قراءة فنية في (منحوتة العلم في سمبوزيوم الجبيل 2019)

الأستاذة/فاطمة الشريف
منحوتة العلم في سمبوزيوم الجبيل 2019
سمبوزيوم نقوش الجبيل ٢٠١٩ فعالية فنية للنحت على الصخور في حديقة السلام بمشاركة خمس نحاتين سعوديين: عصام جميل، الدكتور محمد الفارس ، سعود الدريبي ، رضا العلوي ، فيصل النعمان. قدم النحاتون على مدار عشرة أيام منحوتات صخرية غاية في الجمال والإتقان.
يمتاز الأسلوب الفني للنحّات السعودي عصام جميل بأصالة الفكرة، والمنهجية العلمية في التقديم والطرح. جميع منحوتاته تقدّم بناء على فكرة ورسالة وقيمة يحضّر لها مسبقاً بمجسم مصغر من الطين أو رسم ثلاثي الابعاد، وكما تحمل جميع منحوتاته اسماء وفقاً لما تحمله من معنى مستنداً في ذلك على تخصصه الاكاديمي في علم النفس. قدّم جميل منحوتات تحمل رسائل نفسية واجتماعية ورومانسية وتربويه مراعياً في ذلك الضوابط الشرعية، و تتنوع في الأساليب الفنية. عليه تباينت منحوتات جميل لتعكس صورة مشرّفة للنحت السعودي المعتز بهويته الإسلامية وأصالته العربية؛ ليظهر لنا منحوتات مبدعة، متقنة، مؤنسنة؛ لتنبض بالفكر الأصيل والقيم الإنسانية السامية. تعطي تلك المنحوتات إنطباعا بفكر مفعم بالإدراك والإيمان والاقتناع والفهم في تحليل أبرز رموز الحياة بجمالية ورمزية وشاعرية جلية.
تعد منحوتة العلم  أطول منحوتة نفذت على مستوى فعاليات النحت في المملكة العربية السعودية بارتفاع  260سم بدون قاعدة. وعن منحوتة العلم يذكر جميل أن رسالة المنحوتة تعمّق فكرة “أن التعليم يقود طالبه للعلا، وأن التسلح بالعلم يبقينا على القمة”، فهو لديه قناعة بأن أي منحوتة ذات فكرة و رسالة تدوم لعقود من الزمن. أظهرت المنحوتة كما ذكر الإعلامي المخضرم الاستاذ محمد باخشوين “تمكن الفنان بذكاء أن يجمع بين الاصالة والمعاصرة مستخدما (حجر الرياض)؛ حيث أستطاع ان يطوعه بالمطرقه والازميل بتكنيك وتقنيه تكعيبيه آسره . مستثمرا خبرته الطويله في هذا المجال الصعب؛  ليقدم رساله إنسانيه مضمونها ( طلب العلم من المهد إلى اللحد)”.
أجاد النحّات في توظيف أنسنة الصخرة وفق الضوابط الشرعية متحررا من الشك والريبة؛ لتمثيل معاني العلم ورموزه من كونه عملية بنائية مستمرة تحتاج ركائز صلبة ومتزنة من الفكر والمنهج، كما وأنه طريق طويل يشق مراحله بمرحلة أولية يلزم أن تكون جادة ومليئة بالمعرفة والفكر والمثابرة حتى يسهل على حامله الوصول إلى مراحله الآخرى. طالب العلم المعتلي متى ما بلغ القمة بأساس متين يدرك أن علمه أمانة يحملها على ظهره ليبلغه لمن حوله برقي وشموخ وثقة. 
عبّر الفنان عن مشاعره الناضجة والمشرقة حيال العلم عبر أسلوبين بارزين في المنحوتة: التحرر من التفاصيل و الماديات المرتبطة بالتصور الآلي إلى السمو نحو الرؤى والمشاعر.  إضافة إلى استخدام الحواف المستقيمة في نحت هيكله لتحقيق وحدة و إيقاع وتوازن في التصميم، وتعددت أنواع تلك الحواف ما بين أفقية توحي بالثبات و الاستقرار والهدوء، ورأسية ترمز للشموخ والعظمة والوقار. 
تعدد الأنماط الهندسية وربط إجزائها بحرفية عالية تعكس قدرة النحّات على تصميم بنية رمزية تهدف إلى تحقيق الفاعلية والجمالية الفنية القادرة على إثارة الراحة والهدوء عند تأمل المنحوتة. إضافة إلى صناعة حوارا صامتا بين المتلقي والمنحوتة؛ لتأصيل قيّم إدراكية حسية. فمثلا رأس المجسم ذو الشكل المستطيل المائل إلى التربيع قليلا يذكّرنا بالرجل الآلي (الروبوت) الذي يحمل حقيبة هندسية ذات أبعاد ثلاثية بقاعدة من كتاب مفتوح تعمّق ضرورة مزاوجة التقنية بالكتاب لتحقيق التوازن في طلب العلم؛ فيكون بذلك نجح في توثيق حضارة وخصوصية العصر الحالي. 
منحوتة العلم رمز لإصالة الفكر الثري المعتز بثوابته، وبرهان حاضر لإبداع النحت السعودي في صناعة هوية متفردة معاصرة.

2 thoughts on “قراءة فنية في (منحوتة العلم في سمبوزيوم الجبيل 2019)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *