام عن نادي جدة الأدبي؛ وأنا أزداد قناعة أن هذا النص يستحق الوقوف معه، وأنه يعد مسؤولية نقدية، النكوص عنها يوقع بالتتابع في خلل نقدي عربي؛ ولا أزعم من قبل ولا من بعد، أن جهدي أو الجهود المحدودة لبعض البحوث، والدراسات الأكاديمية في بعض الجامعات العربية يكفي؛ فنحن نحتاج إلى التفات مؤسسي، وأكاديمي جمعي، مع التأكيد دائما على شرط الأدبية، على نوعية النصوص على الشبكة التي ذكرتها سابقا، وأؤكد عليها هنا.
وبخصوص النص السعودي على الشبكة، أقول: لا فائدة من تجزئ التجربة العربية في ظل التقنية، التي جعلت العالم شبكة متصلة، لكن للإشارة إليه أقول: إن إشارة سريعة إلى نموذج موقع تويتر، وفيس بوك، أذكر تجربة نصوص عيسى جرابا، وفواز اللعبون.
وفِي الفيس بوك أشير إلى موقع نادي القصة السعودي الذي يشرف عليه خالد اليوسف، وأشير إلى تجربة سعودية كانت لا فتة للانتباه من متخصصي الأدب الإلكتروني العالمي من فرنسا تحديداً، حينما عرضت في المؤتمر الدولي للأدب الإلكتروني العربي في جامعة روتشستر، وهي رقمية شعرية للشاعر محمد حبيبي، توظف عناصر الميديا الكاملة مع النص الشعري.
في مؤتمر الأدب الإلكتروني العربي الذي نظمته منظمة الأدب الإلكتروني العالمية alo، وعقد في جامعة روتشستر للتكنلوجيا، وشرفت بكوني عضواً في لجنته العلمية.
في هذا المؤتمر الذي حضره أقطاب الأدب الإلكتروني في العالم، من أمريكا، وأوروبا، والعالم العربي؛ لم يحسم مفهوم الأدب الإلكتروني، ولكن الذي كانت عليه أوراق المؤتمر، شملت كل الأنواع الأربعة، التي قدمت بها في هذا التحقيق، ومنها ورقتان لباحثة إيرلندية عن نص عمر الخيام، وأخرى لباحث أمريكي عن المعلقات السبع، وهذا يعطي مفهوماً متسعاً لمفهوم الأدب الإلكتروني، يشمل كل نص أدبي يتصل بالتقنية على أي وجه.
وأخيراً محمد سناجلة له عدة روايات وليست ( شات وصقيع) وحدهما، وهو يعد متفرداً في التوظيف الأمثل للتقنيات المختلفة مع النص الروائي، ويلتقي معه في جانب الشعر الشاعر العراقي مشتاق عباس معن؛ لكن النصوص العربية التي توظف عناصر الملتيميديا محدودة، كما أتفق معه أن المستقبل للنص الرقمي رواية وشعرا، مع أمل أن يبقى توهج الكلمة الأدبية في ظل ضغط العناصر الأخرى .

وأجابنا استاذ البلاغة والنقد الدكتور إبراهيم السماعيل قائلاً:

أرى أن فحوى النص وروحه لا تتغير بتغير الحامل، ورقياً كان ذلك الحامل، أم الكترونيا، وإنما المتغير هو بعض الخصائص، ومن أهمها في النص الالكتروني: الاختزال، والاعتماد على بعض التعابير التقنية المصاحبة؛ من صور وتعبيرات جاهزة، ونحو ذلك، كما أنني لا أٍرى التهديد من الأدب الرقمي للورقي؛ إذ هما فرَسَان في مضمار الأدب الفسيح.

العجيب من نفي أدب رقمي موجود في العديد من الصفحات التي تراها العين، صباحا ومساء!؛ والأسماء أكثر من أن تُذكر؛ أرجع الجمهور الذي ينفي وجود الأدب الرقمي في المملكة العربية السعودية، إلى بحثي في ملتقى قراءة النص 15 المقام في جدة مؤخرا بعنوان (الجهود الشبابية الأدبية في التقنيات الحديثة)، وإلى غيره من الأبحاث؛ ليقفوا على التنوع الرقمي للمبدعين السعوديين والمبدعات، ممن أثروا الساحة الرقمية بإبداعاتهم.

وأخيراً أرى أنه لا فرق بين الأدب التفاعلي والأدب الرقمي؛ ونعم الرواية الرقمية هي رواية المستقبل، دون مصادرة أخواتها من الروايات في القوالب الأخرى.

 

ويعقب القاص أحمد إسماعيل زين قائلاً:

بالنسبة لي لازلت أؤيد وبشدة النص الورقي على النص الرقمي، أمَ لماذا؟؛ فلعدة أسباب من أهمها: أني أجد متعة في القراءة الورقية، أكثر من القراءة الرقمية، وأجد مقدرة على التركيز فيما أقرأه بالنص الورقي، والربط في أحداث فيما أقرأه، بالعودة للمقدمة والوسط متى أريد؛ بينما النص الرقمي يصيبني بالتشتت، وقلة التركيز؛ كما أنه لا يمكن للأدب الرقمي أن يشكل أيّ تهديد، أو إلغاء للأدب الورقي؛ طالما هناك مؤيدون لـ(النص الورقي)، وإنما يعتبر (النص الرقمي) مرحلة متطورة، وامتداداً للأدب الورقي، وله مؤيدون في عصر الثورة المعلوماتية، وطالما الحال على هذا الوضع؟؛ فلا ضرر على أحدهما من الآخر، و أنا مع من قال بوجود الأدب الرقمي في المملكة العربية السعودية؛ وأعرف نماذج وأسماء ـ أرجو أن تعفوني من ذكرها ـ أصدروا إصدارات، وكتب ورقية، من كتاباتهم الرقمية، كما أعترف للوعاء الرقمي بفضل وصول نتاجنا الأدبي الورقي، إلى الجمهور المؤيد للأدب الرقمي، وإلى من لم نستطع الوصول إليه؛ بسبب الظروف الراهنة بالوقت الحالي في العالم العربي، ولكن هناك فارق خفي قد يغيب على جمهور الأدب الرقمي؛ وهو أن الأدب الرقمي، وبالذات ما ينشر منه في وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة؛ عرضة للسرقات الأدبية، ولعبث لصوص الأدب.

أما بخصوص رأيي فيما قاله الروائي القدير السناجلة هو: أنه ربما بنى قوله هذا من واقع تجربة شخصية؛ نقدرها له بكل احترام، وفي الغرب بدأت رؤيته هذه تتكشف بشكل واضح للعيان ـ برغم كرهي للتعميم ـ ولكن في عالمنا العربي لاتزال معارض الكتاب الدولية، وما تحققه من أرباح سنوية؛ تنفي حتى الآن هذه المقولة.

 

وترى الروائية الكويتية الأستاذة رقية دشتي:

أن النص الورقي هو المحبب لدى الاغلبية؛ لما له من مميزات عديدة؛ يستفيد منها القارئ ككتابة الملاحظات … إلخ، وكما أرى أنه من الممكن أن يندمج القارئ أثناء القراءة في النصوص الورقية أكثر من الرقمية، وذلك لأن بعض القراء يشعرون بالملل عند قراءتهم للنص الرقمي، وأنا منهم أشعر بأنني لا أستطيع الانتهاء من قراءة النص الرقمي، بشكل سريع على عكس قراءتي للنص الورقي.

أما بالنسبة للأدب الرقمي فمن الممكن الاستفادة منه في بحوث الجامعة للطلاب، أو حتى من يريد البحث عن بعض الكتب بصورة سريعة، ومن ينفي وجود النص الرقمي في المملكة العربية السعودية أو خارجها؛ أقول له هو إن لم يكن موجوداً اليوم سيوجد غداً؛ لذا علينا أن نتقبل التطور؛ لأن لكل منهم سلبيات وايجابيات.

وأخيراً أرى أن هناك فروق بسيطة بين الأدب التفاعلي والأدب الرقمي؛ وهذا في كون الادب التفاعلي يشمل تفاعل الآخرين بصورة مباشرة، ويكون متناقل في مواقع التواصل الاجتماعي. اما الادب الرقمي فهو متداول عبر المواقع الالكترونية، وبنص طويل يتيح للكاتب أخذ مساحة كبيرة لكتابة ما يشاء.

أما بالنسبة للروائي محمد السناجلة ونشر رواياته بالطريقة الرقمية؛ فربما لأنه يرى أن الطريقة الرقمية هي الأنسب والأسهل له؛ أو ربما لأنه يرى أن النشر بالطريقة الرقمية يتواكب مع المعيشة الحالية، وأن هذا الجيل جيل الالكترونيات؛ لكن بالنسبة إلي فأنا أرى أن القراءة بالطريقة التقليدية؛ هي التي ستبقى على مر الزمن، شاء من شاء و أبى من أبى.

 

ويضيف الروائي رائد يونس النبراوي من مصر قائلاً:

 أعتقد أن القراءة النقدية للنص الورقي؛ تختلف عن القراءة النقدية للنص الرقمي؛ فهذا النمط الجديد من الانشاء له أصول تختلف تماماً، عن تلك الموجودة في الاتساق الكتابي؛ فالوسيط الجديد (الحاسب الألي والشبكة العنكبوتية ) يتيح الكثير من الأدوات المتنوعة، الغير موجوده في الفضاء الكتابي، فمثلاً يمكن الاستعانة بالوسائط المتعددة، من صور، وفيديوهات؛ لإضافاتها في النص بسهوله بالغه؛ كما تؤدي فكره الترابط التشعبي إلي انهيار صورة التلقي الخطى الكتابية، ذات المسار وذات الاتجاه الواحد؛ فالنص الرقمي بنية كتلية، تتألف من مجموعة من الكتل النصية، التي يمكن التنقل بينها اعتماداً علي الروابط LINKs, ؛ فنقرة علي زر الفأرة تنقل المتلقي إلي كتلة نصية جديدة، قد تكون مختلفة في كل محتواها البنائي؛ وأدى هذا التكوين الكتلي إلي أن يكون من المتعذر تصور العمل الأدبي الرقمي، ببداية ونهاية كما هو الحال في النص الكتابي أحادي المسار،. في الوقت الذي أصبح الجميع يبحث عن وسائل سريعة؛ للوصول السريع لمبتغاه، أظن أن النص الرقمي احتل مكانه كبيرة، وأصبح يزاحم النص الورقي على مكانته؛ خصوصاً لما يملكه من أدوات تسهل على القارئ كثيرا؛ إذ أنه يستطيع الانتقال بين كافة الموضوعات بسهولة، والبحث داخل النص الرقمي؛ وحتى هذا الوقت لم يتطور النص الورقي لمواجهه نظيره الرقمي؛ ولكن اعتقد ان التكنولوجيا ستدخل في النص الورقي لتجعله أكثر ابداعا.

من ناحية أخري لم يستطع مجتمع القراء بعد أن يطور عقداً اجتماعياً جديداً، يرسم أفق التوقع الخاص بالأدب الرقمي، وكل ما يحدث اليوم هو أن متلقي الأدب الرقمي، يطأ أرضا مجهولة لا عهد له بها، من غير أن يعرف قوانينها وضوابطها المحلية؛ وهو يطور تجربته الفردية ببطء؛ نتيجة لصعوبة الانعتاق من ربقة الأدب الكتابي الخطي؛ غير أن جيلاً جديداً ينشأ علي هذا النوع الجديد من الآداب والفنون، جيل يتآلف مع تقنية الوسائط المتعددة، ويجيد استخدامها، ويستمتع بها أكثر من متعته بالقراءة الخطية للنصوص الكتابية.

أما بالنسبة لنفي وجوده في المملكة العربية السعودية ؛ فأنا للأسف لم اعرف، أو سبق لي وقرأت عن أدب رقمي موجود في المملكة العربية السعودية؛ كما أن هذا أمر طبيعي فإنتاج الادب الرقمي في عالمنا العربي ككل ضعيف، ولم يصل بعد إلى تلك المرحلة التي وصل اليها في الغرب؛ إلا انها محاولاتنا العربية جيدة؛ وستكون جزء من الذاكرة التاريخية لذلك الأدب؛ لأننا  نمتلك رؤية نقدية ومعرفية حول المنجز الغربي في هذا المضمار، كما نحترم أيضاً شروط تكوّن التجربة الإبداعية؛ أي احترام مناخ التأسيس؛ والذي أعني به الشروط الثقافية والعلمية العربية؛ لهذا أعتبر أن كل محاولة لإنجاز النص الرقمي في التجربة العربية؛ تعد رائدة بالقياس إلى وضعية الوعي النقدي والإبداعي بهذا الأدب الجديد.

و أخيراً أرى أن هناك اختلافاً بسيطاً جداً ما بين الأدب الرقمي والأدب التفاعلي؛ فالأدب الرقمي ووصفه بالرقمية؛ يعود الى أن الرقمية هي الطريقة الجديدة في عرض الأدب؛ من خلال النظام الرقمي الثنائي، والذي يقوم على جهاز الحاسوب، أما الأدب التفاعلي فيركز على خاصية التفاعل، والتبادل المتعلق بنظام الكتروني، اتصالي بحيث يكون الجواب فيه مباشراً، ومتواصلاً من خلال الحاسوب، الذي يحقق التفاعل في أقصى درجاته ومستوياته، بين النص وعلاماته بعضها ببعض (اللغة، الصورة، الصوت، الحركة سواء كانت متصلة او منفصلة، وبين العلامات بعضها ببعض لكونها مترابطة).

أما بالنسبة لرؤيه الكاتب محمد السناجلة؛ فأنا أراها صحيحه إلي حد ما؛ ونعم الأدب الرقمي هو أدب المستقبل، أدب جيل الأندرويد، والهواتف الذكية، والألواح الرقمية؛ وتواجده لا يلغي تواجد الكتاب، ولا القراءة الورقية؛ فهما يتعايشان معاً جنباً إلى جنب، دون أن تنفي خصوصية أحدهما الأخرى، لكن ينبغي علينا الإشارة إلى أن القراءة حتى قبل الأدب الرقمي، كانت تعرف عزوفاً شديداً من طرف القراء؛ لارتفاع ثمن الكتاب، ومحدودية توزيعه، أو سوء طباعته؛ نظراً إلى ارتفاع ثمن تكلفة الورق، وقد يحل النشر الإلكتروني أزمة القراءة؛ لأنه سيسهم في توفير الكتاب، حتى المحظور أو المغمور، الذي لم يلق حقه من الإشهار، والتسويق ومن دون ثمن.، وسيحدث تحولاً في شكل القراءة، التي ستبتعد عن التتابع؛ لصالح قراءة اختيارية تصفحيه، لا تخضع سوى لرغبات القارئ واهتماماته؛ القارئ المبهور بكل جماليات العرض، وبأيسر طرق البحث، والإبحار والوصول إلى المعلومة.

 

كما شاركنا الدكتور/ عبدالله الخضير قائلا:

 

 

لا شك أن أي أديب ليس ببعيد عن أي تقنية حديثة أو حضارة جديدة أو وسيلة تجعله ينقل أدبه للمتلقي بسهولة، فعندما نتحدث عن الأدب الرقمي هذا يعني أننا نتحدث عن الأدب الكمبيوتري أو التويتري أو الواتسابي أو أي تقنية حديثة نقلت لنا الأدب.

وأرى أن التقنية الحديثة لم تنقل لنا الأدب فقط بل جعلت فيه نوع من التفاعلية وقلت “نقلت لنا” لأن هذا الأدب الرقمي أو التفاعلي ليس وليد هذا الوقت وإنما هو نظام غربي كان موجود في باريس وكندا من قبل ثم وصل إلينا فأصبح مطلب حضاري لأنه يتيح للمتلقي فرصة جديدة لتصفح الأدب بيسر وسهولة عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي ولما يقدمه من ترويج كبير للمشاركة بسرعة نشرها ولكن الإشكالية تكمن هنا في عدم حفظه لحقوق الملكية الفكرية كما في الأدب الورقي وفي النشر عندما يكون هناك تفاعل ينم عن إعجاب والنص أقل جوده لكنك تراه نشر بسرعه وسهولة ووصل إلى المئات لما ناله من اعجاب بعض المتابعين فالإشكالية في النشر تكمن هنا في تأثير هذا الأمر على الأدب بشكل عام.

من وجهة نظري أرى أن الأدب الرقمي هو أدب المستقبل ، فهو يقدم جمالية وله خصوصية وبه تعددية للمتلقي وتعددية للتأليف ووجود روابط تسهل أمر تحميل وقراءة العديد من الكتب بنقرة ومجاناً والأهم هو إتاحة فرصة إطلاع المتلقي على جميع كتب الأدب التي كان يصعب عليه من قبل الاطلاع عليها لأنها ممنوعة من النشر في بلده ، وحديثي هذا لا يعني أنني أقلل من أهمية الكتاب الورقي و ألغيه فهذا غير صحيح ولكن أوضح  أن الأدب الرقمي موجود وهو حقيقة ويجب أن نؤمن بأهميتها ، فهذا الجيل جيل الهواتف الذكية ويعتمد عليها في كل شي وليس هذا الجيل فقط بل أنا أيضاً استخدم أحياناً هاتفي النقال في تحميل كتاب pdf أو مطالعة الأدب في الفيس بوك وتويتر كما أننا جميعنا نقرأ في هواتفنا القصائد الشعرية والقصص القصيرة وغيرها .

وأخيراً أقول أن علينا أن نؤمن بوجود الأدب الرقمي ونتعايش معه ونأخذه بعين الاعتبار كما أشيد بانه يجب أن نستفيد منه ونساهم في تطويره من خلال توظيفه في أدبنا فأنا مثلاً أسجل القصيدة فيديو ثم انشرها وهذا توظيف للأدب يجعله يحصد رواج كبير في المقابل لو أنني وضفت هذه القصيدة في ديوان لما لقت هذا الرواج نفسه ولن تصل إلى القراء بالسرعة التي وصلت فيها إليهم من خلال نشرها بحامل رقمي و أكرر هذا ليس تقليل من شأن الكتاب الورقي ولكن نحن في علينا أن نستغل فيه هذه التقنيات الحديثة لصالحنا .

ونعم أنا أتفق مع السناجله الأدب الرقمي  هو أدب المستقبل .

2 thoughts on “الأدب الرقمي بين الإقرار بوجوده ونفيه

  1. هنيئا لأدباء العرب بهذا الإنجاز ولو أنه متأخرا مقارنة بالغرب فما أحوجنا إلى مثل هذه الدراسات التي تنير درب وطرق الباحثين وتجيبهم عن الأسئلة التي تتخامر في أذهانهم.

  2. تحقيق رائع ومميز ومواكب للحراك الثقافي الذي حدث مؤخرا في ملتقى النص بجدة
    ملاك العجيلي مبدعة ومميزة دائما وفقك الله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *