محمد الزمزمي: التنوع الحيوي للقصيدة

الدكتور مصطفى الضبع 

محمد الحسين محمد الزمزمي شاعر سعودي من مواليد محافظة رجال ألمع في 23/9/1404هـ – بقرية عـمقة، تلقى التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي بمحافظة رجال ألمع، التحق بكلية المعلمين بأبها وحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم مع مرتبة الشرف عام 1427هـ، التحق بجامعة الملك خالد بأبها وحصل على شهادة الماجستير في المناهج وطرق تدريس العلوم مع مرتبة الشرف الأولى عام 1436هـ .

–  يعمل معلما، من الشعراء الذين ضمهم ديوان “الشعراء الألف” لوليد الشامي.

–  من الشعراء الذين ضمهم كتاب “أعلام من ألمع في الثقافة والأدب” لإبراهيم مضواح الألمعي.

في ديوانه ” أثر الأمنيات ”  (2) يضم الديوان ستا وأربعين قصيدة تتنوع مداخلها ومادتها ومعجمها وخيالها ومساحات التخييل فيها وقوافيها وإيقاعاتها مما يجعل منها نموذجا يشبه التنوع البيولوجي (3) في تعدد مكوناته، وتشعب مساحاته.

فالقصائد في تعدد توجهاتها تؤكد هذا التنوع الذي يعد واحدا من مفاتيح قراءة تجربة الشاعر والوقوف على مكوناتها ومساحة الفن الشعري فيها وقدرات موهبة الشاعر على تشكيل قصيدته والتعبير عن تجربته المبشرة ، ونظام التجربة في محدداتها وطاقة العلامة اللغوية فيها .

يمكننا بالوقوف على واحدة من قصائد الديوان، القصيرة مساحة، الثرية دلالة “كأس من الحزن ملعقة من الفرح!”، يمكننا أن نكاشف جانبا من تشكيل القصيدة وثرائها في تجربة الشاعر.

من أربعة مقاطع شعرية تتشكل مادة قصيدة متخذة صيغة شبيهة بالسيمفونية الموسيقية (4) في حركاتها الرباعية، حيث تتنوع معطيات القصيدة عبر تنوع أصواتها، توجهات الخطاب في مقاطعها / حركاتها، ومنظورات الصور في رسمها ملامح الإنسان في تجليات مشاعره، وتصوراته عن الحياة والكون.

تتدرج الحركات من الأولى إلى الأخيرة طارحة رؤيتها الشعرية الكاشفة عن قدرات الشاعر في تقديم خطابه الشعري.

  1. الحركة الأولى صوت مجهول عام يرتبط يحيل إلى صوت الشاعر ضمنيا:

“عُمْرُ المَسَاءاتِ بالأفراحِ يُخْتَصَرُ!

فـَتْحُ النوافذِ: يُغْري الضَّوْءَ… يَنْهَمِرُ!” (5)

يفتتح الشاعر القصيدة بجملة شعرية تنطلق في فضاء النص دون محدد من مستقر تحيل غليه أو تتوجه إليه ، بوصفها صوتا يتجدد صداه مع التلقي في تجدده ، وحيث تبدو الجملتان المكونتان للحركة منفصلتين ، قبل أن تنتهي الثانية لتكشف عن رابط إيقاعي (القافية الجامعة للصوتين ) ، تتدرج مساحة الإيقاع من الأصغر (الأولى) إلى الأكبر (الثانية) وتجمع بينهما مساحة التشابه في التركيب :

أولا: في المبتدأ تأتي سبيكة المضاف والمضاف إليه (عُمْرُ المَسَاءاتِ) في الأولى + (فـَتْحُ النوافذِ) في الثانية.

ثانيا: في المنتهى يأتي الفعل المضارع الواحد (يُخْتَصَرُ) في الأولى (الفعل مبنيا للمجهول لتأكيد فكرة المطلق غير المستقر) ويأتي الفعلان المضارعان في الثانية (يُغْري الضَّوْءَ… يَنْهَمِرُ)

  1. الحركة الثانية يتجلى صوت الشاعر في مخاطبته المتلقي الضمني:

“حَاوِلْ! فمَنْ طَلَبَ الأشياءَ أدْرَكَهَا

عَزْمًا، ومَنْ أغلق الأبواب ينتحرُ!”

يوجه الشاعر خطابه إلى متلقيه المستهدف (قد يؤول بخطاب الشاعر لنفسه مستنهضها ، أو خطابه للآخر مستهدفا الأمر نفسه ) والشاعر لا يحدد المقصود من المحاولة غير أنه يعتمد أسلوب الشرط القائم على الارتباط الحيوي بين الفعل والجواب ، بين فعل الشرد (طلب) وجوابه ( أدركها) معتمدا علامة لغوية شديدة الانفتاح ، متسعة الدلالة (الأشياء ) تلك العلامة التي تكاد تدل على آلاف المعاني (6)، مما يجعل المتلقي في حالة من حرية الحركة بين المطالب والأشياء تحقيقا لمستهدفاته المادية والمعنوية ، ثم يستخدم الشاعر علامة لغوية من شأنها أن تزيل الغموض الذي قد يحدثه التوسع حيث تأتي العلامة (عزما )(7) بوصفها علامة مصدرية في صياغتها ، جامعة في دلالتها على الإرادة الإنسانية ، كما أن الشاعر يعتمدها علامة رابطة بين أسلوبي الشرط ، ومعبرا من الأول إلى الثاني موزعا طاقة العلامة على الأسلوبية اللذين تتوسطهما ورابطا بينهما بحرف العطف (الواو) في قدرته على الجمع بين الأشياء ظاهرا وباطنا ، وحين يدرج الأسلوب الثاني (ومَنْ أغلق الأبواب ينتحرُ) يمنحنا الشاعر رابطا بين الحركتين : الأولى والثانية ، جاعلا من التواصل مساحة للجمع بينهما عبر علامتين متضادتين من شأنهما وضع الإنسان إزاء خياراته ، وحيث كل حركة تفضي إلى نتيجة محددة: فتح + الضوء المنهمر ، في مقابل ” غلق + الانتحار ” ويكون على الإنسان أن يختار بين الحالتين بوصفهما طريقين للحركة في الحياة  واضعا إياه أمام عاقبة كل منهما .

3-الحركة الثالثة يستمر صوت الشاعر في خطابه الموجه:

فَكِرْ! تَجِدْ كلَّ مَنْ يَجْري لغايتهِ

أصفى؛ وكلَّ ركودٍ بعدهُ الكدرُ!

يعاود الشاعر طرح العلامة اللغوية (فكر) بوصفها فعل أمر يتماس مع الفعل الاستهلالي في الحركة السابقة (حاول) فالمحاولة الناجحة في السابق يترتب عليها أن تفكر في تكرار المحاولة أو الوقوف على نتائجها، والشاعر يغير الأسلوب من الشرط في الحركة السابقة إلى الطلب وجوابه ناقلا المسؤولية من عموم الشرط إلى خصوصية الطلب، حيث التفكر يترتب عليه الوجود والتحقق فمن يسع لغايته يكون أصفى (مستثمرا طاقة اسم التفضيل ومعناه في إثراء الدلالة) ومنهيا الحركة بعلامة خطر تفرض نفسها على كل من يخالف النشاط في تحقيقه الحيوية (كل ركود بعده الكدر ) مستثمرا طاقة التضاد بين الصفاء والكدر بادئا بما هو أفضل على سبيل الإغراء ومنتهيا بما هو أسوأ على سبيل التحذير من سوء الخاتمة .

  1. الحركة الرابعة الختامية: صوت جماعي يعلن عن نفسه عبر ضمير المتكلمين

“حتى المساكن تبكي حين نهجرها

مُذْ نـُغْلِقِ البَابَ.. والجدران “تصْطَبِرُ”!

تأتي الحركة الرابعة جامعة للأصوات السابقة موسعا من مساحة التخييل عبر صورة تبدو قادرة على إنعاش الذاكرة حين تقف على مشهد إنساني يشكله الشاعر في صورة ممتدة تترابط العلامات اللغوية المكونة لها حتى لكأنها تبدو جملة واحدة ممتدة. يعتمد الشاعر في الحركة الختامية على إخراج المتلقي من دائرة الصورة المجردة التي تنحو إلى تخييل الحكمة إلى الصورة الأقرب للتصور في قيامها على تخييل المحسوس ، جاعلا من الجميع شهودا على الحالة الإنسانية حيث المساكن (العلامة قد تحيل إلى مجاز مرسل في علاقتها بالبشر أو بساكنيها ) تفتقد الذين يهجرونها ( وللهجر أسبابه ونتائجه) ، ومخرجا المتلقي من حالة الوقوف على الأطلال قديما ، حيث المهاجر يبكي أطلالا يقف عليها إلى حالة المساكن / الأطلال هي التي تبكي مهاجريها ، مجسدا وضعية الجدران في حالة اصطبارها (أي دخولها في حالة من الانتحار المعني تماما كحالة إغلاق الأبواب التي يترتب عليها الانتحار في الحركة الثانية (ومَنْ أغلق الأبواب ينتحرُ) ، وهو ما يأخذنا إلى مجموعة من التصورات التي يكون على الإنسان أن يحصلها عبر سلسلة الصور المرسومة في توالي العلامات : حاول ، فكر ، لا تتوقف ولا تكن كالجدران الراكدة مما يفضي بك إلى الانتحار / الاصطبار .

إلى حد كبير تنجح القصيدة في تقديم شاعرية صاحبها دالة على قدراته في رسم المشهد الشعري وتشكيل كيان القصيدة، فالقصيدة تكون بمثابة نقطة الدماء التي تكشف عن طبيعة الجسم، كذلك القصيدة تقوم بالدور نفسه في الكشف عن الكيان الشعري أولا والتنوع الحيوي ثانيا للقصيدة وفق مفهوم الشاعر الشاب في ديوانه الأول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش وإشارات :

[1] – (العنوان) جزء من دراسة موسعة عن تجربة الشاعر في ديوانه الأول.

[2] – محمد حسين الزمزمي: أثر الأمنيات – تشكيل – الرياض 2018.

[3] – التنوع البيولوجي: عدد الأنواع في موطن أو منظومة بيئية. (الموسوعة العربية الميسرة، المكتبة العصرية – بيروت، ط3، ص 1044.

[4] – سيمفوني: تأليف آلي في الموسيقى الأوربية، والأصل فيه من افتتاحيات الأوبرات الغنائية، ثم تطور فأصبح تأليفا مستقلا تشترك فيه الأوركسترا، قد يراد به إظهار هيئة تصورية لحالة ما، أو سلسلة معان لموضوع معين، وقد يكون محاكيا لقصة ذات فصول، فإذا اتجه التأليف أصبح فيه مقصورا على التعبير والوصف لموضوع واحد، وارتكز عليه، فإنهم يسمونه القصيد السيمفوني، والسيمفوني عادة يتألف من أربعة فواصل ” الموسوعة العربية الميسرة ص 1972.

[5] – أثر الأمنيات، ص 34.

[6] – ” في لغتنا العربية لا نكاد نجد لفظا يمكنه – تعبيريا- أن يحل محل الألفاظ معظمها، وأن يقوم بدورها قدر ما يفعله لفظ الشيء مفردا أو جمعا، وربما كان لفظ ( الأشياء) أكثر قدرة على التعبير عن الأشياء المتآلفة أو غير المتآلفة ، ومن السهل أن نستخدم المفردتين للتعبير عن عناصر معروفة للمتلقي أو غير واضحة تماما أو يكتنفها جانب من الغموض ، عندها نقول هي (أشياء)” د. مصطفى الضبع : الأشياء وتشكلاتها في الرواية العربية – حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية – مجلس النشر العلمي – جامعة الكويت – الرسالة 213، الحولية الرابعة والعشرون 2004، ص 13.

[7] – ورد في لسان العرب:” العَزْمُ: الجِدُّ. عَزَمَ على الأَمر يَعْزِمُ عَزْماً ومَعْزَماً ومَعْزِماً وعُزْماً وعَزِيماً وعَزِيمةً وعَزْمَةً واعْتَزَمَه واعْتَزمَ عليه: أَراد فِعْلَه. وقال الليث: العَزْمُ ما عَقَد عليه قَلْبُك من أَمْرٍ أَنَّكَ فاعِلُه” لسان العرب مادة: عزم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *