دُمى البندقية استحالت طاقات بشرية واعدة

بقلم /مشاعل عمر بن جحلان 

أُقيم العرض الأول لمسرحية (دُمى البندقية) الثلاثاء الماضي 12/فبراير/ 2019 في مقر جمعية الثقافة والفنون بجدة، وتوالي تكرار عرضه اليومين التاليين، وهو من إخراج الدكتورة مائسة محمد صبيحي، وكتابة وإعداد وتنفيذ مجموعة من الطالبات الجامعيات، ترأسهم الأستاذة سارة الثابتي، ويُساهم بوتيك نقطة للأستاذة سامية إكرام بتنفيذ أزياء المسرحية.

ولا يخفى على كلّ ذي لبِّ ومُستنير بصيرة ما للمسرح من دورٍ عظيمٍ يتعدى كونه مجرد وسيلة ترفيه وتسلية إلى اتِّخاذه وسيلة تربوية، وحصيلة معرفية، وطاقة فكرية وتأملية، كما أنَّ له مقدرة عالية على إلهام الجمهور المتلقي والتأثير فيهم، وترسيخ الأفكار والمعلومات في أذهانهم وذاكرتهم؛ وذاك يعود إلى التماس المباشر من الجمهور مع الفنّ المسرحيّ بما يحويه من قصِّة، وما يسوقه من فكرة، وما يحمله من عِبرة، فهو أبو الفنون. بالإضافة إلى اعتباره مسلكًا لاستثمار الطاقات الشَّابة وتفريغها بشكلٍ راقي وسامي، فهو يعمل على بناء شخصيتهم، وتعزيز ثقتهم بالنفس، وصقل تجاربهم، وإكسابهم مهارات الحفظ، والتَّذكر، وسرعة البديهة، والحوار والتفاعل مع جماعة التمثيل على خشبة المسرح، ومع الجمهور المقابل، كما أّنَّه يزيد من إحساس الشخص بالآخرين حين يلعب شخصية مغايرة لطبعه، الأمر الذي يوسع أفق تفكيره ليستوعب الآخرين ويتفهم سلوكهم.

ويُمكن عقد الأمل بأن تصبح (مسرحية دُمى البندقية) بذرة لمشروع مسرح نسائي مستقبلًا، فقد عمل طاقم العمل بجدّ وإصرار على إنتاجه قرابة العامين حتى خرج بصورته الأخيرة، وهي صورة تخالف طبيعة المسرحيين حين انحنائهم للجمهور لتجعل الوطن يرفع رأسه شامخًا يتباهى بهذا الإبداع الناضج.

لقد كان من اللافت للجمهور شدة اندماج طاقم التمثيل بالأدوار، وانسجامهن في العمل ضمن الفريق، وحيويتهن في الحركة فوق المسرح، وإثارتهن لحماس المتابعة، فأغلب الحضور على علم بسير أحداث القصة ونهايتها، وكنت أسمعها تتردد بين الصفوف، إلا أن الكلّ متفاعل مع وتيرة الصراع ومتلهف لساعة الختام يتخيل طريقة تنفيذها، والحقُّ أنَّها كانت مدججة بالمشاعر والأحاسيس، مشحونة بطابع المأساة، أهطلت دموع الحضور بعدما كانت ضحكاتهن تتعالى بين المشاهد، وهذه القفزات المتباعدة بين مشاعر الحزن والحبور هي ما صنعت جمال المسرحية، وأسدلت عليها حُلّة الإبهار والنجاح.

كما لا نغفل تكريم مجهود تصميم أزياء المسرحية، وملاءمة تسريحات الشَّعر للشخصيات والأدوار، ودقة تصميم المسرح وأضوائه مع مراعاة البساطة، فكان أشبه ما يكون بإشارات طفيفة، مع اعتماد التركيز الأكبر على الأدوار وأدائها، ومن الملاحظ وضوح الصوت على الرغم من اعتماد المُمثِّلات على صوتهن الخاصّ دون وجود ميكروفونات مُكبِّرة، وأيضًا فقد حظيت المسرحية على نصِّ سيناريو عظيم عمدت الفتيات إلى كتابته لا نقله مترجمًا من نسخة المسرحية الإنجليزية لشكسبير، ومن الجدير بالذكر حرص طاقم التمثيل على السلامة مع المصداقية في مشاهد القتال، وهو ما كنتُ حريصة على متابعته بدقِّة أثناء العرض خشية على الفتيات من أي إصابة، الأمر الذي ينبئ عن تدريب مكثَّف ومتقن.

وهناك بعض من فتيات طاقم التمثيل استبدلن الانحناءة الراكعة حين التحية المسرحية بنزول مستقيم للجسم، مع اتزان رؤوسهن، دمتن شامخات!

ولعلّه من الطبيعي أن نلقى بعض النواقص كحال أي عمل فني، فهو عُرضة للنقد بذكر الإيجابيات والسلبيات، وهو ما كان في هذا العمل بالفعل، وأكثر ما يمكن ملاحظته سلبيًا هو اللغة، فعلى الرغم من قوة نصِّ السيناريو المكتوب باللغة العربية إلا أنَّ إلقاء الفتيات له يشوبه الكثير والكثير من الأخطاء التي تعلق في الذهن، ولا تغفل عنها الأذن، فالمرفوع منصوب.. والمنصوب مجرور.. ومخارج الحروف متزعزعة عند البعض، وإن كان يُحمد لطالبات أغلبهن من قسم اللغة الإنجليزية مبادرتهن لعمل مسرحية باللغة العربية، إلا أنَّه لا ينبغي إغفال إتقانها والتدريب على نطقها صحيحة لاسيما مع طول مدة التدريب قرابة السنتين كما هو مكتوب في البطاقة التعريفية بالمسرحية. كما أنّه من الجيد لو تمت الاستعانة بالمؤثرات الصوتية في أثناء عرض المسرحية، كصوت مقارعة السيوف مثلا، إلا أنّه مما يرفع رصيد العمل هو قيامه على مجهودات شخصية دون وجود جهة مرجعية رسمية ترعاه بالتدريب والتمويل.

وإنَّه ممّا يرجوه القلب ويرنو له الفكر هو اعتبار هذه المبادرة فاتحة خير لقيام تنظيم مسرحي نسائي متكامل ترأسه جهة رسمية مختصة به، فالرؤية الجديدة التي يحدوها الوطن تبشر بالخيرات والمسرات لمستقبل الفنون جميعها، وها هي جمعية الثقافة والفنون بجدة بادرت وفتحت أبوابها لاحتواء هذه التجربة الشبابية الإبداعية، وأفسحت لها مسرحًا لتنفيذ المسرحية ثلاث ليال متتابعة، وهو ليس بغريب على إسهامات الجمعية المستمرة والمتنوعة في مجال الثقافة والفنون والإبداع، وفي بناء الوطن، وتنمية طاقاته الشّابة وثرواته الإبداعية، فكلّ الشكر والتقدير للجمعية، ممثلة بسعادة المدير العام الأستاذ محمد بن إبراهيم آل صبيح، ولكافة منسوبيها والعاملين بها، ومزيدًا من الإبداع والتألق للمسرح النسائي.

3 thoughts on “دُمى البندقية استحالت طاقات بشرية واعدة

  1. عمل رائع و مجهود جبار تشكرون عليه
    تستاهلون كل الشمر و التقدير و منها لأعمال اعظم و أروع بإذن الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *