أدونيس يشعل فتيل النقد ضد جماهيرية الشعر!

جمع الآراء وأعدها من المصدر: خديجة إبراهيم الشهري، خديجة عياش

صياغة القضية وإخراجها: ابتسام عبدالله البقمي، علي بدوي الشهري

إنَّه ” أدونيس “؛ علي أحمد سعيد، شاعر ومفكر سوري، فيلسوف نخبوي، شاعر إشكالي، واعتباراً من الثابت والمتحول؛ يحاول أن يبحث عن التميز، وحتى في مجلة ” شعر” كان أدونيس ورفاقه، يبحثون عن الشعر المتميز تماماً، وبدأ أدونيس مرحلة التنظير حول الكتابة؛ فألف عشرات الكتب، وخاض المعارك الكبيرة في سبيل الشعر.

شخصيته مثيرة للجدل؛ صابت سهامه العديد من الشعراء الغيورين على دياناتهم وأوطانهم، يصفه بعض أصدقائه بأنه شاعر الورق، وليس شاعر الجمهور.

وفي إطار المجلس الدولي للإبداع، قام الشاعر سي محمد البلبال بو غنيم بطرح سؤال عن فيديو؛ نشر لأدونيس عن الابتذال في الشعر، وعلاقته بالجمهور، والذي جاء فيه: ” أكبر أكذوبة فنية الشيء الذي يسمونه الجمهور، ماله معنى، فنياً لا معنى له، وأنا أقيس تدني الشاعر بمدى جماهيريته؛ بعدد ما يكون عنده جماهير سيكون دليل بالنسبة لي على تدني شعره.

نزار قباني جماهيره حجاب كبير على شعره، وجماهير نزار قباني لا تحب الجميل في شعره، وإنما تحب المبتذل والعام والمشترك.

وهذا الشيء ينطبق على محمود درويش، وعلى جميع الشعراء وعليَ وعلى كل الناس.

وإن الجمهور لا يحب إلا المبتذل والسطحي، والعام والمشترك، والذي لا معنى له في الأخير، ولا قيمة له “

السؤال وجه لعدد كبير من المثقفين في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية؛ بما فيها السيكولوجيا الأدب، الانتربولوجيا، والسوسيولوجيا؛ وانقسم المثقفون في إجاباتهم، إلى معارضين ومخالفين لرأي أدونيس، ومؤيدين ومتفقين معه.

مجلة فرقد الإبداعية تابعت هذه القضية باهتمام، ورصدت لكم الكثير من هذه الآراء عن طريق المجلس الدولي للإبداع مشكوراً؛ لتضعها بين أيديكم في ملف واحد.

يقول الكاتب السعودي الدكتور شاهر النهاري:

حيال هذه القضية انقسم جمهور الشاعر إلى جزئين، الأول هو جمهور المثقفين؛ وهؤلاء ليسوا أغلبية؛ لذلك يكون وجودهم ضرورة؛ لجودة وتقدم كل شاعر.

أما الجزء الأكبر عدداً فهم عامة الناس، وممن قد لا يعرفون عن شاعر مثل نزار إلا قليل من نزواته، أو من شدة صراحته، وهم يستخدمونها غالبا في خارج إطارها الطبيعي، ولا يدركون أسس البناء، والمغزى الذي يقصده الشاعر، والسبل المستخدمة، والتراكمية الفكرية، والبحث عن نتيجة مؤثرة، بصورها ووحدتها؛ لذلك نجد أن بعض الشعراء قد يتوهون، ويطربون من ضجيج النوع الثاني من الجمهور، ويفقدون الخيط الرفيع بينهم، وبين النوع الأول المتمكن من حكمه.

الشاعر هنا قد ينزلق بذاته ومعطياته؛ لما يريده جمهوره العظيم عددا، وعندها يفقد تميزه، وذاته، ورسالته؛ وهنا تقع الكارثة.

والأمر يختلف كثيرا عندما نتكلم عن مطرب؛ كما نراه في جمهور فيروز؛ فالتلقي هنا سهل جدا، ولا يحتاج لمثقف؛ حتى يبلغ معانيه، ومشاعره، عكس الشاعر.

وترى الكاتبة السعودية مضاوي القويضي:

أن لغة التعالي والغطرسة والعجرفة معروفة لدى أدونيس، كما أن الجماهير يختلفون في مذاهبهم، ومدارسهم الأدبية، التي يميلون إليها، وانتماءاتهم الفكرية، ومشاربهم، وتذوقهم الأدبي، كذلك في مستواهم الثقافي؛ فهناك طبقة مثقفة قارئة نهمة.

 هو يريد القول أنا لست بحاجة لمن يتذوق شعري؛ فقد بلغت القمة؛هكذا وصلني كلامه، وبلا شك، لا فن ولا أدب بغير جمهور يقدم له؛ وإلا بقي مايكتبه حبيس عقله.

يامن سكنت البرج العاجي؛ هذا ليس ما أوصلك إلى قلوب قارئيك، فالغرور دائما مايكون نهاية الشاعر.

وتعلق الأديبة التونسية حليمة بوعلاق بقولها:

لا أرى هذا الكلام يرتقي إلى مرتبة القضية الخلافية القابلة للنقاش؛ أدونيس يقول هذا لأنه يفتقر للجمهور؛ هي مجرد غيرة لا أكثر؛ خاصةً مقارنة بنزار ودرويش؛ وهذه إهانة للمثقف قبل الشاعر؛ لأن الشعر موجه بالأساس الى المثقف.

بينما يرى الأديب المغربي موسى خيي:

أنه ضمنياً قول في الصميم؛ لأن المشكل ليس في الشاعر؛ بل في قيمة المتلقي/الجمهور، الذي لا يرقى في سماعه إلى مستوى الخبير، العارف بخبايا الشعر، ورموزه، وأساطيره، وصوره العميقة، والبعيدة عن السطحية؛ لهذا فالمتلقي يحكمه عقل جمعي وسطحي؛ بحكم المستويات المختلفة في التكوين، ثم قربها أو بعدها عن التكوين الأدبي، الذي يتناول بالدراسة والمعرفة الأجناس الأدبية؛ وبالتالي تفكيك الإبداع وتذوقه؛ لهذا تحكمه السطحية كما قال أدونيس، ويحب الشعر المسمى السهل الممتنع.

ويرد الناقد السعودي الدكتور نايف الرشدان بقوله:

هذا طعن في الذائقة العامة، وتشكيك في قدرات المتلقين؛ هناك متلقون يصنعون مالا يصنعه المبدع؛ حين يلقى عليهم قميص الشعر؛ يرتد عليهم إبداعهم بصيرا، ويرتد إليهم نبض الجماليات الإنسانية.

المتلقون للإبداع ليسوا مجرد جماهير؛ والجماهير الشعرية تنصت بأذن واحدة؛ لكنهم يتحدثون بعدد من اللغات والمستويات.

وتعقب الشاعرة المغربية مليكة بنضهر قائلةً:

 أعتقد أننا نحن بين مطرقة الاتهام للجمهور، وسندان الشاعر البرئ، والذي يحاول أن يفشي ومن زوايا متعددة، ومختلفة ماتتوارده من خواطر؛ تبعاً لأحداث معينة، أو متخيلة وهو ليس كالمحارب؛ ينتظر المساندة والدعم، بقدر ما ينتظر الأثر الظاهر عليه من خلال الأخر.

 ومسارا الشاعر والجمهور في خطين، متقابلين لا متقاطعين؛ وكرد ساخن على ذلك؛ فإننا كما قلت نعرج على خبل فلسفي، شاذ وعميق.

ويوضح الشاعر المغربي حسن لعتيك رأيه بقوله:

في نظري *على هامش قوله* الشاعر؛ إذا أراد أن يكون مقتدراً؛ عليه أن يكون مثل *العطار* يجمع الكثير من الأعشاب المطلوبة؛ حتى يرضي الزبناء، كذلك الشاعر المقتدر ينبغي له تناول أغلبية المواضيع؛ كي يكون مرجعاً يؤخذ عنه…

وهنا لا أقول ما يقول صاحبنا أن *كثرة الجمهور رمزا لتدنيه*؛ فالقراء أو الرواة كثيرهم يمر مر الكرام على قصيدة لشاعر، وقد يعجبه منها خمس أو ست أبيات ترسخ في ذاكرته، وهناك آخر قد تعجبه القصيدة بأكملها وهكذا؛ بل كلما زاد عدد الرواة؛ كلما زادت شهرة القصيدة، وتغنى بها آخرون؛ وذاع صيت صاحبه وهكذا.

وخلاصة القول لا أقول ما يقوله *أدونيس*؛ ولكل رأيه وشخصيته.

وتعلق الشاعرة الجزائرية سعاد كاشا قائلةً:

 أدونيس يريد أن يربط الإبداع بالنخبة المثقفة؛ وهذا إجحاف كبير، والحقيقة هي أن الجمهور أو القراء، أو عامة الناس؛ هي الحقيقة التي لا غبار عليها؛ طبعا الجمهور مختلف المستويات؛ لذلك فلا يجوز القول أن الجمهور يحب المبتذل، هكذا على المطلق؛ هناك الجمهور الراقي؛ الذي يبحث دائما عن الإبداع الراقي والنظيف.

أما النخبة المثقفة؛ فهي الجمهور النوعي المتمكن؛ وهي كصمام الأمان للشاعر والفنان؛ حتى لا يخرج عن الأطر الفنية المتعارف عليها.

وتميل الشاعرة السعودية ميساء الخواجا إلى قول أدونيس وتعلق:

في البداية لا بد من تحديد معنى الجمهور؛ فهناك فرق بين القارئ المختص أو المثقف، وبين القارئ العادي؛ وإذا كنا نقصد عامة القراء والمتلقين؛ فأنا مع أدونيس في أن الجمهور يحب البسيط والمباشر، ورغم أنه غالباً ما ينظر لشعره، إلا أن في كلامه كثيرا من الصحة؛ القصيدة الجديدة تتطلب قارئاً خاصاً، ومتلقياً مختلفاً؛ والجمهور يميل للنص البسيط المباشر؛ الذي يخاطب ذائقة معينة عنده، أو يثير عاطفة ما لديه؛ فعلى سبيل المثال في حالة محمود درويش؛ يحب كثير من الناس قصائده السياسية المباشرة، ويبتعدون عن شعره الأخير لغموضه، إضافة إلى أن الجمهور يميل إلى اختزال الشاعر في قصائد معينة، اشتهرت أو ساهم هو في شهرتها. التجربة الشعرية الكبرى تحتاج متلقياً خاصاً مثقفاً، وهذا ليس من الجمهور؛ وهو أمر لا يمكن مقارنته بتلقي القصيدة الكلاسيكية، والشعر العربي القديم؛ لاختلاف في مفهوم الشعر، وآليات الكتابة.

 الشعر الحقيقي فيما أرى لا يقاس فقط بعدد المتلقين، والخضوع لتلقي الجمهور؛ وذائقته مصيدة يمكن أن يقع فيها عدد من الشعراء؛ الذين يبحثون فقط عما يسمى بالانتشار الجماهيري.

ويؤكد الشاعر السعودي ياسر الحاشدي:

 أن رأي أدونيس شخصي، وغير موفق الطعن في ذائقة الجمهور؛ الذي تختلف شرائحه المعرفية والذوقية؛ولا ينم عن معرفة بمكامن الجمال، والذوق الرفيع.

بينما يقر الشاعر الإماراتي إبراهيم مبارك:

أن كلام أدونيس صحيح مئة بالمئة؛ فليس لفيف الحضور، أو التجمهر خلف كثير من الشعراء؛ غير لجرس العبارات الطنانة؛ غزلية أو عاطفية أخرى، وليس لفلسفة الفكرة، وأبعاده؛ كلام أدونيس كلام شاعر كبير؛ يعرف ماذا يقول؛ لا حظي ما أكثر حضور منابر الغزل، وغيابها عن الأبعاد الفكرية !، عند أمثال هذا الشاعر المبدع وسواه.

ويخالف الأستاذ سعود اليمني من اليمن هذا بقوله:

لا أرى “الجمهور” في الشعر؛ هذا هراء أدونيسي؛ فالقصيدة هي التي تصنع الذائقة، وليس العكس.

في الشعر “الجاهلي” كانت القصيدة ذات سقف عال؛ لذلك كان الشعراء يتبارون في الإجادة؛ ليحظوا بالثناء والتعليق على أستار الكعبة، ومنه إلى يومنا الحاضر؛ تبقى القصيدة صانعة الذائقة؛ وما سبب ظهور ما سماه”الجمهور” إلا نتاجا لهبوط حاد، في الثقافة الجمعية للشعب العربي، أما القصيدة فهي هناك تنتظر ذائقا يتعرف عليها.

ويضيف الناقد السعودي محمد الغامدي قائلاً:

اختلاف وجهات النظر لا يفسد في الود قضية؛ ولكل ناقد منظور معين من خلاله يبني انتقاده،ولكل متلقي للشعر فروقات فردية؛ والشاعر صاحب القاعدة الجماهيرية الكبيرة من وجهة نظري؛ هو من يراعي هذي الفروق الفردية في أعماله الأدبية والثقافية.

 أما بالنسبة لما ذكره أدونيس في مقابلته؛ فهو لم يأت بأي جديد؛ سوى المزيد من التعالي والاحتقار؛ حيث كان يحتقر أدونيس عموم الناس في الشرق، عبر طروحات استعلائية مكررة، ويصفهم بالجهل والتخلف!؛ فهل تتوقع أن يكون له قاعدة جماهيرية، كغيره من الشعراء.

 أن سهام أدونيس طالت العديد من الشعراء، الغيورين على دياناتهم وأوطانهم، أمثال خليل حاوي، محمود درويش،وعبدالوهاب البياتي، وغيرهم الكثير.

ويعقب الشاعر العماني عزان المعولي بقوله:

 الشعر في عهده الأول اعتمد كثيرا على الجمهور المتلقي؛ عندما كان الجمهور فصيحاً بالسليقة، ولا تشوب لغته كسر ولحن، حالياً الجمهور يميل للشعر الغنائي، والمستهلك في معناه؛ وهذا لا يخفى.

مع ذلك فالشاعر عليه أن يوفق بين فصاحة الشعر، وتجديد الحداثة، وبين المعنى الذي يجذب الجمهور؛ وهو تماماً ما أفلح فيه محمود درويش على سبيل المثال.

شعر درويش ليس مبتذلا ً_على رأي أدونيس _ بل هو شعر عالمي؛ بمعنى المقاومة والألم بالأسلوب الحداثي؛ ورغم حداثته فهو عالمي في جماهيره وكلماته، الجمهور ينتقي أحيانا الشاعر الذي يتكلم بصيغة المعنى المتسامي، والشاعر المحارب من أجل الحداثة الجماهيرية.

هنا تكون العبقرية الشعرية، في التوفيق بين المعنى الذي يحبه الجمهور، وبين حداثة اللامعنى التي تفرض نفسها على مستوى النقد.

ويوجز الشاعر المغربي جلال الخمليشي في رده قائلاً:

أظن أن عبقرية الشاعر، والمثقف بصفة عامة؛ تكمن في قدرته بأن يرتقي بذوق الجمهور.

ويتعجب السعودي أبو داؤود سليمان بقوله:

تبصر في بواطن الأمور؛ وستجد أن من يرتقي بشعره؛ هو من يجيد معرفة رغبات الجمهور؛ كم من نجم أفل وهو في عز توهجه!، غاب واشرقت شمس غيره؛ حيث أن الواقع له من يجيد التعامل معه؛ ألا يعلم أدونيس أن المجتمع هو الجمهور؟!:

لمن أكتب شعري!!

لمن أغني!!

لمن أليس لجمهوري؟؟؛ نرتقي ولكن لا نتكبر.

وتحلل الدكتورة ابتسام الصمدي من سوريا المقولة بقولها:

ما جدوى الفن كله بالعموم دون جمهور؟! ..

ظلوا يلوحون له بجبنة نوبل؛ حتى قضم جذور الشعر الباسق، الذي بنيت عليه سر الحضارة العربية، ونهل الآخرون من معينها؛ وذلك بتنظيرات مزيفة، لا ترقى إلى البقاء الأسمى، لمخزون حضاري انساني.

لقد قدم لغلاة الغرب ما لم يقدمه أي مرتهن؛ لأنه بنظرهم أهم من الساسة، بكل الأحوال هو سعيد بالحديث عنه ولو ذماً؛ يريد أن يشغل الناس كي لا ينسى؛ لأنه فُضح بطائفيته، وبسرقته لإبداع وجهد غيره، أصبح يُشنّع على الجمهور؛ وهو بالأصل ليس له جمهور؛ لأن الذائقة الجمعية لأية أمة؛ لا تُبنى إلا على فن أصيل؛ لذلك هو يعمم. 

يبدو أنه جن من حسده، وغيرته من الشعراء الحقيقين، سبحان الله يبتلي الإنسان بشر أعماله وأقواله.

ويعلل الشاعر الدكتور مجدي حاج إبراهيم من كوالالمبور رأي أدونيس بقوله:

لم يكن أدونيس أول شاعر يلوم الجمهور، ولن يكون الأخير؛ لو كان لأدونيس جمهور لما قال ما قال؛ الجمهور ركن أساس في عملية الاتصال، التي تتكون من أربع ركائز (المرسل، والرسالة، والوسيلة، والمتلقي)؛ ولأن أدونيس شاعر بلا شعبية؛ فهو شاعر فاشل على المستوى التواصلي؛ فاشل لأنه فشل في تحقيق تواصل ناجح مع الجمهور، وعدم نجاح أي عملية تواصلية؛ تعود إلى خلل في أحد ركائز الاتصال؛ ولأن أدونيس لا يريد أن يبدو ضعيفا؛ ترك الحديث عن أركان التواصل الثلاثة الأولى (المرسل، والرسالة والوسيلة) وهي أساس مشكلته، ورمى باللائمة على الجمهور المتلقي.

من المضحك أن نقسم الجمهور إلى قسمين؛ مثقفين يفهمون شعر أدونيس، وعوام لا يدركون قيمة ما فاتهم من شعر أدونيس.

ومن المضحك أيضاً وصف ما يحبه الجمهور، من شعر نزار ودرويش بالمبتذل، بل ووصف جميع القصائد الغنائية بأنها مبتذلة.

كل ذلك لأن أدونيس المسكين ليس لديه جمهور، وليس لديه قصيدة غنائية واحدة.

ويوافق أستاذ الفلسفة عبدالله العيواني رأي أدونيس قائلاً:

صحيح ما يقوله أدونيس؛ ولو كان الأمر غير ذلك؛ ما غرقت الثقافة العربية في السطحية والابتذال.

ويثني الأستاذ أحمد بزون على كلامه بقوله:

 كلام أدونيس صحيح؛ الدليل الأول أن أدونيس شاعر عربي كبير ومتميز؛ وقد ترك أثرا ًكبيراً في الشعر العربي، وفي عدد كبير من الشعراء العرب؛ ومع ذلك هو ليس شاعراً جماهيرياً؛ حتى أن العامة من الناس لا تسمع باسمه؛ ومحمود درويش تخلى عن بعض قصائده الجماهيرية؛ لاعتبارها ساقطة من الناحية الإبداعية، لا سيما قصيدته “سجل أنا عربي”، ونزار قباني اهتم الجمهور بقصائده الجنسية الجريئة أكثر من سواها، وهو عموماً استطاع أن يزاوج بدهاء بين التبسيط والعمق الإبداعي في القصيدة الواحدة، وهذه الموهبة لا يجيدها معظم شعراء العرب اليوم.

هذا الأمر نفسه موجود في الأغنية العربية؛ عندما تكون أغنية “بوس الواوا”، وسواها من أغاني “الهشك بشك” الأكثر جماهيرية، وكذلك الأمر في الموسيقى، وينسحب الأمر نفسه على المسرح؛ فمسرح “الساعة العاشرة”، أو ما يسمى “مسرح التدشئة”؛ بالطبع أكثر جماهيرية من المسرح النخبوي العميق، وهكذا في الفنون الأخرى.

ويقول الشاعر المغربي الحسن الكامح:

لقد حضرت أمسيتين شعريتين لأدونيس، وكانت القاعتان كل على حدة مكتظتين بالجمهور،

لكن مع مرور الوقت وأدونيس يقرأ شعره الغامض الغير المفهوم؛ انسحب الجمهور من القاعة، وبقي أدونيس مع مجموعة من الأساتذة الذين صفقوا له مجاملة؛ لا إعجابا بشعره وذلك في كلية أكادير؛ ومن ذلك الوقت بالذات من التسعينيات، وأنا أفر من شعره كلما أتيحت لي فرصة لقراءة أشعاره؛

لقد قرأت كل دوواينه ولم تجد ذاتي الشاعرة، المتذوقة للشعر منذ الشعر الجاهلي إلى الآن نكهة شعرية في كتاباته؛ فهو شاعر الورق كما يطلق عليه بعض أصدقائه، لا شاعر الجمهور.

وأنت تسمع له عليك أن تترك مفهوم الشعر في البيت؛ وتستمع لعلك تقتنع أن ما يقوله شعراً،

من عاداتي أنه يمكنني السماع وتذوق كل أصناف الشعر؛ لكني في بعض الأحيان أجدني مرغماً على الهروب، من قراءة بعض الأشعار مثل أدونيس وغيره.

إن الشاعر الذي لا يستطيع أن يوصل شعره للجمهور؛ فعليه أن يتأكد من أن شعره فيه خلل ما؛ وعليه أن يعيد كتابة أشعاره بطريقة أخرى؛ والشاعر بلا جمهور ككتاب بلا قراء.

ويرى إحسان السباعي من المغرب:

أن الشعر هو شكل من أشكال الفن الأدبي في اللغة، وهو يدغدغ شغاف الروح، ويزلزل نياطة القلب، ويحرم بؤرة التحليل في مدارك العقل، والتفكير في المعاني، والبياض والانزياحات، وما ترنو له القصيدة من مختلف التأويلات، مع انسيابية الانسجام على ايقاع القافية؛ إن كان موزوناً أو الكلام المنثور، على شفافية الايقاع الوجداني التذوقي؛ لذا نلمس أن الشعر كتب لكي يقرأ بصوت مسموع، وبطريقة معبرة تجعله يتوغل إلى القلب، دون تكلفة أو عناء، وإذا قرأ فهو بالتأكيد وجد لكي يسمع، وإذا سمع فمن البديهي هناك متلقي؛ الذي يتشكل في الجمهور حتى لو كان مستمعاً فرداً واحداً؛ لذا لا اتفق مع أدونيس، حين يقول أن الجمهور هو أكبر أكذوبة؛ بل هو أكبر حقيقة؛ حتى لو كانت مزيفة ؛ فهي تمنح الشاعر دافعاً كي يكتب، ويصحح من قدراته؛ من خلال تفاعل الجمهور معه، والرؤية الانسجامية، والنقدية لشعره؛ لذا ما جدوى المهرجانات الشعرية، التي تقام وتقعد لها الدنيا، وتخضع لتفاعل مختلف القطاعات، وبدعم من وزارة الثقافة، والأمسيات والحفلات الأدبية، التي تتربع فيها القصيدة ملقاة من شفاه الشعراء؛  حتى يشنفوا أسماع الحاضرين، وتقام لذلك مسابقات وجوائز في حضرة الجمهور، كيف ما كان نوعه؛ لتبقى أكذوبة الجمهور أكبر حقيقة، وليس من كثر جمهوره تدنى شعره.

فلولا الجمهور وتذوق من سبقونا في روعة أشعار فطاحل الشعراء؛ لما سمعنا ما قرأ المتنبي وأحمد شوقي ونازك الملائكة والبحتري، والعديد الذي تواتر شعره لنا عن طريق السمع، بعد القراءة من دواوينهم.

وما عسانا أن نقول الآن في ظل التكنلوجية الرقمية، التي تعتمد على الصورة والصوت؛ ألسنا من جمهورها الذي يسمع ويرى؟!؛ فهل تغلق آذاننا ونعمي أبصارنا، ونلغي كل حواس الجمهور فينا؛ حتى نصدق أن الجمهور أكبر كذبة تدني شعر الشاعر؟!؛ من لا جمهور له، ولا مستمع مات في طي الكتمان، وما خبر عن وجوده أحد.

بينما يرى الشاعر السعودي طلال الطويرقي:

 الفنون تحمل رسالة جمالية لا بد لها من متلق، وبخصوص مستوى التلقي فهنا تكمن المشكلة، فالمرسل/الشاعر أو الفنان قد يكون طموحاً، بمتلق معين لنصه؛ لكنه لا يستطيع خلق ذلك المتلقي أواختياره.

وأضيف حين أراد العرب تعريف اللغة قالوا:هي أصوات يعبر بها كل قوم عن مرادهم؛ ومن هنا تظهر لنا رسالة اللغة؛ والآداب تعتمد على اللغة، التي في أصلها تحمل رسالة الإفهام.

صحيح أن الجاحظ اعتبر الإشارة من أنواع البيان الخمسة، لكنها أيضا تحمل مدلولاً معيناً ومعروفاً، وتبين عن غاية؛ فاللغة غائية فكيف يكون المتلقي خارج غاية الأدب؟!؛ إلا إذا كان الأدب خارج غاية اللغة مهما كان مستوى هذه اللغة.

ويرد الشاعر العراقي راسم المرواني بقول أبي تمام الطائي:

إذا الشعرُلم يَهٌزُزْكَ عند سماعهِ

فليسَ خليقاً أنْ يُقالَ لهُ شِعرُ.

ويتساءل الأستاذ إبراهيم منصور من مصر قائلاً:

السؤال الذي يطرح نفسه؛ وهو سؤال مراوغ ونسبي: لمن أكتب؟، ولماذا أكتب؟؛ فإن كانت الإجابة أنه يكتب لنفسه بغض النظر عن مغزى الكتابة؛ من أنها تطهير – حسب مدرسة التحليل النفسي- فكفى الله المؤمنين القتال، أما الكتابة للآخر فإنها تحمل الآخر على ثلاثة أوجه ؛ الناقد، والجمهور، والناقدوالجمهور معاً؛ ومن هنا يتحدد ؛ فإن كان يكتب للنقاد فحسب؛ فهو في رأي البعض نخبوي؛ ولا تسلم ذائقة النقاد على الدوام؛ بل تشوبها ذائقة الجمهور، الذي يطرب لما وجدنا عليه آبائنا ف”ربابة”بشار بن برد تطرب لديكها، أكثر من طربها ب” قفا نبك”، ونأتي إلى نسبية التلقي، التي تخضع لثقافة العصر، والمتاح للقراءة؛ لتصنع هذه الذائقة؛ يخضع للاستسهال والاسترخاص؛ أما ما يكتب له الخلود؛ فهو مايجمع بين عبقرية الزمان والمكان؛ لتتحقق معادلة التلقي الصحيح؛ من وجود فئة من الجمهور -ربما تكون قليلة – تكون في ذهن الكاتب، ويتماهى معها أثناء الكتابة.

ويدعو الأستاذ إبراهيم السوطي من سلطنة عمان للوسطية بقوله:

هل كل الثقافة العربية سطحية وابتذال؟!؛ لماذا لا نكون منصفين؟؛ لم يكن كلام أدونيس صحيحاً بالإطلاق، وليس كل الثقافة العربية سطحية وابتذال.

أرى من السلبية أن نعمم الموضوع؛ بالاتكاء على ركن واحد، دون الأخذ بالاعتبار ببقية الاركان، وذمها مع أنها كلها ساهمت في رفع السقف.

لن نكون سلبيين في كتاباتنا، ولن نكون سلبيين في نظرتنا للغتنا الأم؛ بل علينا أن نكون دائماً متوازنين ووسطيين؛ منطلقين من وسطية ديننا الحنيف؛ حتى يستمر النجاح ولا يتوقف بسبب.

ويقول الأستاذ خلاف أوجادر من المغرب:

وقفة لا بد منها؛ حتى لا يكون كلامنا انطباعياً، ويحتاج بدوره لفريق يقبل به وآخر يرفضه، لنتفق أولا أن الشعر صنف من أصناف المعرفة، وخطاب في البدء وفي المنتهى؛ وإذا كان الأمر كذلك؛ فحري أن ينتج هذا الخطاب لأجل متلقي ما؛ وبهذا المعنى يمكن اعتبار الشعر، رسالة والشاعر رسولا؛ عليه إيصال مضمون ومحتوى هذه الرسالة للمرسل إليه، (جمهورا، صديقا، شعبا، حبيبا أو حبيبة،أو حتى للشاعر وصاحب القصيدة ومنتجها نفسه).

وإذا اتفقنا أن الشعر رسالة وخطاب، والجمهور متلقي؛ فنحن أمام إشكالية أخرى، تتعلق بالعناصر المتداخلة، والمتفاعلة في وصول رسالة الشاعر، منها ما هو مرتبط بمهارة المرسل،  أي بالشاعر نفسه  وحنكته، ولغة شعره وجزالته، وظروفه، ومضامينه،  وأصالة شعره وتلقائيته، وهمومه، باعتباره عنصرا أساسياً في السيرورة التواصلية، ومنها ما هو مرتبط بالمتلقي، أي بالجمهور المتلقي والمستهلك للخطاب الشعري؛ هل هذا الجمهور نشأ تنشئة تسمح له بفهم هذا الشعر؛ لغة ومعاني، داله ومدلوله؟، هل يلامس همومه وأولوياته؟، هل هو معني بهذا الضرب من ضروب الشعر أصل؟؛ قد ينتظر الجمهور شعراً في رثاء واقعه؛ وإذا به أمام شعر يمدح من يستحق الهجاء مثلا.

هذا دون إغفال دور عناصر السيرورة التواصلية ككل، هل تساعد على إيصال مضمون للشعر للجمهور أم تعليقه؟، وتبقى علاقة الشعر بالشاعر وبالجمهور؛ علاقة فعل وتفاعل وانفعالات، إيجابياً أكان أم سلبيا.

وتعلق الشاعرة المغربية صباح خير على مقولة أدونيس بقولها:

في رأيي أدونيس حاكم الجمهور العربي في تصريحه، ووضعه في مرتبة إعجابه بالشعر المبتذل، السطحي الذي لا معنى له؛ والشاهد عندنا هنا الجمهور العريض، لنزار قباني ومحمود درويش؛ بالإضافة أن تصريحه يحمل اعترافا ضمنياً أنه أتحفنا، بشعر مبتذل شنف به أسماع الجمهور العربي.

أدونيس صنف الجمهور العربي على أنه ليس في مستوى تقييمأعمال الشعراء، على اختلاف مدارسهم في خريطة الشعر العربي الحديث؛ وكأن الساحة المثقفة في العالم العربي؛ تخلوا من متلقي مثقف شاعر بالسليقة؛ ولو كان من العامة بإمكانه الفصل بين المبتذل من غيره.

تناسى أدونيس أن شعر نزار قباني مثلاً؛ في مجمله جاءفي وصف المرأة ومناجاتها، بلغة سلسة مفهومة، وبإحساس راق؛ لامس قلب ووجدان المتلقي من جميع الشرائح؛ كان سببا فيالزخم الجماهيري الكبيرلنزار، والحجاب كما سماه أدونيس.

صحيح أن السطحي والمبتذل في الشعر العربي، موجود على مر الأزمنة؛ لكن هذا لا يمنع أن الجمهور العربي فنياً؛ له من سمو الذوق، والإحاطة بكل المدارس الشعرية؛ ما يجعله قادراً على الفصل بين المبتذل في الشعر العربي، والبليغ الجذل الجزيل.

ويتهم الدكتور حسين علي هارف من كلية الفنون الجميلة بجامعة العراق رأي أدونيس بالمغالاة بقوله:

 رأي أدونيس فيه الكثير من المغالاة؛ فالإبداع اولاً وأخيراً، ومنه الشعر يستهدف تحقيق التأثير جمالياً في جمهور (لا يمكن حذفه ومصادرته كما فعل ادونيس)؛ وإلا لماذا نصنع مسرحاً، وشعراً، وسردا؟!؛ لمن؟!؛ من سيتذوق الشعر والفن ؟!؛ هل نكتفي بالفنانين أنفسهم، وهم يستمتعون؟!، أم بجمهور نخبوي محدود؟!.

نحن من نصنع الذائقة الجمالية للجمهور، ونشكّل وعيه الجمالي، نحن المسؤولون؛ فكيف نتعالى عليه، أو نصادره، أو نصنفه كما نشاء؟!!.

أنا ضد المثقف المتعالي المترفع المنزوي، ضد الفن للفن؛ عصرنا وواقعنا ولاسيما العربي؛ بحاجة الى المثقف العضوي، الذي يتماهى مع جمهوره ويرتقي به، كما فعل برتولدبريشت مسرحياً وشعرياً، وشابلن سينمائياً، وآخرون كثيرون.

أحيل أدونيس إلى السياب شاعراً مؤثراً، وله جماهيرية عالية؛ رغم الفنية والجمالية العالية لشعره.

وتؤكد الأستاذة بلقيس الكبسي من اليمن:

إن أدونيس يحب إثارة الزوبعات حوله؛ وقد اتقن هذه اللعبة تماما؛ لأنه يعلم جيداً أن لها جمهورها، لقد وضعنا في تجربة عملية؛ ليثبت صحة ماقاله، وهو يعلم تماماً فائدة ما قاله، وأن هناك نوع من التلقي المبتذل؛ الذي سيحول رأيه لاستطلاعات مهمة بين دفتين؛ حتى وإن كان ماقاله مجرد رأي؛ لا يعتد به والرأي له وعليه،ليس حكماً مطلقاً، ولا قانوناً سارياً،ونحن بصفتنا جمهوراً متلقياً حسب رأيه؛ قد اتقنا الضجيج حوله؛ ليثبت لنا صحة ماقال.

ومع ذلك فإن قياس شاعرية الشاعر؛ ليست بكمية جمهوره بل بنوعيتهم؛ فأغلب الجماهير المتلقية سيما في الوقت الراهن؛ جمهور(السوشل ميديا) مكذوب بها وعليها؛ ومن قال أن جل الجمهور يحب المبتذل، من شعر نزار ودرويش؛ فقوله لم يكن صائباً تماماً؛ وهو مردود عليه ليفسر لنا معنى الابتذال في قاموسه، وليعزز رأيه بنصوص مبتذلة لنزار ودرويش.

ويقول الشاعر والقاص اليمني وضاح اليمن عبدالقادر:

الجمهور يصنعه الإعلام؛ وليس الشاعر من يصنع الجمهور؛ وقد نجد شعراء لهم جمهور كبير؛ صنعه الإعلام، والتكرار على ذاكرة الجمهور، ولم تكن الجماهير وليدة علاقة شعرية خاصة؛ كنتيجة لارتباط الجمهور بالبحث عن الشعر أو الشاعر، بشكل ذاتي ومباشر؛ وإنما بموجه أخر هو الإعلام.

لذلك يرى أدونيس أن قياس تدني الشاعر؛ يكون من خلال الجماهيرية الكبيرة التي يحظى بها، وقد يكون محقاً في ذلك من جانب ما، ويجانبه الصواب في جانب آخر؛ إذا ما أتحنا الفرصة المتساوية لكل شاعر، في حضور تجربته الشعرية عبر مختلف وسائل الإعلام؛ وقياس رأي الجمهور عبر مدى التفاعل، بعد استقباله للرسالة الشعرية.

ويرى القاص السعودي علي السعلي:

أن الجمهور هو من يجعل الشاعر يبدع؛ الجمهور هو العلامة الفارقة، في مستوى ما يقوله الشاعر أو يكتبه، الجمهور هو الترمومتر الشاعر؛ المقياس الحقيقي لجودة الشاعر.

أما الجماهيرية والتي أتفق مع أدونيس؛ فهي كذلك فكم من شاعر يدفعه جماهيريته على حساب جودة شعره!؛ إذاً لابد أن نفرّق بين الجمهور المثقف الواعي النخبوي، وبين الجماهيرية التي تتبع اسم الشاعر عن شِعْره!؛ ولنلاحظ بين قلة نخبوي الجمهور حضوراً، وكثرة جماهيرية شاعر مستوى شعره بين بين.

بينما ترى الروائية الإماراتية أسماء الزرعوني:

أن الجمهور ليس أكذوبة؛ بل هو صوت الشاعر، والملهم في كثير من الأوقات؛ الجمهور الذي يعرف معنى الكلمة الصادقة والمعبرة، والذي يطربه بأنواع الشعر؛ دائما نقول أن الشعر لسان حال الأمة؛ والجمهور جزء من الأمة، والشعر حالة إنسانية يلتقطها الشاعر، ويقدمها للجمهور؛ لكن أنا اؤيد على نوعية الجمهور المثقف الواعي، الذي يمتلك الإحساس، ويسمع الشعر من أجل الشعر، وليس من أجل الشاعر؛ هناك شعراء صنعتهم البهرجة الإعلامية، وشعراء صنعهم مجدهم وشعرهم.

الشاعر الملهم لا يستطيع أن يلقي شعراً من دون جمهور؛ فالاثنان يكملان بعضهما؛ يبالغ أدونيس في هذه المسألة؛ فهو يعاني من انقطاع بين الجمهور وبين شعره؛ لأن شعره ليس مفهوماً حتى للمتخصصين؛ فقد فرغ المفردة من معناها الأصلي، المتعارف عليه بين الجمهور؛ وأعطى المفردة دلالات جديدة، غير متعارف عليها؛ بل غير متفق عليها؛ مما جعل شعره بعيداً عن عقل الجمهور وقلبه.

إذاً هو يعاني من أزمة عدم تفاعل الجمهور معه أثناء الإلقاء؛ بخلاف درويش، ونزار، وجويدة، والقاسم.

وتقول القاصة الكويتية أمل عبدالله:

 أدونيس بدأ كما بدا أبناء جيله؛ كتب شعراً جميلاً؛ سلك به أسلوب من قرأ لهم من الأقدمين؛ وهو لاشك في ذلك شاعراً موهوباً مثقفاً؛ التزم مدارس الشعر التي نشأ عليها، ولكنه عندما ادرك متغيرات الفكر من حوله، عند ظهور مدارس الشعر الحديثة، وأساليب تنسب لأسماء بعينها؛ أراد اللحاق بهم؛ فأخذ يغير من أسلوب نظمه، وعندما وجد أن هذا لا يكفي؛ أخذ يطرح وجهات نظر، وآراء تعارض ما قام به بعضاً من شعراء الجيل، الذي أعقب جيله وأبرزهم نزار قباني، و دعونا نقف أمام موهبة نزار التي زلزلت الأرض تحت قدمي أدونيس؛ لأنه مواطنه اولاً وحظي بشهرة واسعه ثانياً، وفاته أن نزار  اقتنص فكرة  قول الشعر في المرأة؛ وأخلص لهذه الفكرة؛ التي سخر لها شاعريته الفذة، ولَم يُحد عنها أويتذبذب  كما فعل أدونيس؛ الذي رغم موهبته وثقافته الموسوعية؛ صار يتخبط بين الشعر والنقد، لا يستقيم على  رأي أو فكرة.

الأساس هو الإبداع المقترن بثقافة الشاعر؛ هناك جمهور على درجة كبيرة من الوعي؛ يقدر الإبداع ويقيم موهبة الشاعر، ويقيس نتاجه الشعري،وهناك جمهور تأخذه الدعاية الزائفة، لاسم من الاسماء دون تقييم حقيقي.

ويعقب الأستاذ عامر الجفالي من السعودية بقوله:

إن معيارية الجماهيرية؛ ليست منصفة للشاعر؛ بل وليست صادقة؛ بل أكثر من ذلك ربما كانت مؤشراً لسطحية طرحه الشعري، وابتذاله تماما كما قال أدونيس.

ولو كنا أكثر صراحة لقلنا إن كبار الشعراء؛ لم يحظوا بجماهيرية الأقل منهم مستوىً وعمقاً، وعلى سبيل الاستقراء صلاح عبدالصبور، وبدر شاكر السياب، وعبدالله البردوني،والفيتوري؛ لم ينالوا جماهيرية نزار ودرويش؛ رغم تفوقهم الإبداعي؛ لذلك أرى أن يكون الشاعر المبدع سابقاً لعصره، ومتفرداً بخصوصيته؛ فجمهوره نخبة، أولهم زمن ربما لم يحن أوانه.

ويتساءل الأستاذ أحمد المنصوري قائلاً:

إن أدونيس يطرح هنا إشكالية مهمة في عصرنا؛ وهي إشكالية الفجوة بين المبدع الشاعر ومتلقيه، وباتت تتسع يوماً بعد يوم، ولم يعد للشعراء من المتلقين إلا قلة قليلة، لاسيما الأصدقاء المقربين منه.

والسؤال الكبير: ما سر هذا الانقطاع بين الشاعر والجمهور؟، وأين يكمن السبب؟، هل في الشاعر أم المتلقي أم الشعر؟، أم في كل ذلك؟.

ويقول الأستاذ الادريسي مصطفى من المغرب:

لا نجعل من كلام أدونيس هماً؛ المبدعون كالنخيل، لا يلتفتون لمن يرميهم بالحجر.

ويرى الأستاذ جعفر أحمد حيدر من سوريا:

أن الشاعر الإشكالي أدونيس واعتباراً من الثابت والمتحول؛ يحاول أن يبحث عن التميز؛ وحتى في مجلة شعر كان أدونيس ورفاقه يبحثون عن الشعر المتميز تماما، وبدأ أدونيس مرحلة تنظير حول الكتابة؛ فألف عشرات الكتب، وخاض المعارك الكبيرة في سبيل الشعر.

وتصريحه هذا حول جماهيرية الشعر؛ دفعني لإعادة قراءة الكثير من آرائه حول الكتابة، وأنا أعرف عن أدونيس اهتمامه الشديد، وتركيزه الكبير على ذاتية الكتابة، وليس على موضوعيتها.

ولو نظرنا إلى الجماهيرية _التي تحدث عنها _ لرأينا عدداً نادراً جداً من الشعراء؛ ممن استطاع أن يكون كبيراً، ويحوز في نفس الوقت على جماهيرية كبيرة؛ على سبيل المثال نزار قباني، ولا أجد تقريباً غيره ممن أعرفهم.

أدونيس يرى الشعر كائنا نخبوياً، وهو نفسه شاعر نخبوي؛ من هنا أعتقد أن الجماهيرية لم تكن تعنيه كثيراً، بقدر ما تعنيه استثنائية الشعر بحد ذاته؛ ونحن لا يمكننا أن نقرأ تصريحه بعيداً عن الفكر، وجدلية الشعر والنخبوية، التي يراها ويدافع عنها، تقريباً في كل تنظيراته حول الشعر.

يبقى السؤال الذي لابد من الإجابة عنه لمن نكتب الشعر؟، وهل الجماهيرية بالنسبة لنا مطلوبة؟؛ وقد يساعدنا في هذا الأمر عدد من الشعراء من أمثال هشام الجخ!؛ فشعبيته تفوق شعبية أي شاعر قديم أو حديث، وهو يتقاضى أجراً يفوق أجر مسرح بأكمله، في أية حفلة يوجد فيها، وهو ليس أكثر من مهرج. ” الجمهور عاوز كدا “.

على صعيد آخر أنا لا أنكر حيرتي في هذا الأمر؛ فبقدر ما أرى وجهة نظر أدونيس قريبة من الصحة؛ بقدر ما تنكرها ذاتي؛ لأنني أعتقد أن الشاعر لابد له من جمهور، وذلك بالرغم من قناعتي بأنه ” إذا لم يقرأني أحد فسأبقى أكتب لذاتي “.

وهناك أمر آخر لا بد لي من ذكره؛ وهو أن هناك شعر منبري؛ نتهيأ لقراءته ونرتدي لباساً خاصاً لسماعه وتلاوته، وهناك أيضاً شعر آخر نقرؤه في كل مكان؛ ولا داعي للبس بدلة ووضع ربطة عنق لقراءته؛ فهذا الشعر صديقنا ورفيقنا، في البيت والسيارة والمطبخ وكل مكان.

أدونيس نذر حياته للكتابة، وبقي وفياً للكتابة وللتنظير لها، وهو ليس الشاعر الأكبر؛ بقدر ما هو منظر كبير للشعر؛ بل للكتابة؛ باعتباره يدمج كل الأصناف والأنواع الأدبية؛ في أمر يسميه ” الكتابة “.

ختاماً لا أرى الجماهيرية دليلاً على نجاح الشاعر؛ بالرغم من أنني لا أنكرها على أحد.

وتعلق الدكتورة سعيدة خاطر الفارسي من سلطنة عمان بقولها:

 أدونيس منذ أحرق تراثه الشعري الموزون على التفعيلة في الخمسينيات؛ وهو يتصعد في ابتعاده عن الجمهور، وركوب موجة المغالاة؛ في الغموض والترميز؛ حتى أصبح كمن حرق مراكبه، واستحالت عودته؛ مؤكداً في ذلك تنظيراته حول الشعر الذي ابتعد عنه؛ ولا أعرف هل هو متيقن فيما ينظر به، أو هو يهرب بذلك إلى التميز والاختلاف؛ المشكلة تكمن في تناقضات أدونيس؛ فالجمهور لايفهم من شعر نزار ودرويش الا السيئ كما قال؛ والاتهام هنا ليس للجمهور فقط؛ بل للشاعرين الجماهيريين نزار ودرويش؛ وليس هذا بجديد؛ إنها الغيرة الإنسانية الطبيعية، لأبناء المهنة الواحدة.

طبعاً تناقضات أدونيس لاحد لها في معظم تنظيراته؛ التي يحاول فيهاأحيانا لي أعناق النص بالإكراه؛ لكننا لاننكر أن شيئاً من الصحة يكمن في تلك الآراء؛ فهناك جمهور طائش مراهق في ذائقته؛ كجمهور كثير من الشعراء السطحيين والاسماء معروفة؛ لكن هناك جماهير ناقدة؛ ذات تذوق راق؛ وهذا ما رأيته في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، دورة الإقليم العربي في ألمانيا. لقد تهاونا نحن العرب في حجز أماكننا باكراً؛ على حين اصطف الجمهور الألماني قبلنا بكثير، اولاً لشراء كتب محمود درويش المترجمة للألمانية، وثانياً لدخول القاعة؛ وعندما جئنا نحن العرب وجدنا القاعة ممتلئة؛ ووقفنا خارجها نستمع ونستمتع بشعر درويش؛ الذي تضج القاعة بالتصفيق له، عند كل فقرة متميزة؛ فهل هذا الجمهور المميز الغفير يتهم بما ذكره أدونيس؟.

الخلاصة خذوا من أدونيس ما يقنعكم؛ وتجاوزوا عن غرائبه المقصودة من وجهة نظري؛ إن هي سوى زوبعة مفتعلة؛ تعيد أدونيس نفسه إلى مواكب الشهرة؛ التي لم يستطع أن يواكبها شعرياً؛ مستبدلاً إياها بتنظير زوبعي؛ ينفض عنه كثير من الانكسارات التي آل إليها.

ويضيف أحمد يحيى جرادي من السعودية قائلاً:

الكلمات هي من تثبت جودة الشعر؛ فكلما كانت الكلمات معبرة عن شعور الشاعر، ووصفه لما يحاكي بكلمات ذات مدلول عربي أصيل، وبجمل نابعه من القلب؛ هنا نستطيع أن نقول عليه شاعر؛ وشعراء آخرين متكلفين ناديين؛ يصنعون الشعر من أجل الشهرة والمادة؛ فنجدهم منتشرين بشكل كبير وسريع، مثل تخفيضات الأسواق والمحلات التجارية؛ الناس تزدحم على المحلات التجارية المقلدة، ويندر وجودها في الأماكن الأصيلة النادرة.

ويرد الشاعر السعودي عبدلله الخشرمي قائلاً:

أدونيس أحد النماذج الصنمية في واقعنا العربي؛ وعليه أن يتحرر من هذه الصنمية؛ وهي أخطر من الابتذال، وأن يتحرر من النزعة الفلسفية في الشعر؛ لأن قدّاس الشعر ‏أرقى من كل فلاسفة التاريخ.

ويقول الشاعر المغربي سي محمد البلبال:

نحن أمام موضوع كبير وفارق في التلقي؛ لا أرى فيه تشهيراً ولا إشهاراً للشاعر أدونيس؛ فقد ظهرت عبر التاريخ مدارس ونظريات في الموضوع؛ من سقراط أرسطو، إلى بن طباطبا العلوي، إلى ياوسوإيزر بجامعة كونستانتينبالمأنيا.

أدونيس تحدث عن كلمة ابتذال في الشعر، ورصد لنا العلاقة بين الشاعر والمتلقي أي الجمهور،

وأقحم نفسه ضمن من قد يكون شعرهم مبتذلا؛ ذائقة الجمهور لايمكن التحكم فيها، وأيضاً آليات التلقي تلعب دوراً في رسم مسار القصيدة.

الكل يطمح في أن يكون له جمهور واسع؛ وهاته سمة لعمري من سمات نجاح الشاعر؛ وهنا أدخل مجال السيكوانطلوجيا، والقناع الذي تتقنع بواسطتهشخصية الشاعر، خارج الهوية الوعي بها ادراكها ومعرفتها؛ فالشاعر الذي يستطيع أن يكون جمهوراً كبيراً يحسن استعمال أقنعته؛ وبالتالي ينجح في الاندماج الاجتماعي بشكل أوسع بين العامة؛ لأن الخاصة لهم مجالهم وأقنعتهم وهويتهم؛ حسب المنتوج الفكري الإبداعي الشعري الذي يقتنعون به.

ويعلق العقيد محمد موساوي الرحالي من المغرب بقوله:

إخواني أخواتي من المبدعين، الكتاب والشعراء، مرحبا، لقد استوقفتني بعد غياب طويل تدخل الأستاذ المحترم أدونيس كما استوقفكم؛ وانتظرت وقتاً طويلاً لعلي اسمع نوعاً جديداً في خطابه؛ ولكنني وجدت الرجل هو هو لم يغير من توالى الزمان؛ ألا أن الهرم أصبح (هرماً)، وضل مخلصاً لعناده، وسباحته ضد التيار؛ حتى مع أكثر الشعراء شعبيةً وإبداعاً في زمانه كنزار ودرويش، وظل الرجل وفياً لمقولته (لم يعد غير الجنون)؛ وهو أعلم بمقصده ويطبقها في كل مداخلاته؛ ولهذا نلتمس عذراً للأستاذ حين ينقص سراً أوعلنا من الطبقة الكادحة، والعامة من الشعوب؛ وكان الفقر يجردها من الشعور بالفن،ومن الذوق السليم،وتجنى حتى على المهتمين بقضاياهم من المبدعين؛ ويتهمهم  بالتدني لمجرد الاهتمام بقضاياهم الإنسانية؛ وكأنهم جراثيم تعدي من يلمسها، ويحاول الاقتراب منها؛ وهذا شأنه وقد عاش طول حياته من أجلها؛ و لم يأت بجديد منذ كان؛ ولم يدرك أن الفقر والشعبية صفة عابرة؛ والفكر الإنساني عطاء إلهي لا يقبل التمييز؛ ولا يبقى للإنسان إلا ما سعى؛ وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزأه ا لجزاء الأوفى.

فلينظر إلى شعراء روائع الملحون؛ مثلاً جل روادها من الحرفيين، في الصناعات المهملة في البلاد؛ وما يزال ذكرهم وروائع فنهمعلى كل لسان؛ فالمبدع كالشجرة المغلة لا ينقصها من تناول غلتها أغنيا ًكان أم فقيراً، ولاحتى من كسر غصنها للاستعداء، ولا نقص من شأن الوردة؛ إن شمها أحد الفقراء واستمتع بشذاها.

وانظر حتى للشرائع الإلهية؛ لم تسلم من أمثال صاحبنا؛ (قالو أنومن بك واتبعك الأرذلون)؛ فهل نقص من شأنها ومن صاحبها عبر العصور ؟؛ وستبقى كصيحة في واد خصوصاً في سن اليأس؛كأمثال صاحبنا ولنتركه مع مقولته (لم يعد غير الجنون)؛ ولقد صدق في هذا التعبير عن نفسه؛ ولم يترك المجال للآخرين (فلا يحزنك قولهم)؛ واترك قافلة الإبداع تسير، بل وتهرول؛ ولنترك أدونيس مع ألغازه، وفى أبراجه العاجية كمايشاء؛ لن يغير من واقع الإبداع ولا نفسة، المبدعين و لالمحبيهم من العامة في أنحاء المعمور في شيء؛ والقافلة تسير وتسير؛ وستبقى الأحكام الجزافية الغيابية لصاحبنا؛ كما كانت بالماضي لا تعبر ولا تلزم إلا صاحبها؛ لتضاف إلى صراعاته الماضية؛  وستبقى صيحة في واد .وكالظل يزول بزوال صاحبه؛ ولو تكدست دواوينه، التي لا يفك رموزها إلا هو والسائرين في ركابه .

ويرى الناقد المغربي حسن خرماز:

الشعر كشف وخلق وإبداع، يخترق الظاهر إلى الباطن، ويتجاوز الحاضر إلى المستقبل، ينتقل من المعلوم الى المجهول، ويرى الأشياء المفككة في وحدتها العميقة؛ ومادام الشعر كذلك فلايتذوقه الا الخاصة؛ أدونيس لا يقول الا مايعتقده الشعراء؛ وسأسوق مثالاً الشاعر أحمد لمسيح؛ اذ يقول ما مفاده، أنه ركب الخسارة خسارات القاعات المملوءة عن أخرها، لأنه كان يقول الشعار وليس الشعر؛ خسر القاعات وربح الشعر.

ويقول الشاعر السعودي خالد قماش:

أدونيس بالنسبة لنا كان يمثل حالة استثنائية، على مستوى الشعر أو أكثر، وفي الأغلب على مستوى الفلسفة؛ لأنه بالنسبة لي أنا كشاعر أرى ان أدونيس هو فيلسوف وسارد، أكثر من كونه شاعر.

مسألة الجماهيرية هي ترجع لمعايير معينة، من دولة إلى دولة، أو من إقليم الى اقليم، أو من ذائقة إلى ذائقة، وقد نعيدها إلى النخبة، النخبة المثقفة تسمع درويش فتذهل.

يعني مثلاً لدينا في الخليج ودعني اتكلم بصراحة؛ لو اتينا مثلاً بالشاعر خلف بن هذال كشاعر شعبي؛ تجد أن الحضور ٣ آلاف، ولو استضافوا محمود درويش؛ تجد أن الحضور لا يتجاوز ١٠٠ شخص؛ هذا لا يعني أن درويش ليس شاعراً؛ ولا يعني أيضا بأن خلف بن هذال شاعر عظيم؛ لكن مسألة الذائقة من مكان إلى مكان.

مشكلة أدونيس أنه خرج من دائرة الشعر إلى دائرة التنظير؛ والنخبوية هذه موجودة في أي مكان، مثلاً في مصر أو في بيروت وفي الدول التي تقدر الفن؛ ليس لديها هذه الحسابات نهائياً.

الجماهيرية ليست لها علاقة بالمبدع نفسه؛ لكن لها علاقة بالوعي الجمعي بالناس.

ويعقب الروائي والإعلامي السعودي عبدالملك بن حامد الحربي:

اختلف تماما مع رأي أدونيس؛ فالمبدع شاعراً كان أو قاصاً، أو كاتباً صحفياً، أو حتى مؤدياً؛ لابد أن يصل نتاج إبداعه إلى المتلقي؛ وتتشكل الجماهيرية من خلال نتاجه؛ وقديما ًكان الشعراء وهم يتعاكظون في عكاظ؛ كان الحضور يتسق مع إبداعات الشعر؛ لذلك لا شعر بلا جمهور؛ فلمن يقدم قصيدته الشاعر: للكراسي؟!..

ويضيف الأستاذ إبراهيم السليماني من السعودية:

أدونيس كان يمثل حالة استثنائية، على مستوى الشعر والفلسفة، وهو فليسوف وسارد أكثر منه شاعر.

وبالنسبة للجمهور هو على حسب الذوق؛ وليس له علاقة بالمبدع والشاعر نفسه.

وتعلق الشاعرة المغربية فاتحة شعنافي بقولها:

لا يختلف اثنان حول تأرجح المبدع بصفة عامة، والشاعر بصفة خاصة، بين الإبداع الجيد، والأقل جودة، والضعيف؛ ولا يجرد هذا التأرجح الشاعر من مقامه الشعري الكبير؛ وينطبق هذا على الشاعر أدونيس بغض النظر عن سلوكه؛ لأن السلوك لا يهم المتلقي بقدر ما يهم إبداعه الشعري. اذكر هذا في سياق رمي الشاعر أدونيس بالاستعلاء والتكبر؛ عندما سئل عن جمهور الشعر؛ وفي اعتقادي أرى أن أدونيس كان موضوعياً في رأيه؛ وتتجلى موضوعيته في رده عن السائلة بقوله: “بما فيهم أنا”؛ عندما ساقت مثال التوسع الكبير لجمهور الشاعرين نزار ودرويش؛ مجيبًا أن هذا ليس مقياساً لجودة الشعر، معللاً ذلك بأن المتلقي العربي يسعى وراء المبتذل والبسيط؛ وأعتقد أن أدونيس لم يبن وجهة نظره هذه من فراغ؛ بل على أساس استقاه من تجربته؛ وهذه التجربة هي التي جعلته يكوًّن هذا الرأي.

 صحيح أن العقلية العربية هي عقلية التباع، في الرأي والذوق؛ وهذه التبعية هي التي ترمي بالجمهور في المبتذل والبسيط، بوعي منه أو بدون وعي، لكن لا يستثني هذا أن هناك من يبحث عن التميز، ويسعى إليه.

ويقول الأستاذ هشام دقي من فلسطين:

أدونيس انتقل إلى عملية تنظير هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كثرة الجماهير لا تعني أن هذا الشخص محبوب الجماهير والعكس، والدليل هناك فنان شعبي له الألف الحضور، قد تكون أكثر من عبدالوهاب أو سيد مكاوي أو عبدالحليم؛ لذلك الفراغ النفسي يشكل أحياناً حالة يتأثر بها المجتمع، وأيضا أصبح المجتمع العربي لايقرأ بل يسمع؛ بمعنى مجتمع سمعي وليس حسي.

ويرى الشاعر والروائي السعودي عبدالقادر سفر الغامدي:

أدونيس ظل نائياً بذاته عن الجمهور،مكنفئاً عليها، ينظّر من علو؛ لاأقبل برأيه وان كنت من معجبيه في مواطن أخرى؛ حين يقول أن درويش ونزار ليسا شاعرين؛ تتنازعه في ذلك ربما غيرته، أو دوافع إيدلوجية أخرى منهما، ومن كل شاعر له جمهوره.

في زعمي أن الجمهور النخبوي، الناقد القارئ الجيد للنصوص؛ يمثّل إلى حد كبير مؤشراً على شاعرية شاعر، حين يقول له أجدتَ؛ كون هذه الكلمة (الحكم النقدي) صادرة عن جمهور ذي ذائقة عالية؛ يميز فيها بين الغث والسمين؛ بل بين الجميل والأكثر جمالا؛ وفق معايير موضوعية، وليست ذاتية انطباعية.

فإذا ما انتقلنا إلى الجمهور العام وأقصد صاحب الحس الانطباعي؛ فإن الواحد منهم تتنازعه أمور ذاتية؛ وقد يحكم بها حكماً غير عادل على شاعر أو مطرب أو ملحن؛ لا لأنه قد بنى رأيه على معيارية ذات أساس ممنهج؛ بل على انطباع تحكمه دوافع شتى، ومن يركن من الشعراء أو غيرهم، في جمال وعبقرية ما يكتب أو يلحن؛ فانه يظلم الشعر ويظلم ذاته معه.

بينما يرى الدكتور محمد البوجي من فلسطين:

أدونيس يعاني من انقطاع بين الجمهور وبين شعره؛ لأن شعره ليس مفهوماً حتى للمتخصصين؛ لأنه فرغ المفردة من معناها الأصلي المتعارف عليه بين الجمهور، وأعطى المفردة دلالات جديدة غير متعارف عليها، بل غير متفق عليها؛ مما جعل شعره بعيداً عن عقل الجمهور وقلبه؛ اذاً هو يعاني من أزمة عدم تفاعل الجمهور معه أثناء الإلقاء؛ بخلاف درويش ونزار وجويدة.

5 thoughts on “أدونيس يشعل فتيل النقد ضد جماهيرية الشعر!

  1. هذا تحقيق مهم وشامل لمجموعة كبيرة من المبدعين في الوطن العربي وخارجه. الآراء متباينة بين مؤيد ومعارض مما يعني ان وجهة نظر الشاعر ادونيس تعبر عن رأي مجموعة لا بأس بها من المبدعين. انا مع الرأي القائل ان المبدع هو من يصنع الذائقة وليس الجمهور. المعلقات خير دليل كما ذكر احد المشاركين. وفي العصر الراهن نرى اشعار الشابي والقصيبي ونزار ودرويش جمعت حولها جماهير كبيرة من المتذوقين للشعر الراقي، وهذا ماجعل المتلقي العادي يحذو حذو الجمهور الراقي، في تصاعد مستمر رفع من عدد الجماهير الذواقة. مودتي.

  2. ربما أتفق مع أدونيس قليلا
    الجمهور صناعة إعلامية
    لو يهتم الإعلام من مهرج
    سناب شات لصنع منه بطلا

    الجمهور لا أراهم مقياسا للشعر
    فجزء منهم مثقف والبقية مع الخيل ياشقراء
    أو كما وصفهم نزار بأنهم قطيع

    يقول نزار عن جمهوره
    الذين يخاطبهم بشعره
    وهم المراهقين والسطحيين

    إذا أردت أن تكون شاعرا
    مختلف الملامح
    وفاتكا ، وجارح
    فأخرج على غرائز القطيع ..

    هذا تعليقي

  3. الموضوع ممتاز بالفعل .. وهذا الكم المتنوع الوافر من الشهادات محسوب للموضوع قطعا …
    وبالنسبة لي:
    أدونيس احدث طفرة في لغة الشعر وأثر في الحركة الشعرية بالفعل، ولعل تأثيره السلبي أكبر .. خاصة لمن لم يستوعبه تماما ..
    شعره المبكر فيه جدية وابتكار .. ونوع من التمرد على اللغة ووسائل التعبير .. تمرد هادف في الغالب ..
    أما دواوينه الأخيرة ففيها الكثير من العبث .. ونظرته للتاريخ العربي والإسلامي نظرة عدائية تصطفي مواضع الضعف لتجعلها قاعدة عامة .. وهو يعيد إنتاج النظريات الغربية في تبعية مطلقة .. وهكذا اختتم حياته بالإلحاد والتبشير به والدعوة إليه ..
    أما مسألة التعويل على نجاح الشاعر بقلة الجمهور ففيها مغالطة كبيرة .. لأن جمهور الشعر مختلف تماما عن جمهور كرة القدم والأغاني الشعبية .. واختيار المتلقي للشعر تحديدا ومتابعته له يدل على وعي ثقافي .. والشعر مدارس .. وذوائق الناس مختلفة ..
    تحياتي وتقديري لكم ودام بهاؤكم ونفع الله بكم

  4. أرى انه من الإجحاف ان يجعل ادونيس الشاعر نزار مثالا . فتحرر نزار أو ما تخلل شعره من بذاءة او تعدي للخطوط الحمراء ما أحط من قوة بيانه واسلوبه وبلاغة وتصوير . وفي رأيي أنه وصل إلى جمهوره بجمال شعره وليس ببذاءته . ربما كان يكفي أن يصور لنا مثالا على 90 في المئة من كتاب اليوم لتكون الصورة اوضح وأكثر مصداقية وإنصافا .
    وهذا لا يعني أنني أخالف الرأي هنا لكن نزار لا يضرب به المثل هنا أبدا .

    مع خالص تقديري لهذا النقد العادل والآراء الصادقة .

  5. لم أشأ أن أكون منحازا في اختياري للحكم على المدارس والاتجاهات والتيارات … ولا أهمل أي محاولة شعرية لامعة . إسهاما مني اقول إن النتاجات الشعرية بظواهرها المختلفة تبقى رهينة المتلقي بنظرتها الموضوعية ولو نسبية بعيدة عن المنحى النقدي.
    ادونيس شاعر أشبه شعره بالفن التشكيلي الغامض قد يكون ضمن المفهوم العام للشعر لكن ينفرد عليه بالغموض و الرموز و الثرثرات الصعبة ..
    وخلاصة شعر ادونيس هو احتفال ادبي مهيب ينتظر مخاض طويل وقدرة خاصة لفهم حالته وشكله بين المعنى والمبنى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *