تلقائية الرتابة في الحياة الزوجية 2

 

تلقائية الرتابة في الحياة الزوجية
( الجزء الثاني )

إبراهيم البليهي  

 

– 2 –

 لكي نحافظ على صداقاتنا وعلاقاتنا مع الآخرين على مختلف المستويات، ونحتفظ بمتانة الحب واستمراره ومباهجه وتجدُّده في العلاقة الزوجية؛ علينا أن نعي حقيقة أننا مختلفون فكل فرد هو عالَمٌ مختلفٌ عن غيره في تركيبة ذهنه وفي اتجاهات عواطفه وفي القيم التي تحركه وفي معارفه وفي اهتماماته وفي المعايير التي ينظر بها وفي ردود فعله واستجاباته للمواقف والمؤثرات، فبدلاً من أن نجعل هذا الاختلاف سببا للخلاف والتنافر، يجب أن نستثمره؛ فنجعله سببا في الثراء والتجاذب، فمن واجبنا ومصلحتنا أن ندرك أن هذا الاختلاف ثراءٌ ونعمة، وأن فيه أسرارًا تستحق الاكتشاف، وأن التوافق ليس تلقائيًّا، وإنما هو عملية واعية تتسم بالإدراك والتروي والتفهُّم والحكمة والتحرر من الأحكام المسبقة، فننظر لهذا الاختلاف كمزية، وخصوبة، وثراء، وليس كمشكلة وكما يقول آلان باديو: ((الحب الذي يقبل التحدي ويقبل الاستمرار ويقبل خبرة العالم؛ هذا تمامًا هو الحب الذي أسميه: مشْهدًا من اثنين؛  إنه من وجهة نظر الاختلاف يُنتج حقيقة جديدة حول الاختلاف، إنها الخبرة التي من خلالها يُشَيَّد نوعٌ من الحقيقة )) ويقول العالم إريك فروم في كتابه (فن الحب): ((إن الحب ممكن فقط إذا كان الشخصان؛ مرتبطَين أحدهما بالآخر بواسطة مركزَي كيانهما. هذا يعني أن كلا منهما يتقبَّل الآخر من أعماق كيانه. في مثل هذا الشعور المركزي فقط تكمن الحقيقة الإنسانية، هنا فقط جوهر الحياة، وهنا فقط يوجد أساس الحب وقاعدته. إن الحب المعاش على هذه الطريقة هو مجازفة دائمة إنه ليس حالةً للراحة، بل للحركة، وللنمو، وللعمل المشترك. يُشَكِّل وجود الانسجام أو الاختلاف، الفرح أو الحزن، أمرًا ثانويًّا بالنسبة للحقيقة الأساسية؛ حقيقة أن الإثنين يشعران بتمامية وجودهما. باتحادهما يجد كلٌّ منهما نفسه في الآخر. يوجد إثباتٌ واحد فقط على وجود الحب: هو عمق العلاقات، وحيوية وقوة كل من المحبين؛ هو الثمرة التي يُعرَف بها الحب)) فلا يصير التركيز على أي منهما وإنما يتركز الاهتمام على العلاقة الجامعة التي هي رباطٌ اختياريٌّ بهيج. إن لِطَرفَي هذه العلاقة؛ وجهاتُ نظر مختلفة، وتقييماتٌ مختلفة، وتصوراتٌ مختلفة، عن الحياة والناس والرغبات والاحتياجات والأوضاع والأشياء والأعمال وعن كل ما يمر بحياتهم أو يعتري وجودهم لكن الحب الناضج يتعامل مع كل هذه الاختلافات بوعي قَصْدي وبمهارة عالية مكتسبة فتكون منبعًا متجددًا للمباهج والاكتشاف وليس سببًا في الخصومة والانحراف غير أن هذا الأمل يجب أن لا يحجب عنا كثافة العوائق  الصلبة فلو أن أحد الطرفين وعى ذلك تمام الوعي والتزم به تمام الالتزام فالغالب أن الطرف الآخر لن يكون قادرا على التلاؤم؛ إنها معضلة عامة وعميقة لكن حين ندرك أسبابها نكون أقدر على التعايش النسبي معها …

إن تلقائية الرتابة والملل في الحياة الزوجية؛ تمثل أحد الشواهد على الطبيعة التلقائية للإنسان، يُصَوِّر ذلك الروائي ميلان كوندير بأسلوبٍ ساخر في روايته (غراميات مرحة) فيقول: ((إن أكبر مصيبة يمكن أن تحل بالرجل هي الزواج السعيد، بحيث لا يعود له أمل في الطلاق)) فكأن نجاح الزواج هو المصيبة الدائمة، لأنه يصير ملتزمًا بالاستمرار. ويكتب عن نفس الموضوع فيقول: ((نجتاز الحاضر بعيون معصوبة، وأقصى ما نستطيعه؛ هو أنْ نستشعر ونُخَمِّن ما نعيشه. ونحن لا ندرك ما عشناه ونفهم معناه إلا لاحقًا، حين تزول العصابة، عن أعيننا، ونعيد تفَحُّص الماضي)) هذه العبارة الساخرة من المبدع كونديرا تُبَيِّن كيف أن الإنسان لا يطيق الاستمرار على التكرار فالتعود يُخفي البهاء كما يحجب البشاعة، إننا كائنات محكومة بما نعتاد عليه؛ فقابلية التعود هي أهم خصائص الإنسان: سلبا وإيجابا فبالتعود نكتسب المزايا وبالتعود نمتلئ بالنقائص ذات الانسياب التلقائي. إن الهدف من الكتاب كله هو تأكيد تلقائية الإنسان، والتنبيه إلى تلقائية تكيُّفه مع أي وضع، واعتياده على أي طارئ، إن قابلية التعود هي منبع الجهالات المركبة كما أنها منبع المهارات والكفايات والفضائل فلا أهمية لأية معلومات إلا إذا تحولت بتكرار الفعل إلى عادات راسخة مكتظة ينساب منها الأداء انسيابًا تلقائيًّا كما ينساب الماء من النبع الفائر وهذا الانسياب عامٌّ لكل استجابات الإنسان ومواقفه من الناس والأشياء والأفكار والمواقف؛ فالتلقائية هي مفتاح الطبيعة البشرية، إنها الطبيعة الأساسية للإنسان؛ فالهدف من الكتاب كله هو تأكيد؛ أن الإنسان كائن تلقائي، وأن التلقائية هي مفتاح طبيعته، وأنها مهماز طاقاته، وأنها السبب الأكبر لمشكلاته، كما أنها المنبع الذي لا ينضب لانتظامه وإبداعاته ومهاراته فالتلقائية بسلبياتها وإيجابياتها هي المعضلة وهي الحل؛ إن الإنسان في شدة خموده وانطفائه يكون محكومًا بطبيعته التلقائية، وكذلك حين يتوقد وتفور طاقاته؛ فإن التلقائية هي مصدر هذا التوقد وهذا الفوران ففاعليات الإنسان الإيجابية أو السلبية هي نتاج طبيعته التلقائية، وليست نتاج الإرادة المحضة؛ فالإرادة الواعية تستجيب للاندفاعات الطبيعية التلقائية، والعقل يتدبَّر الوسائل ويُسهم في فاعلية الجهد لكن كل شيء محكومٌ غالبًا بالاندفاعات التلقائية. لكن أوهامنا عن العقل وحرية الإرادة تحجب عنا هذه الحقيقة الأساسية …

تحمُّل مسؤولية الحب واستمرار الالتزام بما يتطلبه مهما طرأ من تقلبات الأحوال؛ ليس سهلا وكما يقول الشاعر الألماني ريلكه: ((محبة كائن بشري لآخر ربما هي الاختيار الأصعب لكل واحد منا. الحب هو فرصة النضوج، فرصة التشكل، فرصة أن يصبح المرء ذاته عالَما لمحبة الكائن المحبوب)) وفي المجلد الأول من (معجم الجسد) إشراف ميشيلا مارزانو يقول: ((كل المفارقات وكل المصاعب ملازمة للقاء بين كائنين متجسدين يلعبان لعبة الحب: شخصان يتوجه كلٌّ باتجاه الآخر في آن معًا تحييهما إحساسات جسدية وبإسقاطات خيالية؛ فردان ممزقان في أغلب الأحيان بين رغبة جسدية لا تطلب إلا أن تُشبَع، ورغبة متسامية تُجمِّل المحبوب بكل الميزات)) صورتان تندمج إحداهما في الأخرى ولكن بعد التحقق يحصل في أغلب الحالات التكيف والتعود فتصبح الحياة رتيبة وربما مملة …      

إن علينا أن ندرك أن طبيعة الإنسان التلقائية؛ تجعل استجاباته ومواقفه وأحكامه وردود الفعل عنده تلقائية، فلابد أن يحرص كل إنسان بأن يتعرَّف على طبيعته ليجيد تعبئة وتشغيل واستثمار قابلياته، فهي أعظم ما يملك، وبذلك يتاح له أن يرتقي بمعارفه ومهاراته وسلوكه وأخلاقه بوعي وجهد وتنظيم، فالإنسان أصلاً يستجيب للأحداث والمواقف والمثيرات بشكل تلقائي، وبأحكام وتصورات مسبقة، ومن غير رويَّة، إنه محكومٌ باهتماماته هو، ومعاييره، واحتياجاته، ومشاكله، وتطلُّعاته، ورغباته، ورؤاه، وتصوراته، وأهوائه، وأوهامه، وما يتأجج في ذاته من طموحات، وما تبرمجت به قابلياته، فيحكم على الناس، حتى أقرب الناس إليه وأحقهم بالمراعاة والاهتمام والرعاية بشكل تلقائي، فأحكامه وردود فعله تأتي انسيابًا تلقائيًّا من مخزون القابليات التي تبرمجت تلقائيًّا. وعلينا أن نرتقي من مستوى الوعي التلقائي الظالم بأحكامه المسبقة ومعاييره الذاتية إلى مستوى الوعي القصْدي بأحكامه الممحَّصة، ومعاييره الموضوعية؛ وهذا يتطلب الانتقال من نظام التفكير التلقائي الساذج، إلى نظام التفكير القصدي، القائم على التحليل والفحص والتحقق، وهو نظامٌ فكري مضادٌّ لنظام التفكير التلقائي …

ومع تلقائية الاستجابات غير الممحصة وردود الفعل الجاهزة فإن لها نتائج مدمِّرة وكما يقول لويس د . إنزيز: ((تسعة أعشار الخلافات الخطيرة في الحياة؛ ناجمةٌ عن سوء الفهم، حيث لا يفهم المرءُ الحقائق التي تكون واضحةً لشخص آخر، ومن ثم لا يمكنه إدراك وجهة نظره)) أما إريك برن؛ فيلفت النظر إلى أن مَن تبرمَج بتصور فإن استمراره عليه يكون تلقائيا؛ فلا يمكن إقناعه بالعلم والمنطق بأن يتخلى عنه، وهذا يعني تلقائية استمرار هيمنة التصورات التي يتبرمج بها الناس تلقائيا. كما يعني عُقم الجدال إذا اختلفت التصورات، ومع استبعاد إمكانية الاتفاق، فإن جهل الناس بذلك؛ يجعلهم يندفعون في جدال عقيم، يورث الشعور بالهزيمة والغضب والكراهية والحقد، حتى داخل الأسرة الواحدة؛ فالإنسان لا يَقبل أن يُهزم وهو لا ينتبه إلى أن اختلاف محتوى الأذهان، وتنوُّع المعايير الذاتية، يحول دون الاتفاق، ليس هذا فقط، بل يمنع التقارب بين المختلفين، ومن أدق العبارات التي تصور حقيقة تمترس كل فرد خلف رؤيته مهما كانت خاطئة وساذجة وتلقائية؛ عبارة الفيلسوف الباهر شوبنهاور حيث يقول : (( كلُّ إنسان يجعل من حدود رؤيته حدودًا للعالم بأسره)) ويكتمل هذا المشهد الكارثي حين نضيف عبارةً أخرى للمبدع الروسي الباهر تولستوي حيث يقول : (( كلُّ إنسان يفكر في تغيير العالم لكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه)) فإذا أدرك الناسُ هذه الحقيقة المأساوية عن أنفسهم وعن غيرهم؛ فسوف يحاولون تغيير ذواتهم، كما تتغيَّر توقعاتهم عن الآخرين، وتختلف ردود أفعالهم، لأنهم سوف يدركون بأن الاختلاف؛ هو الأصل وأن تقارب الآراء والمواقف بين المختلفين هو الاستثناء…

هذا عن اختلافات الناس عموما، حيث أن كل فرد هو عالَمٌ قائمٌ بذاته، مختلفٌ عن كل الآخرين، حتى لو كانوا ضمن ثقافة واحدة، إنهم عوالم منفصلة، لكن كل فرد يستغرب حين يخالفه الآخرون، ويغفل عن أنه يقف منهم مثلما يقفون منه، وكلٌّ منهم ساخطٌ على عدم فهم الناس له، من غير أن يدركوا سبب هذه الاختلافات الحادة. أما الاختلافات بين المرأة والرجل؛ فإن تطورات علم الأعصاب قد كشفت الفروق الكبيرة بين دماغ المرأة ودماغ الرجل، وينبني على هذه الفروق البنيوية، فروقٌ في الاحتياجات وفي الاستجابات والاهتمامات والمعايير والتفضيلات، وهي فروقٌ تدل على التنوع وليس على التفاضل، فيمكن أن تصير مصدرًا لتنوع التجارب والإدراكات والتصورات والرُّؤى وثراء الحياة، فعلينا أن نتوقع دائمًا اختلافات نوعية في الاستجابة للمواقف والمؤثرات، ولكن جهل الناس بطبائعهم قد أنتج مشكلات واسعة وعميقة، لا يملك الناس مهارات مناسبة للتعامل معها؛ وتفيض المكتبات بدراسات متنوعة تؤكد تفاقم المشكلات، يؤكد الدكتور رتشارد أوكونور في كتابه (إعادة الضبط) أنه في أمريكا: ((يوجد دليل على أنه ما بين 25 % إلى 50 % من النساء يُضطهَدن من قِبَل أزواجهن )) ويورد قصصًا مأساوية عن عجز الأزواج والزوجات على التكيف مع بعضهم وعجزهم عن التلاؤم مع الحياة الزوجية كما تحدث ريتشارد عما يسميه (آليات التدمير الذاتي)  وعما يسميه (الإرهاب الزوجي) فالعلاقات الزوجية في كل العالم مشحونة بالتوتر وربما بالتعاسة التي هي عكس الهدف من الزواج …

 فالعالم متخم بمشكلات العجز عن التفاهم وقد تحدثَ عن ذلك وعن أسبابه عددٌ من الكتُب؛ منها كتاب (معارك قيس وليلى) لآلان وبربارة، بيز وكتاب (جنس الدماغ) لآن موير وديفد جيسيل، وكتاب (جنوسة الدماغ) لأستاذة علم النفس ميليسا هاينز، وكتاب ( دماغ الأم ) لكاثرين إليسون، وكتاب (العمل يدًا بيد) لباربرا آنيس وجون غراي، وكتاب (الكيمياء العاطفية) لأستاذة علم النفس تارا بينيت ـ جولمان، وكتاب (لماذا يكذب الرجل وتبكي المرأة) لآلان وباربرا بيزا،  وكتاب (ذكاء المشاعر) للدكتور دانيال جولمان وكتاب (الرجال من المريخ والنساء من الزهرة) للدكتور جون غراي وكتاب (الذكاء الشخصي) للطبيب النفسي جون ماير، ومن أروع ما كُتب عن طبيعة المرأة كتاب (الاتصال بقوى المرأة الفطرية) للدكتورة كلاريسا بنكولا، وهي متخصصة في التحليل النفسي، كما أنها كاتبة وروائية، والكتاب يستغرق ستمائة صفحة، وهو مكتوبٌ بلغة متدفقة آسرة، تستنفر المرأة لكي تستعيد طبيعتها الحقيقية وأن تتخلص من رواسب القمع التي أفسدت حياتها خلال العصور، وكتاب (الذكاء الاجتماعي) لكارل ألبريخت، وعمومًا؛ فالكتب في هذا المجال متوفرة ومتاحة للجميع في مختلف اللغات، وكلها تؤكد فداحة الجهل بالفروق الطبيعية التي بين الرجل والمرأة،  كما تُنَبِّه بأن علينا أن نتوقع دائمًا اختلافات كبيرة في الاستجابات للمواقف، ونتعامل معها بواقعية وعقلانية وانفتاح وتَفَهُّم، وأن نستثمرها لإثراء حياتنا بهذا التنوع …

إن تلقائية التطبُّع، وتلقائية اختلاف محتوى ونماذج التطبع بين شخص وآخر، وتلقائية الاستجابة للمواقف، وحتمية الاختلاف بين استجابات الرجال والنساء؛ تجعل إدراك ذلك مطلبًا ملحًّا لكل الناس في مختلف العلاقات وفي كل الأحوال من أجل حياة إنسانية تتسم بالتبصُّر وروح التفاهم والتسامح، ولكنه مطلوبٌ في العلاقة الزوجية بشكل أشد إلحاحًا لأنه مطلوبٌ أن تكون علاقة أبدية حميمة، فهي مؤسسة على نيَّة التأبيد والشراكة الدائمة والتفهُّم العميق. لذلك يكون مهمًّا أن يعرف كلُّ فرد منا هذه الحقائق عن نفسه وعن تلقائيته وعن نفسيات الآخرين وتلقائيتهم، وأن نتذكر دائمًا أن الاستجابات بين الأفراد تختلف باختلاف البنيات الذهنية والعاطفية، التي هي أيضا تختلف باختلاف المؤثرات وعناصر التكوين في الطفولة وما بعدها، وأن نبذل الجهد الكافي للتَّفَهُّم الذي يحقق الحد المقبول من التفاهم في إدارة وتدبير علاقاتنا ببعضنا، وتقييمنا لهذه العلاقات وما يعتريها من مشاكل وارتباكات ومنغِّصات وتنافر. يجب أن تكون وسيلة لارتقائنا في التفكير والنضج والتعامل …

ـــ 3 ـــ

  المبدع ميلان كونديرا في روايته (كائنٌ لا تُحتمَل خفته) يحاول تحليل هوس الرجال بتنويع العلاقات النسائية: ((أليست العلاقة الجنسية تكرارًا للشيء نفسه؟! كَلاَّ. تبقى هناك دائمًا نسبة صغيرة من المتعذر تصوُّره، بين مقاربة الفكرة ودقة الواقع تبقى دائمًا ثغرة صغيرة؛ ثغرة المتعذر تصوره. إن تفرُّد الأنا يكمن تحديدًا في هذا الجزء الذي من المتعذر تصوُّره، الذي يملكه كل إنسان. ليس في الإمكان تخيُّل إلا ما هو مشترَك بين الكائنات. أما الأنا الفردية التي تتميز عما هو عام؛ فهي تلك التي لا تدعنا نتكهن بها أو نحدسها. وهي أول  ما يجب نزع الحجاب عنه لاكتشافه وامتلاكه لدى الآخر)) إن طبيعة الإنسان التلقائية تجعله يستثار بأي مثير طارئ حتى يستوعبه فيتكيَّف معه فتتلاشى الإثارة بعد الاستيعاب ويحل محلها التكيف والرتابة والاعتياد وهذه الطبيعة من أقوى وأدْوم دوافع التعلُّم كما أنها من أخطر عوامل الجمود والتحجر ولكنها أيضا ضرورية لانتظام الحياة واكتساب المعارف والمهارات فتكرار الفعل وتشييد العادات وفقًا لهذه الطبيعة التلقائية هو الذي يجعل الأداء تلقائيًّا فأجهزة المعرفة في الإنسان تستثار بما تواجهه في المحيط وبهذه الاستثارة تكون متهيئة للاستقبال والمعالجة ثم بتكرار الفعل تعتاد فيصبح الأداء انسيابيًّا فلا يتطلب حَشْد الوعي لكل فعل وذلك من أجل أن يتاح استثمار الوعي لمهام أخرى وبهذا تَسْهُل أعباء الحياة…

 إن التعود يؤدي إلى الرتابة في الحياة الزوجية. وهو يعني الاستقرار والثبات وزوال حالة الطوارئ المثيرة إن زوال الإثارة وتَحقُّق التعوُّد يعني تلقائيًّا؛ حضور الرتابة ولكنه لا يعني ضعف الحب ولا زواله ولا التبدُّل أو التغيُّر في المواقف العاطفية ولكنه يعني التكيف والتآلف والتعود وخمود الإثارة فما كان في البدء مثيرًا للطرفين صار جزءًا مألوفًا من حياتهما لكن جهل الناس بطبيعتهم التلقائية قد أدى إلى شيوع شكوى الأزواج والزوجات في كل العالم من إحباطات وارتباكات ورتابة وملل الحياة الزوجية مما يستبقي الحياة الزوجية في حالة من الجمود والعلاقة الثقيلة الصامتة وقد تؤدي الخلافات الزوجية الحادة إلى الطلاق وما ينتج عنه من مشكلات كثيرة تمتد إلى الأولاد والقرابات بل وإلى المجتمع كله بامتداد حالات الطلاق، وما قد ينتج عن ذلك أحيانًا من تشَرُّد للأطفال، وما يتسبب فيه؛ من إحباطات، وأمراض نفسية، ومشكلات؛ فردية، واجتماعية …

 إن الهدف من هذا الفصل ومن الكتاب كله هو تأكيد أن الإنسان كائنٌ تلقائي وأن هذه الطبيعة هي التي تتحكم في حياته في كل تفاصيلها إن الكثير من المشكلات الفردية والأسرية والاجتماعية والإنسانية ناجمة عن غياب إدراك أن الإنسان كائن تلقائيٌّ، وليس حلول الرتابة وشيوع الملل في حياة الأسرة وفتور العلاقة في الحياة الزوجية وتفاقم حالات الطلاق سوى مثال واحد من أمثلة لا حصر لها ناجمة عن عدم إدراك الناس لطبيعتهم التلقائية؛ فيتصورون لمشاكلهم أسبابًا غير صحيحة، وبذلك تضطرب حياة الكثير من الناس في كل مكان. إن ظاهرة النكد والطلاق وتمزق الأسر هي ظاهرة عالمية واسعة الانتشار ولو علم الرجال والنساء أنها ذات أسباب بيولوجية عميقة وأن مهمة الدماغ الأساسية هي التعرُّف ثم التكيُّف والتعود لكانوا أحرى بأن يتجنبوا هذا النكد المفسد للحياة وأن يتحاشوا هذه النهايات المأساوية؛ فهذه الطبيعة التلقائية هي التي تتسبب في هذه الرتابة وفي هذا الملل إن انقلاب الحياة الزوجية الجياشة الحميمة إلى حياة رتيبة فاترة ثقيلة مملة هو أَحَدُ الشواهد المهمة التي تدعم صحة نظرية تلقائية الإنسان إنه لا يبقى مستثاراً مهما كانت قوة المثير فالإثارة تخبو ثم تنطفئ بمجرد زوال الغموض وانكشاف المحجوب وحصول التعرُّف ثم التكيُّف والتعود إن الإنسان لا يلفت نظره ما يعتاد عليه مهما كانت روعته فدماغه يتكيف بمرور الوقت فلا يثيره، ويُسعده، ويبهجه، ويحرك عقله، ويثير انفعاله، إلا ما كان طارئاً عليه. وهذه النتيجة هي التي تـهمني في الدرجة الأولى لأنه يؤدي إلى المزيد من المساندة لهذه النظرية التي تترتب عليها نتائج كبيرة وعظيمة وحاسمة في مختلف المجالات الإنسانية والمعرفية والسلوكية وأهمها إدراك طبيعة التبرمج التلقائي بثقافة البيئة واستمرار الغبطة بهذا التبرمج مهما كان محتواه فالإنسان لا ينتبه لما يكون جزءًا من طبيعته بعد أن يتبرمج به ويتكيف معه ويعتاد عليه فمثلما أن التآلف والتعود يحجب روعة الرائع فإنه بالمقابل يحمي أسوأ التصورات من أن توضع موضع التحليل والمحاكمة من قبل الذين تبرمجوا بها. وبسبب ذلك استمرت كل الأمم تتوارث ثقافاتها بشكل تلقائي حتمي فلم تتأثر الكيانات الثقافية لكل الأمم بالعلوم الممحَّصة والأفكار الخارقة. وإنما انحصر التأثير في الجوانب العملية وفي بناء قدرات التمكين …

إن زوال الإثارة بعد التعرف والتكيف يمتد إلى كل المثيرات وكما يقول الناقد الشهير الدكتور صموئيل جونسون: ((الصور الغريبة لمخترعات الخيال؛ قد تَسَرُّ إلى حين، بسبب تلك الطرافة التي يدفعنا إلى البحث عنها؛ شعورُنا بالامتلاء من هذه الحياة، على أن مباهج الدهشة المفاجئة تزول سريعًا)) إن هذه الطبيعة من أقوى دوافع البحث وتجدُّد الرغبة في الاكتشاف ولولا ذلك لما تعلَّم الناس ولكنها أيضا من أسباب الحرص على معرفة خصوصيات الناس والابتهاج بالفضائح وتبادل الشائعات وترويج الأكاذيب وانشغال الناس بعضهم بأخبار بعض …

إن حاجة الإنسان إلى تجدد الإثارة هي ذات وظيفة حيوية ومعرفية وحضارية وكما يقول ت . ي . هلم: ((أدب الدهشة والعجب ينتهي حتمًا كما تفقد أرضٌ غريبة غرابتها عندما يعيش فيها الإنسان؛ فالعَجَب لا يتعدى أن يكون موقفًا لإنسان يجتاز مرحلة إلى أخرى ولا يمكن أن يكون ثابتًا على الدوام)) إن كل موقف مدهش هو تدشينٌ لمرحلة جديدة في المعرفة إن الدهشة مهماز العقل وبوابة المعرفة وهنا ندرك عُقْم التعلُّم اضطرارًا ونعرف ضرر التعليم الذي لا يكون مسبوقًا ومصحوبًا بالإثارة…

إن الانطباعات الحسية هي اللبنات التي تَكَوَّن بها عقلُ كل فرد فارتباط الحواس والدماغ بالمعلومات هو ارتباطٌ عضوي بنيوي ولكن الدماغ لا يملك آلية للتفريق بين المعلومات الصحيحة والخاطئة فالتطلع للآفاق الفكرية المضيئة وللمعارف الممحصة ليس تلقائيًّا بل بالعكس حيث يتكوَّن  العقل بالأسبق إليه فيبقى محكوما بما تَبَرمَج به واعتاد عليه حتى يُصْدَم ومن هنا صار استفزاز العقل بنقد مسلماته أهم شروط التغيير، والتطوير، وتعلُّم الجديد، وقبول المغاير؛ فالإثارة فاعلٌ أساسي لكي يؤدي  العقل وظيفته في ارتياد الآفاق وتنمية المعارف؛ إنه يستثار بالغريب والعجيب والمختلف والمدهش، وأهَمُّ من كل ذلك؛ نقد مسلَّماته التي تَبَرمَج بها تلقائيا، وخلخلة وثوقه التلقائي، فالإنسان لا يبدأ في إدراك طبيعة ما تبرمج به تلقائيا إلا إذا تعرض لصدمة فكرية مزلزلة  …

ـــ 4 ـــ

   إن طبيعة الإنسان التلقائية تُبقيه مغمورًا بالانتظام والرتابة في كل تصوراته وأفكاره وقيمه وأنماط نشاطه وفي جميع تجليات سلوكه لأن السلوك فيضانٌ تلقائيٌّ مما تَبَرْمَج به واعتاد عليه فلا يخرج من الانتظام الدائم ويرتفع عن الرتابة المستحكمة إلا بمثير تتناسب قوته مع قوة الانتظام ولأن الانتظام له أولوية مطلقة وهيمنة دائمة فإن الفرد لا يخرج منه بأي مثير إلا ليعود إليه بفقدان أو ضعف أو انطفاء مفعول المثير فالرتابة هي الحالة الطبيعية التلقائية الدائمة أما الإثارة فهي الحالة الاستثنائية الطارئة العابرة ومع ذلك لابد من تجدُّدها. إن الانتظام مطلوبٌ للاستقرار والانجاز؛ فسلوكنا ومعارفنا ومهاراتنا؛ هي نتاج التكرار والتعود والامتلاء والتبرمج، ولكن لا يمكن أن يتعلم الإنسان، وأن يواصل تنمية معارفه، وأن يكتسب المهارات الضرورية، وأن يبتكر ويبدع وأن تتطور الحضارة إلا بالإثارة المتجددة، والخروج من المألوف وتجاوز السائد …

 أما في مجال المطالب والرغبات والطموحات والآمال؛ فإن الفرد يمل من المتحقق مهما بلغت روعته، وقد فطن لذلك شكسبير في إشراقة باهرة من إشراقاته المدهشة؛ فهو الذي قال: ((العسل شديد الحلاوة إلى درجة يصبح معها مُرًّا فغزارة الطعم تُفقدنا الذوق)) !! فالإنسان لا يخرج من رتابة الانتظام إلا بمثير طارئ، ثم يعود إلى الانتظام والرتابة بانتظار مثير جديد، فحتى حلاوة العسل تنقلب إلى مرارة بالتكرار الذي يطفئ قُدرة التذوق؛ فالطارئ مهما كانت روعته وجماله، فإن الإنسان يتكيَّف معه ويعتاد عليه سريعاً ويتآلف معه؛ فيضعف الإحساس به بالإكثار منه ويَخْفتُ الدافع إليه بتكراره والاعتياد عليه فيرجع الوضع إلى الرتابة …

ـــ 5 ـــ

  الأصل أن الناس لا ينتبهون لروعة ما تآلفوا معه مهما بلغت هذه الروعة فالإنسان منذ وجوده وهو يشهد الأشياء تنجذب إلى الأرض ولكن اعتياده على هذا المشهد العجيب قد حَجَبَ روعته وأبقاه مهملاً حتى جاء نيوتن فاستيقظ فجأة إلى قانون الجاذبية المذهل وهكذا فإن التعود يحجب روعة الرائع وبالمقابل فإنه يحجب سوءات أسوأ البيئات فالذين نشأوا في البيئات الصحراوية القاحلة القاسية يبقون مشغوفين بها وقد يغادرونها إلى أجمل البيئات لكنهم يعودون إليها بلهفة كما أن التعود يحجب سُخف الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي وأوهامه وخرافاته بل إن المتبرمجين بأشد الثقافات انغلاقا وتحجرا وتخريفا قد يدفعون أرواحهم دفاعا عما تبرمجوا به تلقائيا إن تلقائية التبرمج والتكيف مع أي واقع والانتظام عليه هو الذي أبقى الإنسانية عشرات القرون تجترُّ خرافاتـها ومستسلمة لأوهامها ومغتبطة بالأوضاع السائدة فيها لأن العقل لا يكون عقلاً فاعلاً معرفيًّا حتى يصير فاعلية معرفية نقدية ففاعليته مشروطة بإثارته وتحديه ويقظته من التنويم الاجتماعي فغياب الإثارة المعرفية النقدية هو السبب في عجز المجتمعات المتخلفة في هذا العصر عن مبارحة الانتظام والبقاء في خنادق التخلف رغم كل هذه الوفرة في عوامل التقدم كما أن التبرمج والتكيف هو السبب في بقاء الأفراد في كل المجتمعات مغتبطين بما تبرمجوا به في طفولتهم مهما كان محتوى هذا التبرمج فهم يبقون منتظمين تلقائيًّا بـهذه البرمجة التي تشرَّبوها تلقائيًّا. ولا تتأثر هذه البرمجة القاعدية بما يتلقونه من تعليمٍ اتجهوا إليه اضطرارًا أو لأهداف عملية …

ـــ 6 ـــ

وللسبب ذاته تعود ظاهرة الرتابة في الحياة الزوجية؛ فالرغبة في اكتشاف المجهول مهما كان وأن هذه الرغبة تنطفئ بعد الاكتشاف وأن هذه الحركة التلقائية لا علاقة لها بالحب؛ يؤكد ذلك أن الرجل قد تثيره امرأة غير جميلة وليس بينه وبينها أية علاقة حب ولا يحمل لها أي اهتمام خاص وإنما لمجرد أنـها ليست له ولم يتآلف مع وجودها معه ولم يكتشف ما خفي منها لذلك فإنـها بالنسبة إليه سرُّ مثير يودُّ معرفته حتى لو كانت غير جميلة !! فهذا هو كلُّ ما في الأمر؛ وتجربة ( كازانوفا ) تقدِّم شاهدًا حافلاً بالتوثيق فهذا الرجل طال عمره وقد قضاه في ملاحقة النساء فصارت تجاربه بعدد أيام حياته بل كان في اليوم الواحد يقيم عددًا من التجارب مع عدد من النساء وحين فَقَدَ طاقته الجنسية في شيخوخته جلس يكتب تفاصيل مغامراته النسائية فأفرغ تجاربه العجيبة في كتاب ضخم يقع في ستة عشر مجلدًا ولقد ظل هذا الكتاب مقروءًا في الثقافات الأوربية والعالمية فلقد كتَبَه باللغة الفرنسية ورغم ضخامته الهائلة فقد تُرجم إلى الألمانية والانجليزية وإلى لغات كثيرة وصار مقروءًا في كل العالم…

        كان كازينوفا نموذجًا في توقُّد حب الاستطلاع. لكنه بدَّد هذا الحب في الولع بالنساء؛ بدلا من استثماره في مجالات علمية ومعرفية؛ فاستهلك طاقته، واستغرق اهتمامه، في إغراء النساء، تَدفعُه رغبةٌ عارمةٌ لاكتشاف سر كل نساء العالم لو استطاع. لقد قرأ المبدع النمساوي ستيفن زفايج كتابه الضخم وقدَّم عنه تحليلاً رائعًا في كتاب يحمل عنوان (كازانوفا) وهو تحفةٌ أدبية ممتعة وفيه يقول: (( لم يستطيع روائيٌّ حتى الآن أن يبدع روايةً أغرب وأطرف وأشد حيويةً من حياة كازانوفا الحقيقية ففي واقعها شحنةٌ من الطاقة الخيالية تجعل من حقيقتها أسطورةً ولن يستطيع فنانٌ مهما شطح به فكره؛ أن يصوِّر لنا من المخيلة شخصيةً تضاهي شخصيته الحقيقية )) إن زفايج لا يؤكد ذلك احتفاءً به، وإنما هو يقرر حقيقةً معروفة مع أنه قد كتَبَ عنه لتفنيده وهجائه وليس للثناء عليه والإشادة به…

          جوع الدماغ إلى الإثارة كجوع الجسد إلى الغذاء؛ ولا يُشبِع هذا الجوع سوى الاستغراق في البحث والتأمل؛ وإن لم يحصل ذلك فإن الإنسان لابد أن يبحث عن مجالٍ آخر لإشباع هذا النهم الطبيعي بتجديد المثيرات. وتتجلى الطبيعةُ البشريةُ على حقيقتها؛ بسلوكِ بعض الأفراد الذين ينجرفون مع طبيعتهم التلقائية دون مراعاةٍ للقيود الأخلاقية، أو الضوابط الاجتماعية؛ فكازانوفا لا يختلف عن غيره إلا بأنه استجاب لطبيعته؛ فهو لا ينفرد بطبيعةٍ مغايرةٍ لبقيةِ الرجال، وإنما هو ينفرد بأنه أطلق غريزة الحاجة الطبيعية إلى الإثارة، وحب الاستطلاع؛ إلى النساء؛ ترَكَها تنساب كما هي فلم يحاول تصعيدها لمجال أنفع وأشرف؛ فتجسَّدَتْ في سيرته هذه الطبيعةُ المهووسةُ باكتشاف المخبَّأ. إن هَوَسَ كازانوفا بالنساء هو امتدادٌ لهوسه بالمعرفة. يضجُّ دماغه برغبةٍ عارمةٍ لاكتشاف سر أية امرأة. وهذا شاهدٌ مهم يؤكد أن سبب الرتابة في الحياة الزوجية هو تحقُّق الاكتشاف والتعود، حيث يتم إشباع فضول حب الاستطلاع؛ فتنطفئ الإثارة، وتسود الرتابة فهو يقول: ((ليس في الدنيا من إنسانٍ يتوصَّل إلى معرفة كل شيء لكن على كل إنسانٍ أن يتطلع لمعرفة كل شيء)) إنه في مذكراته يؤكد مرارًا بأن الاختلاف يثير فضوله بشدَّة، إنه يبحث عن المختلف ويفتش عن المغاير أما المكرر فيصيبه بالضجر والملل: ((الذي يجب الفرار منه كالفرار من الموت)) إن كازونوفا يُجسِّد الطبيعةَ البشرية على حقيقتها الصارخة فهو ليس نشازًا في ولعه باكتشاف المجهول لكنه نشازٌ في تحرُّره من الضوابط الأخلاقية وفي اندفاعه خلف هوسه بالاكتشاف فقد كان يفر من المكرَّر والمعتاد كما يفر من الموت. ولم يكن ضميره يردعه من العدوان على نساء الآخرين؛ فما يكاد يرى امرأة حتى يضع خطة لاصطيادها واكتشاف ما هو محجوبٌ منها؛ هوسٌ جنوني لكنه يعتمد على طبيعة بشرية عامة تختزنها أدمغة كل الرجال …

      حاجةُ الدماغ البشري إلى تجديد الإثارة هي حاجة طبيعية في الكل؛ فالفرق فقط في المسار الذي تسلكه هذه الطاقة؛ كان كازانوفا كغيره يَنفُر من المعاد، ويضيق بالمكرَّر، ويسعى جهده لاكتشاف المجهول. ويقول: ((شغفتُ بكل ما يحرك فضولي)) وبلغ به النفور من التكرار أنه يكرر القول: ((أخشى الزواج كما أخشى الموت)) فكُرْه التكرار ليس خاصًّا بالنساء وإنما هو تركه ينساب في هذا الاتجاه.  ويُعَبِّر عن النفور من التكرار في الاتجاه ذاته الفيلسوف سيوران فيقول: ((يمكن أن أقترف أي جرم ماعدا أن أكون زوجًا)) إن كازانوفا هو أشهر الرجال هَوَسًا في النساء ليس فقط لأنه ينفرد بهذا الهوس ولكن لأنه أطلق الرغبة الدماغية في حب المجهول في المجال الذي اشتهر به؛ فكرَّس هوسه المعرفي بالتلصص على النساء، وإرسال شباكه لاصطيادهن، وهو يكرر التأكيد بأن دافعه إلى هذا الهوس؛ هو الرغبة العارمة في التعرُّف والاكتشاف؛ فالمرأة هي أشد الكائنات غموضًا، وأقواها إغراءً وأشدها دفْعًا إلى التعرُّف والاكتشاف وهذا هو المجال الذي انغمس فيه كازانوفا. وبالمقابل نجد عمالقة الفكر والعلم والأدب والفن يستثمرون هذه الرغبة العارمة؛ بما يضيء للبشرية دروب الحضارة، وينير العقول، ويكشف حقائق الكون وآفاق الواقع …

      ورغم التظاهر بالنفور من ممارسات كازانوفا؛ فإن قصة حياته لقيتْ ومازالت تلقى إقبالاً واسعًا في كل العالم، فكتابه بمجلداته السبعة عشر مترجَمٌ إلى لغات كثيرة؛ لأنه يحقق لقرائه إشباعًا معرفيًّا عن الطبائع المختلفة. إن ولَعَه الشديد بالتعرف على أي شيء وكونه لا يتحدث عن معارف جافة وإنما يدغدغ العواطف ويستثير الرغائب ويُمتع النفوس بالتعرف على ممارسات تتسم عادة بالتخفي والكتمان فاستغل كل ذلك وأمطرته ذاكرته الخارقة بسيل من الذكريات المثيرة؛ كل ذلك قد أتاح له أن يكشف عن آلاف القصص من الحالات الغريبة وأن يكون مقروءًا بشغف وعلى نطاق واسع …

  طاقة فكرية هائلة بدَّدها كازانوفا في تصيُّد النساء فكشَف من الطبائع ما يحرص الناس على أن يعرفوه وكما يرى ستيفن زفايج فإن كازانوفا قد بدَّد طاقته الهائلة في مجال ضارٍّ وغيرِ أخلاقي بدلا من استثمار هذه الطاقة الهائلة في مجالات فكرية وعلمية تضاف إلى الذخيرة الإنسانية؛ فأضاع فرصة عظيمة على نفسه وعلى العالم، وعن ذلك يقول زفايج : (( وهو موهوب في قدرته على الإتيان بأي عمل واتخاذ أي مستوى في السلوك،  ولو أننا نظرنا إلى هذه المؤلفات المنوَّعة التي قام بتأليفها على البديهة لوجدناها كافية لأن تجعل من كازانوفا فيلسوفًا موسوعيا من طراز ليبنتز)) فجوع الدماغ المتجدد إلى المثيرات هو جوعٌ عام لكن هذا الاندفاع الطبيعي للاستطلاع؛ يمكن تبديده في مجالات ضارة. كما يمكن توظيفه في مجالات الفكر والعلم والأدب والفن وكشف المجهول وتوطيد الحضارة ورفع شأن الإنسانية … 

     القدرات الفردية الخارقة إذا كانت مدفوعة بالمثُل العليا أثمرت ثمارًا عظيمة. ولكن هذه القدرات ذاتها قد تُستهلَك في الشهوات والرغبات الفردية فتكون ضارة وتؤسس للانحياز الرغائبي فيخسر الفرد ويخسر المجتمع وتخسر الإنسانية ومثلما يقول زفايج : (( فليس من شك ولا هو مما يحتمل المناقشة أن صاحبنا كان إنسانًا نادرًا في تعدد مواهبه فلو أنه انصرف في جدية إلى أي اتجاه سواء في العلم أو الفن أو الدبلوماسية أو الاقتصاد لكان جديرًا أن يأتي بالخوارق ويحقق المعجزات ولكن كازانوفا كان يبدد مواهبه عمدًا على غايات عَرَضية تمليها اللحظة العابرة )) لقد كانت قوة الفضول لديه عارمة ومتأججة فقد كان يستوعب بسرعة ويمل بسرعةٍ أكبر فلا شيء يطفئ نهمه إلى التعرف والاكتشاف ولكن جهده لا يتمخض عن نتائج نافعة باقية وإنما يجسد الاستغراق في أحط الشهوات …

    ويبقى كازانوفا محل اهتمام الدارسين والمتابعين؛ فمن المؤلفات الحديثة جدا التي صدرت عنه كتابٌ يحمل عنوان (كازانوفا الرائع) لفيليب سولير وفيه يقول: ((كازانوفا قصَّاص ممتازٌ، راويةٌ لا يُعلى عليه، جمهوره يستمع إليه ويتولاهم الذهول ويأسرهم وينساقون معه، وتقرأ ما يكتب فتجد الأمر ذاته )) ويقول سولير عن مذكرات كازانوفا بأنها : (( تضم على أقل تقدير عشرين رواية رائعة وما يقرب من مائة قصة طويلة وكل واحدة أنجح من الأخرى)) إنه الولع بالتعرف والهوس بالاكتشاف والقدرة على استعادة المواقف وتدوينها بأسلوب مثير وشائق …

والذي يعنيني من هذا كله أن هذا الرجل الأسطورة يؤكد أنه في كل تجاربه النسائية التي تفوق الحصر لم يكن مدفوعًا بالحب ولا بالرغبة الجنسية وإنما كانت الرغبة في التعرُّف والاكتشاف هي الدافع الذي لا يكف عن التجدُّد وهي الرغبة العارمة التلقائية الملازمة للإنسان إلا أن دفْع الأجيال إلى التعلُّم اضطرارًا هو عملٌ مضادٌّ لطبيعة الإنسان التلقائية؛ وبذلك فهو يطفئ هذه الرغبة الطبيعية ويستبدلها بالعزوف وانسداد القابليات …

تكشف سيرة كازانوفا كيف أن الإنسان مفطورٌ على النهم إلى المعرفة. ولكنه كثيرًا ما يبددها؛ ليس فقط في مثل ما فعل كازانوفا وإنما مجالات الهدر لا نهاية لها؛ فحتى الذين أقبلوا على قراءة كتابه الضخم كانوا مدفوعين بنهم الرغبة في الإثارة واكتشاف ما خفي من حياة الناس  يقول ستيفن زفايج في كتابه عنه: ((لقد أقرَّ كازانوفا على نفسه عندما قال: إني أشعر أن الحب لا يعدو أن يكون لونًا من ألوان الفضول، وهذا كل شيء، فَهَمُّه أن يكرر التجربة أو الخبرة المرة بعد المرة، وكل مرة منها مع امرأة مختلفة، فليست الشخصية الفردية هي التي تستثيره وإنما هو التنوُّع والتبديل المستمر المتجدد على الدوام، إن إقباله وانصرافه إنما هما وظيفة طبيعية من قبيل عملية الشهيق والزفير سواء بسواء)) إنه يتخيل أن كل امرأة تختلف عن كل الأخريات فهو مدفوعٌ بهوس الرغبة في الاكتشاف. وهذه ينبغي أن تكشف حقائق مهمة عن الطبيعة البشرية. وتُطَمْئِن النساء أن الرتابة في الحياة الزوجية ليست ناشئة عن وجود إشكال فيهن. وإنما هي طبيعة عامة …

  ويؤكد ذلك علماء النفس والمحللون النفسيون وعلى سبيل المثال فإن المحلل النفسي هيرولد يؤكد بوضوح بأن: ((جوهر التعلق هو الفضول والرغبة بمعرفة موضوع التعلق)) ويؤيد ذلك تيودور رايك حيث يرى أن الذي يدفع الرجال إلى التعلق بالنساء وتنويع التجارب ليس الحب ولا الدافع الجنسي وإنما هو الفضول والرغبة في التعرُّف والاكتشاف فالمرأة كائنٌ غامض مثير لذلك يبقى الرجل مندفعًا للاكتشاف وينطبق هذا على كل ما تطمح إليه النفوس وكما قال المبدع بروست: ((الطموح يُسكر أكثر من امتلاك المجد، الرغبة تُزهر والتملك يُذبل، كلُّ شيء الأفضل فيه أن يرى الإنسان حياته في الحلم بدلا من أن يعيشها)) فالإنسان يسعى بإلحاح للحصول على ما يريد؛ فإذا ناله تطلَّع لغيره …

فلو تعاملَ الناس مع الموقف بـهذا المنظار الواقعي لما شَعُرَ أيٌّ من الزوجين بالإهانة أو الفجيعة أو خيبة الأمل ففتور الاهتمام سببه التآلف والتعود وليس زوال الحب فقد كان اندفاع كازانوفا مع أي امرأة تتاح له؛ هو بسبب الرغبة المتجددة في اكتشاف أسرار النساء عمومًا فهو ليس موجَّهًا لواحدة بعينها فزواج  الرجل بأخرى ليس مؤشرًا على فتور حبه لزوجته الأولى وليس ناتجاً عن زهدٍ فيها وليس بحثاً عمن هي أجمل منها وليس لأنه طرأ عليه ميلٌ جديد إلى امرأة أُخرى وإنما هي استجابة بيولوجية تلقائية سببها طبيعة الدماغ وهي ظاهرة بيولوجية محضة ولا علاقة لها بالحب فهي ليست موجَّهة لامرأة بعينها وإنما يمكن أن تثيرها أية امرأة أخرى حتى لو كانت دميمة فليس لها أية دلالة على اهتـزاز مكانة الزوجة أو خيبة الأمل فيها أو تغيُّر النظرة نحوها وإنما هي استجابة تلقائية طبيعية عامَّة غير مكتفية مهما نالت ومن هنا جاء تعدُّد الزوجات في أكثر الحضارات القديمة ومازال شائعاً ومنه أيضا شاعت ظاهرة كثرة الجواري والمحظيات لدى الأباطرة والإقطاعيين والأثرياء وأهل النفوذ وكل من يستطيعون ذلك ماليًّا في الأزمنة القديمة بل واستمر ذلك إلى عهد غير بعيد مما أثبته التاريخ والواقع بشكل متواتر !!! فرواية (بجعات برية) ليونغ تشانغ تحكي كيف كان أهل النفوذ في الصين إلى عهد قريب يحتفظون بعدد مفتوح من الخليلات بإشراف الزوجة ورضاها وكان عُرفاً مقبولاً في المجتمع الصيني ومثل ذلك في مجتمعات أخرى!!! لستُ بـهذا أُبرر نزوات الرجال بل أدينها كل الإدانة لكنني أحاول أن أُقدم تحليلاً علميًّا وتعليلاً فلسفيا لإحدى الظواهر البشرية التي تتسبب في الكثير من الخلافات الزوجية والقطيعة وشيوع الطلاق والتشتت والتعاسة والشقاء وتفكُّك الأُسر وضياع الأولاد لذلك فإن الفيلسوف سبينوزا يدعو الجميع إلى تفهُّم الأسباب فيقول: ((بدل الكرْه أو الغضب يجب الإصغاء والفهم)) فالكثير من أنواع السلوك البشري؛ لو فهمنا مَنشأه لزال الكثير من سوء الفهم الذي تنجم عنه الخصومات والقطيعة …

إن الحضارة الغربية ربما هي الحضارة الوحيدة التي فَرَضَتْ الاقتصار على زوجة واحدة وترتَّب على هذا نشوءُ أخلاقيات تستنكر أشدَّ الاستنكار القفز خارج قفص الزوجية سواء كان القفز بالزواج من أخرى أو تفلُّتاً غير مشروع ولم يأت استنكار وجود علاقة للرجل بأكثر من امرأة واحدة من منطلق ديني وإنما جاء احتراماً للزوجة ووفاءً للعهد معها إن الثقافة الغربية حاليًّا لا تَستنكر إقامة علاقات حُب وجنس دون زواج لكنها تَعتبر القفز خارج قفص الزوجية خيانةً مُهينة للزوجة ومُذلَّةً لها وتُشعرها بضياع القيمة فهو في عُرفهم دلالةٌ على تدهور الثقة ونقض العهد ونقص الاحترام وغياب الحب فيدفعها ذلك إلى الشعور بالإهانة والتعاسة والانكسار والإحباط وفقدان الأمل إن القائلين بذلك يتوهمون أنه استخفَّ بـها وفضَّل عليها أخرى ونَقَضَ العهد المبرَم معها ونسوا أن الإنسان يبتهج بالذهاب للقنص في الصحاري القاحلة ويخرج من القصر الفخم بخَدَمه وأبهته وحدائقه وأزهاره وأشجاره ونوافير وفخامته وجماله ومخازنه وثلاجاته التي تزخر بكل ما لذَّ وطاب ليتمرَّغ في الصحراء الغبراء ويُعَرِّض نفسه للشمس اللاهبة وللتعب المرهق وللغبار الخانق من أجل التغيير؛ بحثاً عن الإثارة وليس بحثاً عن الأفضل وقد فطن لذلك الفيلسوف الفرنسي ميشيل مونتاني فأكد أن: ((التنعُّم الزائد يعني الحرمان)) بل إن ألان واتز يرى أن: ((اللذة الدائمة رتابة فظيعة)) فالإنسان يمل أي شيء يكون غارقًا فيه مهما كان رائعًا فيريد الخروج منه وتجريب غيره؛ فالمتعة في السعي ذاته إلى المرغوب وليس في تحقُّقه. إلى درجة أن الفيلسوف الألماني ليسنج يرى أن خفاء الحقيقة هو الدافع إلى البحث عنها ولو كانت مكشوفة ومتاحة بيسر لصارت من المعطيات المعتادة المبتذَلة التي لا تثير الاهتمام المتجدد ويقول عالم الفيزياء ستيفن وينبرج: ((بقدر فَهْمِ الكون يصبح هذا الفهم باردًا وجامدًا)) ويرى أحدُ الشعراء أن اكتشاف طبيعة قوس قزح قد بدَّد روعته وذهب بجماله …

ـــ 8 ـــ

إن النظرية التي توصَّلتُ إليها عن أن الإنسان كائنٌ تلقائي وأن حياته قائمة على التأرجح بين الانتظام المستمر في المعتاد، والإثارة الطارئة ثم الكيُّف والتعود، والعودة إلى الانتظام التلقائي ضمن الوضع السائد المنتظم وأن أي مثير طارئ؛ يدخل بالتكيف والتعود تلقائيًّا بسرعة في إطار الانتظام فيفقد صفة الإثارة ويندمج في الانتظام التلقائي وأن هذا الجوع المتكرر إلى الإثارة هو دافع التعلُّم وأن الملل في مجال الإثارة والإمتاع واللذة والمسرات متربِّصٌ بالإنسان ليدفعه للبحث عن مثير جديد وأن هذه العودة الحتمية التلقائية إلى الانتظام والرتابة تبقيه في لهفة دائمة إلى تجديد الإثارة لأن غياب الإثارة يستحضر تلقائيًّا حصار الملل وجوع الحواس والجهاز العصبي إلى مثير جديد إن هذه النظرية تُعلل نفور الدارسين من التعليم القسري إنها تكشف سبب نجاح التعلُّم اندفاعًا وإخفاق التعلُّم اضطرارًا، أما تلقائية الرتابة في الحياة الزوجية فهي مثالٌ شائع على هذه الطبيعة البشرية التي علينا أن نفهمها ونستثمرها في التعلُّم والعمل وبناء الإنسان بما هو أنفع وأرقى وأنبل …

  إن المرأة بالنسبة للرجل هي أجمل ما في الحياة وأشدها فتنةً وإغراءً وإثارة إنـها السرُّ المغلق والغموض المثير والجمال الآسر واللذة المدهشة يصوِّر ذلك المبدع الفرنسي غوستاف فلوبير على لسان بلقيس: ((إنني العالَم بأسره فمتى سقَطَتْ ثيابي عني تكشَّفَتْ لك أسرارٌ وألغازٌ ومتى امتلكتَ جسدي فسيغمرك فرحٌ عظيمٌ لا يدانيه فرحُ أن تمتلك أيَّ قُطْر من أقطار الأرض )) هذه هي معضلة الرجل أمام أشد الكائنات جمالاً وغموضاً وإثارة وإدهاشاً لذلك فهو مدفوعٌ تلقائيًّا لاكتشاف أسرار أية امرأة لمجرد أنها امرأة حتى يعرف سرَّها مهما افتقرت إلى الجمال حتى وإن كان يخص الجميلات بأشعاره وفنونه…

يقول المبدع العراقي علي الشوك: ((أريد أن أكتب عن المرأة كقوة هائلة في سحر جمالها، المرأة الجميلة تَدَوِّخ، إن الحب أخطر قوة على وجه الأرض)) إنه معجبٌ بقول أناتول فرانس: ((إن الجمال أكبر قوة على وجه الأرض)) بهذا الاندهاش والاندفاع والحلم والإثارة والوهم اندفع الرجال نحو النساء فتحملوا مسؤوليات الأسر والأولاد وهي مسؤوليات ثقيلة ودائمة ومرهقة لكن بهذا الاندفاع التلقائي تحقق تلقائيًّا دوام النوع وتكاثره على حساب الفرد وخسارته …

 ـــ 11 ــ

     مادام أن الرغبة في الاكتشاف هي سبب الجوع المتجدد للمختلف فإن التوافق الفكري والتقارب في الاهتمامات العليا بين الزوجين هو الجامع الأقوى فلا نهاية لتنوع مباهج المعرفة فإذا كان كلاهما يستمتع بمباهج الفكر والعلم و الفن والأدب ويجد ذاته ولذَّته في الغوص في هذه المباهج فإن علاقتهما لن تصاب بالفتور بل سوف يتعاظم ثراؤها وتَتَوثَّق روابطها كلما اكتشفا مزيداً من التوافق الفكري والانسجام في الاهتمامات والتشابه في المسرات الذهنية ومن المهم هنا أن ندرك الفرق بين الحب والانجذاب الجنسي البحت فالحب كما قال براتراند راسل: (( تجربة تُجَدِّد وتُنعش كياننا بكامله مثلما يُحدِثُ المطرُ للنبات بعد الجفاف ولا يَحْدُثُ ذلك في الاتصال الجنسي وحْده بلا حب فما أن تنتهي المتعة اللحظية إلا ويتولد الكلل والاشمئزاز والإحساس بأن الحياة جوفاء فالحب جزءٌ من حياة الأرض أما الجنس بدون حب فليس كذلك)) فالإثارة الجنسية قد تحصل مع امرأة دميمة أو من لقاء عابر خاطف خال من الحب وعارٍ من الاحترام المتبادل وغير مصحوب بأية علاقة حميمة وقد تبقى ذكراه ذكرى مُنَفِّرة فمصدر الانجذاب هنا هو الإثارة الغريزية المحضة العابرة ولا علاقة له بمباهج الحب ولا بمسرات التوافق ولا بالانسجام الذي يتكوَّن بين الزوجين بالتآلف العميق والانتظام الرائع…

 الإنسان محكومٌ بقانون التلقائية وهو القانون الأساسي للطبيعة البشرية فالعلاقة الملتهبة تتحول بعد التكيف والتآلف والتعود إلى نوعٍ من الصداقة العميقة والألفة الدائمة وكما وَصَفَ الطبيب النفسي الأمريكي الخبير فردريك لويس في كتابه (20 سنة من الاعترافات): بأنه ليس ((من خيرات الحياة ما هو أشد أثراً وأعمق غوراً وأعذب سيرة من عاطفة الحب التي تجمع بين الرجل والمرأة )) فالحياة الزوجية الناجحة من أروع مباهج الحياة إن الإشكال الحقيقي يكمن في طبيعة الإنسان التلقائية فهو لا يُستثار بالمألوف مهما بلغتْ روعته فالشمس ذاتُـها بكل ما يتجلَّى فيها من روعة وإدهاش لا تثير أحداً رغم أنـها من أروع المشاهد وأشدها إدهاشاً لكن التآلف معها والاعتياد عليها والانتظام على التعايش معها قد أطفأ الإحساس بـهذه الروعة فلا تثيرنا ولا تلفت اهتمامنا وكذلك المرأة الجميلة ما يكاد يحصل الانتظام في الحياة معها بالزواج حتى تزول الإثارة ويسود التآلف وقد عبَّر عن هذه الظاهرة بوضوح وبراعة الروائي المبدع الطاهر بن جلُّون  فيقول في أحد حواراته: (( نتزوج لكي نؤطِّر أنفسنا داخل المجتمع.  من النادر أن يكون الشريكان متكافئين. ثمة حاجة إلى الكثير من الذكاء بغية قبول الآخر كما هو)) فالأصل أن تفكير الإنسان وسلوكه يأتيان انسيابًا تلقائيًّا أما إذا تم تقييده وتأطيره فإنه يكون غير طبيعي؛ غير تلقائي. لذلك فإن شوبنهور يعيد هذه العلاقة ويحصرها بالغريزة الجنسية فيؤكد أن: ((كل شوق وعاطفة مشبوبة، مهما اتخذت من مظهر روحي تجد جذورها في أعماق الغريزة الجنسية، أو حتى أنها مجرد غريزة جنسية محددة بالمعنى الحرفي للكلمة)) ويُعَبِّر تنيسي وليم في ( بغية الفارس) عن الرتابة والملل في الحياة الزوجية فيقول: ((ليس هناك ما يمكن أن يُفسد حياة الرجل أكثر من زواج)) وهي صورة يتكرر عَرْضُها بصورة ساخرة أحياناً أو ناقدة جادة أحياناً أخرى في الكثير من الأعمال الفكرية والأدبية والروائية ومن أشَدِّها صراحة وواقعية الرواية الأشهر ( زوربا ) للمبدع اليوناني نيكوس كازانتزاكي فقد عَرضَها بواقعية صارخة ساخرة على لسان بطل الرواية زوربا إنه يصوِّر الزواج في مقاطع متكررة زاخرة بالسخرية ويعتبره أسخف حماقة يرتكبها الرجال…

إن المبدع المغربي الطاهر بن جلون يصوِّر العلاقة في حالة الإثارة الطارئة على أنـها نـهاية الروعة ويُعيد رَوْعَتَها إلى أنـها بعيدةٌ كل البُعْد عن الرتابة إنـها تحوي كل عوامل الانفجار العاطفي أما تنيسي وليم وكازانتزاكي فيصوران العلاقة المنتظمة بعد غياب الإثارة حين يحصل التكيف والتآلف والاعتياد وتسود الرتابة والانتظام إنـهما صورتان متضادتان: ما تفعله الإثارة التلقائية الزاخرة المتفجرة وما يفعله الاعتياد والتآلف والانتظام والرتابة بعد زوال الإثارة والدخول في تلقائية الرتابة إنـهما تصويرٌ رائع لما تفعله التلقائية سلباً أو إيجاباً إن المعشوقة التي صارت زوجة لا تفقد جمالها ولا مكانتها ولا أهميتها ولا حبها في نظر العاشق الذي صار زوجاً وإنما التكيف والتعود يحجبان ما فيها من إثارة فقط لأن الدماغ الإنساني لا يستثار إلا بمن لا يعرف وليس لهذا أية علاقة بالحب ومن هنا كان تأكيد الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو على: (( لَذَّات المفاجأة )) تكثيفًا لهذه الحقيقة …

لا يصح تجاهل الرغبة الجنسية وأن التآلف يُخمد هذه الرغبة يقول الدكتور ليونارد هايفليك في كتابه (كيف يهرم الإنسان): ((بما أن النشاط الجنسي في أي عمر، بالنسبة للجنسين، يلبي حاجات شخصية عميقة جدا، ويعزز الرابطة الزوجية، ويساعد على المحافظة على استقرار الأسرة وبالتالي على بنياننا الاجتماعي؛ فإن أية خسارة للدافع الجنسي ووظيفته تبعث على القلق)) ومن أجمل ما قرأت عن سرعة فتور الاهتمام بين الزوجين وحصول الإحباط والشك والتلاوم بسبب هذا الفتور المفاجئ ما كتبه المفكر الإنجليزي جيروم . ك جيروم في كتابه ( أفكار لرجل كسول ) فقد أطال في توضيح ما يحصل وفيه يقول: (( كَلاَّ إنا لا نُصاب بالحب مرتين، هُنَّ صديقات العُمْر: الاحترام والإعجاب والحنان لكننا لا نحب مرة ثانية إن الحب كالألعاب النارية لا يومض إلا مرة واحدة وهو كالشهاب يلمع لحظة فتنير الدنيا كلُّها ببهائه ثم يدركه ليلُ حياتنا اليومية الدنيئة ويحتويه وتسقط بقاياه المحترقة إلى الأرض لتبقى مهملة فتخمد وتستحيل إلى رماد )) ويقول: ((سيتوهَّج الحنان في حبور عندما يخبو اللهب الأبيض للحب أما نار الحنان فإنـها تتزايد مع الأيام)) هكذا يزول الاهتمام الملتهب الناشئ عن الرغبة في الاكتشاف ويحلُّ محله اهتمامُ الحب العميق والصداقة النقية والهموم المشتركة والألفة الدائمة والحنان المتجدد أما تلك اللهفة العارمة فتصاب بالخمود فالانتظام هو الأصل أما الإثارة فطارئة وقصيرة المدى…

        إن سرعة التكيف وزوال تأثير المثير تكون أشد وضوحاً في بعض المواقف فرائحة العطر مثلاً تثير الإنسان في اللحظات الأولى فقط حين يرشها على ملابسه ثم يفقد هذا الإحساس فينساها ولكنها تبقى قوية في ملابسه يشمها الآخرون فيه لكنه هو لا يحسُّها ولا ينتبه لها ومثل ذلك يقال عما يحصل للزوجين لذلك نجد أن أشعار الغزل تكون في المعشوقات وليست في الزوجات ففي المعشوقات توجد دواوين كاملة بمعشوقة واحدة بينما لا نجد حتى قصائد مفردة في الزوجات ولو أن ليلى الأخيلية تزوجت مجنونـها لصارت عنده غير مثيرة وكذلك ( عزة ) مع ( كُثَيِّر ) و ( بثينة ) و ( جميل ) وغيرهم من العشاق الذين ملأوا الدنيا بأشعار الغزل لأنـهم لم ينالوا معشوقاتـهم !!! وقد فطن العلماء والنقاد والدارسون لهذه الظاهرة الإنسانية اللافتة فقد أشار إلى ذلك عالم الاجتماع المعروف الطاهر لبيب في كتابه ( سوسيولوجيا الغزل العربي ) فينقل عن جون كلود فادَيه مؤلف كتاب ( الحبُّ العذري ) قوله : (( ويُمَثِّل الأزواج المحبون لزوجاتـهم حالة استثنائية )) وهو ينقل النص مؤيِّداً له ويذكر أن الكسائي قد انتبه لهذه الظاهرة فالمعشوقة المثيرة تختفي عنها الإثارة بمجرد أن تُضحي زوجة فلا غَزَل في الزوجات بينما أن دواوين الغزل بغير الزوجات تملأ أرفف المكتبات فلو تحقق للعاشقين الشكسبيريين : ( روميو وجولييت ) الزواج لخبتْ الرغبة فيهما وانطفأ العشق بينهما وكما يقول عالم النفس شيالديني : (( لعلَّ حُبَّ روميو وجولييت لم يكن في البداية من العمق بحيث يتخطى العوائق الجسيمة التي أقامتْها الأسرتان ولعله بدلاً من ذلك قد اشتعل حتى أصبح لهيباً بسبب تلك الحواجز وربما لو تُرك الصغيران وأساليبهما الذاتية أن يكون إخلاصهما الملتهب قد انتهى إلى مالا يزيد عن ومضة حب مراهق سرعان ما تخبو )) !! فما أن يتوفر المطلوب حتى يتلاشى الإحساس به وتنطفئ الرغبة الدافعة إليه…!!!

وقد أكد علماء النفس على تأثير الوفرة والندرة فالندرة دافع قوي إلى التعلق والاهتمام ومقابل ذلك: هناك علاقة عكسية بين توفُّر الشيء والزهد به فكلما زاد التوفر قلَّ التعلق فإذا كان الملل دافعاً إلى الحركة والنشاط والتغيير فإن الندرة أيضا تدفع إلى الطلب ومع أن النادر قد لا يكون ضروريًّا للحياة إلا أن هذه الطبيعة في الإنسان قد تكون أحد الحوافز الأساسية لإيجاد الوفرة فالندرة تؤدي إلى تكالب الطلب وهذا يدفع إلى البحث عن وسائل لتدبير المطلوب وتحقيق الوفرة وبـهذا تنمو الوسائل وتتطور الحضارة. يتعلق الإنسان بما ليس لديه فإذا حازه زهد فيه وتطلع لشيء مختلف وكما يقول العالم إريك فروم في كتابه (فن الحب): ((إن الإنسان المعاصر يتوق إلى الحب الضائع، ويشغف به أشد الشغف. فما الذي كان سيحدث لو أن جوليت عاشت وتزوجت روميو ؟! وما الذي كان سيحدث لو أن سكارلت تزوجت أشلي ؟ وربما كان الحب المثالي مرتبطًا بشكل ما، بتراجيديا الموت الجميل المبكر، ففي روميو وجوليت يرى البطل حبيبته التي لا يستطيع الحفاظ عليها تغيب عن عينيه بلحظة واحدة)) إن تعقيدات الطبيعة البشرية وكون كل فرد يمثِّل عالَمًا مختلفًا عن كل الآخرين سوف يستبقيه عاجزًا عن فهم نفسه وغير قادر على التلاؤم الدائم في علاقاته؛ تتقلب مواقفه حسب حالاته الانفعالية ومزاجه المتقلب …

ـــ 14ـــ

إن طبيعة الإنسان تجعله نزَّاعاً دائماً إلى ما ليس لديه ومن هنا جاء قول المبدع الفرنسي مارسيل بروست بأن: ((المرء لا يُستهام إلا بما ليس في حوزته)) ويقول أيضا: ((أنْ يحلم المرء حياته أروع من أن يحياها)) وفي دراسةِ آلان فنكييلكرو للحب عند بروست ضمن كتابه (حكمةُ الحب) يقول: ((الهوى يتغذى من السر، فالانكشاف يدَمِّره)) ويشير إلى أن الغموض هو مصدر الجاذبية أما حين يكون كل شيء واضحًا فسوف تنجلي التفاهة وهو بذلك يَعرض رؤية بروست. فأروع الأشياء يصير مبتذلاً بمجرد أن يحوزه الإنسان ولكن متى اقتنعنا بـهذه الحقيقة وتعاملنا معها بواقعية فسوف نتخفَّف من كثير من الأثقال ونتعايش بعقلانية مع ما يواجهنا من مفارقات…

أما جان جاك روسو فيعبِّر عن نـهم الإنسان الذي لا يكف، وعن جوعه الذي لا يشبع، وعن تنقُّله الذي لا يتوقف. كعادته يُعَبِّر ببلاغة فريدة فيقول: ((حتى ولو انقلبتْ أحلامي كلها إلى واقع فلن يكفيني وسأظل أتخيَّل وأتشَهَّى وأحلم وأتلهف إلى المزيد لقد كنتُ أجد في نفسي فراغاً لا تفسير له ما كان لشيءٍ أن يملأه اندفاعاً ما من جانب القلب نحو مصدر آخر للذة لا أدري عنه شيئاً ولكني أستشعر مع ذلك حاجتي إليه؛ أي نعم !! لقد كان ذلك بحدِّ ذاته لذَّة إذْ كان يداخلني منه شعورٌ بالغ القوة، شعورٌ تأدَّى به إلى مجاوزة كل معطى، كان قلبي المأخوذ في إسار حدود الموجودات يضيق بحصاره وكنت أختنق أو أكاد في الكون ولَكَم كنتُ أودُّ لو أندفع في اللامتناهي)) إنه تصويرٌ مدهش لنهم الإنسان الدائم إلى المثير وجوعه المتجدد إلى ما ليس له وزُهده السريع بما هو عنده إنـها حكمة كونية عظيمة تدفع الإنسان للتساؤل الملح والتعرُّف المتلهف والاستقصاء الدائم والبحث المستمر والارتقاء الذي لا يتوقَّف والصعود الذي لا يكتفي أبدا. لكن استثمار هذه الطبيعة النهمة إلى المختلف مرهونُ بالانفتاح الثقافي وبالحريات المعرفية وبالمثيرات المتجددة وبالبيئة الثرية التي تزخر بالتنوع …

 وأخيرًا فإنه يوجد مفارقة تَكَوَّنت خلال عصور سحيقة تَطْبَع العلاقة بين الرجل والمرأة فمنذ أقدم العصور كان الرجال يتقاتلون من أجل النساء فالمرأة دومًا مطلوبة وليست طالبة ومرغوبٌ فيها أما هي فتحجب رغبتها لأنها رغبة غير مُلِحَّة؛ فهي الكائن المطلوب؛ يتقاتل الذكور من أجلها فبقيتْ متبرمجة بهذا الإرث التاريخي الطويل؛ فكأنها فقط مرغوبٌ بها وليست راغبة لقد تغيرت أوضاع البشر لكن طبيعة المرأة لم تتغير فبدى الطرفان وكأنهما لم يُخلقا بانجذاب متكافئ؛ لوجود فارق شديد في الاحتياج؛ فالرجل تجتاحه رغبةٌ عارمة متجددة بينما تُظهر المرأة نوعًا من الاستغناء لأن أهمية الجنس عندها أضعف بكثير من أهميته عند الرجل فكأنهما لم يخلقا متكافئين في هذا الجانب الحيوي الأساسي الضروري لبناء العلاقة واستمرارها بل أكثر من ذلك كما يرى عالم الوراثة بريان سايكس في كتابه (العلم يكشف عن مصيرنا الوراثي): ((الرجل والمرأة يفكران ويتصرفان على نحو بالغ الاختلاف)) ويقول: ((يخلق وجود الجنس منطقة حرب فيها جبهتان؛ عنصران يتصارعان بما يجعل لكل من الرجال والنساء جدول أعمال وراثية يختلف عن الآخر ويرسم الخطوط للصراع الأبدي بين الجنسين؛ صراع تحيط بنا نتائجه كل يوم)) ولا يمكن حَلٌّ هذا الصراع الأبدي إلا بالتحرر من طبيعة الإنسان التلقائية وإعادة صياغة العلاقة بناء على معطيات العلم وإدراك طبيعة الاختلاف والتعامل معه بوعي ورُشد وواقعية …    

 

 

 

تحميل الملف 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *