حسن سلوك

قصة قصيرة 
للقاص منذر حنا 
جلسا بظل الجدار القديم وقد أخذ التعب منهما كل مأخذ، نتيجة السهر الطويل في مقهى يعبق بدخان التبغ، على ضوء فانوس شحيح الإضاءة، وضاعف تعبهما الخوف والقلق من اكتشاف مكانهما من أب أوأخ أو قريب، نسيا الطعام نهائياً وهما منشغلان بطاولة القمار أمامهما، عند الظهيرة انسلا من المقهى بعد أن خسرا كل ماعندهما، كانا يتلفتان حولهما، خوفاً من أن يراهما أحد، ثم استقرا تحت ذلك الجدار، يعانيان الجوع والمرارة، خاصة أن نتائج البريفيه ( الكفاءة)، لم يمض عليها أيام قليلة، والكل كان يعرف نتيجتهما سلفا.
دغدغ النوم جفنيهما المتعبين، وساهمت نسمات الشمال والتعب المضني في نعاس لايقاوم، فتكورا كجروين بائسين .
عندما استيقظا كانت الشمس تودع النهار، وقد أزف وقت المغيب، وبدأت الحركة تدب في أزقة القرية الضيقة، بعد أن خفت حرارة الجو، الجوع يقرصهما بشدّة، قال مأمون : هيا الى بيتنا لنأكل شيئاً، ومع أن فوّاز كان جائعاً جداً، إلا أنه تردد قبل أن يوافق على الدخول إلى بيت عمّه؛ خجلاً وخوفاً ، تسللا من باب الدار الغربي آملين ألا يراهما أحد، غير أن حظهما كان سيّئاً، فقد استيقظ المختار من قيلولته في نفس الوقت، ووقف على المغسلة يرش الماء بسخاء على وجهه ويديه، وقد شكل قنبازه في محزمه، ورفع أكمامه فوق الكوع، صاح ساخراً : أهلا” بالنشامى ! انكمشا بشده وتقلّص وجهاهما بانكسار، جعل المختار يرق بسرعة قائلاً ببعض اللطف : ادخلا ، اغسلا وجهيكما ويديكما، ونادى ابنته قائلاً :أحضري لهما طعاماً، ثم جلس في زاوية الغرفة متشاغلاً عنهما بمسبحته، وملاحظاً الجوع والنهم الذي كانا عليه .
تساءل مأمون هامساً، هل نطرح الموضوع؟ أشار فواز بحاجبيه إلى الأعلى، ولكن المختار سمع الهمس والتقط الحركة، فقال مشجعاً: تكلم ماذا تريد ؟! ازدرد لقمته بصعوبة، وتحركت تفاحة آدم في عنقه إلى الأعلى ثم إلى الأسفل : قررنا أن نتطوع في الجيش، صف ضباط، خير إن شاءالله قال المختار معدّلاً جلسته، وسرح بأفكاره: لم يمض على معركة التوافيق وقتاً طويلاً، وكم تحدث وافتخر أمام ضيوفه ببطولة الجيش، وكم أشاد بعظمة أفراده،, كم تمنّى ومن كل قلبه أن يكون أحد أولاده على الأقل، قد شارك فيها، كان يتحدث عنها بتفصيل ممل، وكأنه يمارس طقساً مقدساً، أوصلاةً، أوكأنه كان حاضراً بينهم . التفت إليهما وقد اكتسى وجهه جديّة صارمة سائلاً: هل انتهيتما من الطعام؟ وعندما ردا بالإيجاب قال : وماذا تريدان مني؟ أجاب ابنه : حسن سلوك، حسن سلوووووووك ، أيوااااااا
جلس متربعاً، عدّل من وضع عقاله قائلاً : لم تتركا دجاجةً إلا وسرقتموها، لم تحدث مشكلة في هذه القرية إلا كان أحدكما وراءها، لم تتركا مقهىً  حقيراً يعتب عليكما، وتريدان أن تتطوعا في جيش يحمي الوطن، في جيش صنع نصر التوافيق، إن جيشنا العظيم يحتاج رجالاً لازعراناً، انقلعا من وجهي أيها النجسان ،سأكون كلب ابن كلب إذا أعطيتكما حسن سلوك .
اندفعا خارجا لايلويان على شيء، وقد حملا حذائيهما بيديهما،
بهت النهار تدريجياً، وبدأ الليل ينشر ستارته على القرية الصغيرة، والسكون يتمدد ليسيطر على الدور والجدران والأزقة، لم يعد يسمع إلاهمسات لعشّاق اتخذوا من الليل ستاراً، أوبيت عتابٍ لعاشق مجروح بصوت مزعج، ولكن صاحبه يبكي حنيناً .
عمر بيت المختار بالساهرين، وعقدت حلقة الورق التسلية اليومية لأصدقائه وضيوفه، وبدأت الأحاديث الطريفة والتعليقات المتبادلة .
الله يمسيكم بالخير! صوت نسائي أجش، اصطدم بالجدران وبالساموك، وبأخشاب السقف، وانعكس في أذني المختار الذي قفّ بدنه، صاح بعصبية : خير!!! كان مزاجه يتعكر كلما سمع هذا الصوت، تنحنح ليخفي ارتباكه وفتل شاربيه نحو الأعلى! ارتسمت ابتسامات ساخرة على وجوه الساهرين ثم اختفت بسرعة، كانت المختارة تقف بالباب بوجهها العبوس الصارم، وقد أخفت لغداً ضخماً في عنقها بمنديلها الحريري، ووراءها ابن عمه أبو فواز الرجل السمح والكريم والذي لايستطيع أن يرد له طلباً، خير! قال مرة أخرى ! ماذا بشأن الأولاد؟ : قال الصوت الخشن الأجش، تفضلوا : قال المختار ،بعد أن أصبح وجهه كامداً مغضناً.
استدار إلى الطاولة الصغيرة، أخرج ورقتين والخاتم والاسطنبة( المحبرة) ووضعهما أمامه وضع قلم الكوبيا في فمه وأخرجه فترك أثراً أزرقاً لامعاً فوق شفته السفلى، ملأ الورقتين ثم لكّ الخاتم بالمحبرة بعصبية وهو ينظر إلى زوجته متهكماً، رفع الخاتم إلى مستوى فمه : تفوووووووووووو، وختم الورقتين ضرباً، ثم قذف الخاتم من الباب فتدحرج يطقطق على الحجارة المرصوفة وهو يقول : الله يلعن المخترة والختيرة
انضم إلى حلقة الورق صائحاً ” فت”
أخذت المختارة الورقتين وخرجت يتبعها أبوفواز دون أن يلقيا تحية الوداع.
* قاص من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *