لصوص الأدب…واهمون يسرقون الضياء

إعداد_أمينة فلاتة 

لا شيء يوازي التحلي بالأمانة والمصداقية في جميع مناحي الحياة، الأمين يرتقي بذاته ويرتقي بكل ما يقدم لمجتمعه، وحين نتحدث عن (الأمانة) نستحضر بعض القضايا الأساسية المتعلقة بعالم الأدب والثقافة، والتي لها أثرها السلبي على المحتوى وعلى المتلقي؛ ألا وهي “السرقات الأدبية”، والتي سنتناولها في قضية هذا العدد عرضًا وتحليلًا مع نخبة من المثقفين والأدباء، في محاولة لفهم هذه القضية وتسليط الضوء على أضرار هذه السرقات التي يتزعمها لصوص الأدب الجاهلون، الذين يلبسون أقنعة ساقطة لا محالة.

وهنا نناقش هذا الموضوع مع ضيوف فرقد؛ من خلال المحاور التالية:

ما هي الأسباب التي أدت إلى ظهور هذه الظاهرة ؟

ما هي تأثيرات اللهاث وراء الشهرة الوهمية، ومادور وسائل التواصل الاجتماعي في تفشي تلك الظاهرة ؟

كيف يحمي الأدباء والمثقفون والمؤلفون إنتاجهم من سطوة هؤلاء اللصوص ؟

هل القوانين الصارمة في المحاسبة كافية في وقف هذه الظاهرة أم أن هناك مطالب أخرى ؟

ما هي الوسائل الممكنة للقضاء على هذه الظاهرة ؟

* ينزع الله بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن

يرى الإعلامي د. محمد أديب أن السرقات الأدبية مشكلة حلولها صعبة؛ لأن السارق، والذي سمح لنفسه بالاقتباس كما يحلو له أن يسمي سرقته ويُطغى عليها صفة من المشروعية الزائفة، هذا الشخص لا يمثل للتوجه النبوي الكريم المؤمن لا يكذب ولو وضعه نصب عينيه لحلت المشكلة، لأن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، والصدق يمنعه من الكذب الذي يتجلى في هذا الموضوع، وهو نسبته عمل وجهد وعطاء الغير لنفسه كذباً وبهتاناً، ولعلي أشير هنا في ردي على المحاور إلى استيفاء كامل المعلومات عن هذه الظاهرة الدخيلة والغريبة على مجتمعنا الثقافي والأدبي والفكري، والتي لم تكن موجودة في الماضي القريب، والتي وجدت مرتعاً خصباً لها في ظل انعدام الاطلاع وضآلة العطاء وقلة الخلفية الإبداعية والفكرية للسارق، ولا أريد الإسهاب ولكن بإذن الله إيجاز لا يخل بالمطلوب.

شكلت السرقات الأدبية سواءً تلك التي فصلت فيها الجهات القضائية في بلدان عدة أو قضايا منظورة حالياً ظاهرة مسيئة في الأوساط الثقافية والوسائط المعرفية، وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسجيل حالات أخرى في ظل التهافت على الشهرة أو الزخم الكبير من الرسائل مما أوجد لدينا لصوصاً يسرقون الضياء من بوابات المعرفة، منتحلين صفة الأديب أو الكاتب أو المؤلف وهم في الأصل محتالون سطوا على إبداعات الآخرين، ومن أهم الأسباب قلة الوازع الديني للسارق وضحالة العطاء والمعلومات والخلفية الثقافية والفكرية في المجال الذي ينسبه لنفسه ويسرق منه المعلومة، انعدام النخب التي تبحث وتتقصى حول هذا الموضوع وعدم وجود رادع نظامي، ويرى أن لوسائل التواصل دور كبير إذ بها وسائل انتشار لا تضع ضوابط للنشر والإشعار وتمكين من هب ودب في أن يظهر مالديه وينسبه لنفسه دون أي رقابة أو مسؤولية أدبية، ومن أمِنَ العقاب أساء الأدب. ويضيف أديب: أنه على الأدباء والمؤلفين حماية إنتاجهم من سطوة اللصوص، وأن يقوموا بتسجيل إنتاجهم وعطائهم لدى الجهات المعتمدة هنا في المملكة (مكتبة الملك فهد الوطنية) واللجوء إلى نظام حماية الملكية الفكرية عند اللزوم، والنظام فيه الكثير من الإيجابيات ومنها التشهير في حالة ثبوت المخالفة (السرقة الأدبية) والاعتذار، وينبغي أن يضاف إليها الغرامة المالية الرادعة وأن من حق المسروق منه إنتاجه الرجوع بالتعويض والضرر وهذا أبسط ما يمكن أن يضاف له النظام الحالي (القانون الخاص بالملكية الفكرية).

كما يرى أنه من لم يرده دينه وضميره ومُثله ومبادئه فلا يمكن أن يرتدع؛ المطلوب إجراءات رادعة أكثر صرامة فإن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن، ونشر الوعي الثقافي والمعرفي يمثل هذه الآفات التي تضر بالمجتمع والتشهيروالتجريم وعدم التعامل مع السارق ونبذه من فعاليات وعطاءات المجتمع الفكرية بكافة أنواعها ومجالاتها العديدة والمحاسبة وعقوبات تصل إلى السجن والإيقاف والفصل من الوظيفة إذا اقتضى الأمر. وأتمنى أن تعقد ندوة أو محاضرة عن هذا الموضوع ويناقش بتوسع ويسعدني أن أوجه الدعوة للجميع وللنخب المعنية بهذا الأمر لاستضافة اللقاء والفعالية في مجلسحي بئر عثمان” الاجتماعي، والتنسيق مع الأمانة العامة للمجلس بهذا الخصوص. والله الموفق لنا جميعاً فيما يحبه ويرضاه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

* الأدب مرآة المجتمع وحمايته حماية لصورته الحقيقية

ويتحدث الروائي والناقد عبدالرزاق سليمان عن الأديب الوهمي بقوله:
ما بين ظهور مفكر وخفاء آخر حكايات تسطرها الأيام، وتحكي حلقاتها اللحظات، سعي حثيث للظهور من بعض من لا يملكون أهليته، تسارعوا وتسابقوا لمجرد الظهور، ولا يمكن ذلك دون وقود يقود إلى الظهور، وقدرة تمكّن صاحبها من الوقوف في مراكز مضاءة.
الشغف غير المبرر، والسعي وراء غير الممكن، ممن لا يجيد السير في طريق الهدف قلب بعض الموازنات، فأخفى المثير، وأظهر غيره، سكت المفوة المثقف، فسُمِع صوته بلسان غيره، وظهرت كلماته ينطق بها آخر.
انكب الأديب الوهمي على أصوات متنوعة، وألحان متباينة، فأخذ من هنا وهناك، وجمع فأسهب، ورسم صورة أدباء في أدب واحد، وليته خلط ما وجده من فكر وثقافة ومزجها بتجربته الذاتية فأنتج أدباً ينم عن تجارب مختلفة، ومواقف متنوعة، ومن كان ذلك ديدنه في أدبه فقد أجاد وأحسن، فليس يعاب على الأديب تأثره بغيره مع نتاج خاص به.
لكن وجوداً لمسه القارئ المتنقل بين صفحات الأدب، وحسابات الأدباء، فوجد حروفاً تنقل من مكان إلى مكان، وصوراً تؤخذ بألوانها وأشكالها، ورسومات يتغير مكانها دون تغيير في مضمونها، وليت الناقل نسبها لأديبها وصاحبها، لكن هناك من يتغنى بألحان غيره، ويتكلم بصوت مثقف آخر.
الأديب الوهمي لا يرتكز إلا على أدباء أو أديب حقيقي، يسير في طريقه فيأخذ مما صاغه وأبدعه من جواهر وحُلي، يجمع ما يجده، فلا فضل له في صياغته، لكنه بعد ذلك كله يجد المجتمع الجواهر في يد من جمعها لا من صاغها وأبدعها، فيُعرف الثاني ويبقى الأول مجهولًا أو معروفاً على حدود طريقه.
ومع جهود صائغ المجوهرات، وجهود الأديب الوهمي في تتبعها وجمعها أُقرت قرارات مثمرة في هذا الجانب تقضي بحماية الفكر والنتاج الفكري والثقافي من سرّاق الكلمة والفكر، وستثمر تلك القرارات في إعادة كلٍ إلى طريقه ومكانه، وسيبقى الصائغ يُبدع دون مخاوف من سرقة ونحوها. فالأدب مرآة المجتمعات وعنوانها، وحمايته حماية لصورتها الحقيقية.

* حال اللصوص كحال الزبد يذهب جُفاءً

وتشاركنا الكاتبة د.أديم الأنصاري برأيها حول السرقات الأدبية حيث قالتشُغل النقد العربي بقضية السرقات الأدبية، وتعددت مصطلحاتها وضروبها بين جمهور النقاد، إلا أن السرقات تحوّلت في العصر الحاضر إلى (إشكالية مهمة)، بل أقرب إلى أن تكون جريمة أخرى، تزداد خطورتها يومًا بعد يوم، حين أصبحت أقرب إلى الانتحال منها إلى السرقة، فقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إيجاد فئة من ( اللصوص ) يختلسون الأضواء من نجوم الأدب وأعلامه بسرقة نصوصهم وكتاباتهم دون إشارة إلى قائلها الحقيقي، وهناك العديد من الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة، ومنها:

1- سهولة تداول النصوص الأدبية وتناولها بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح المتلقي يحصل على تلك النصوص بضغطة زر بعد أن كانت مترامية بين تضاعيف الكتب.

2- إمكانية استخدام بعض الأسماء الوهمية التي تخفي هوية السارق، فلا يتمكن الكاتب أوالأديب من مقاضاته ومواجهته أمام السلطات القضائية المختصة.

3- هوس بعض السارقين بالشهرة، فيعمد السارق إلى ارتياد صفحات أشهر الشعراء والكتّاب على مواقع التواصل الاجتماعي، والسرقة منها، ظنّا منه أن انتحال هذا النص سيجلب له عددًا كبيرًا من المتابعين.

4- ضعف الإمكانيات اللغوية، والتعبيرية لدى الشاعر مما يدفعه إلى سرقة نصوص الآخرين وانتحالها.

5- جهل العديد من الكتّاب بآليات حفظ الحقوق، وتوثيق الحساب وحمايته، مما يسهل على السارق استغلال هذا الأمر بارتكاب مثل هذه الجرائم الإلكترونية وتكرار القيام بها ما لم يتنبه الكاتب لإعدادات الخصوصية والأمان في حسابه الشخصي.

وقد تؤثر هذه الظاهرة سلبًا على الوسط الثقافي والأدبي وجمهوره؛ حيث تتيح الفرصة لأولئك اللصوص بالانضمام إلى هذا الوسط، ومشاركة الآخرين بالأعمال الأدبية سواءً كانت من صنعهم أو صنع غيرهم.

وأصبح الكتّاب إثر ذلك على فئتيْن: الأولى: تحاول التخلص من هذه الظاهرة باتباع كافة الإجراءات الأمنية التي تضمن بها حماية الحساب، الثانية: تعاني من النفور الشديد من وسائل التواصل الاجتماعي وترفض استخدامه لأي سبب من الأسباب، وتفضل بذلك استخدام وسائل النشر الورقية ( التقليدية )، أو أن يبقى مجهولًا مستترًا خلف أضواء الشهرة تحسبًا من وقوعه في مثل هذه الإشكاليات.

وبعد أن فرضت الهيئة السعودية للملكية الفكرية لائحة لأهم العقوبات المترتبة على أصحاب الجرائم الالكترونية التي تشمل السرقات وغيرها من الجرائم أصبح من السهل على الكاتب أن يضمن حقوقه، ويعرّض أولئك اللصوص للمساءلة القانونية، غير أن هذه المسألة حتى الآن تحتاج إلى آلية منظمة، وحملات تثقيفية تهدف إلى توعية الكتّاب والمؤلفين ببنود تلك اللائحة، وما يترتب عليها من عقوبات، وينبغي على الكاتب أن يتصدى لهذه الفئة بوعيه التام وحذره في التعامل معها بتوثيق الحساب وحمايته، وتنبيه المتابعين على ضرورة التوثيق في حال النقل والاقتباس، وألا يجعل منصات التواصل خزينة متاحة لكافة المستخدمين، بل يفضل أن يحفظ نصوصه في كتاب ويعجل في طباعته فور الانتهاء منه، كما أن للجهات الثقافية والأدبية أبرز الأثر في الإسهام في حماية النصوص الأدبية وإبداعات الكتّاب والمؤلفين؛ ليحقق كلا الطرفين جوهر العمل الأدبي القائم على الكاتب والمتلقي، والتي تجعل للكاتب قدرًا من الاهتمام في حفظ حقوقه وملكيّته الفكرية، وللمتلقي كامل الحق في إتاحة جميع الوسائل الممكنة لحمايته من قراءة نصوص مسروقة غير واضحة، والتواصل مع وزارة الثقافة بخصوص المسائل القانونية التي تترتب على بعض البلاغات.                                              

ولا يسعني في الختام إلا أن أصور حال أولئك اللصوص بحال الزبد الذي يذهب جُفاء حتى يترسب على الشاطئ، فإما أن يبقى موطئ الأقدام، وإما أن يتلاشى مع الأيام .

* سرقة الأفكار لاتقل إجرامآعن سرقة  الأموال

وللأكاديمي والمستشار القانوني د. أحمد يوسف العبد من الإمارات رأيه حول قضية السرقات الأدبية حيث قال:

حين تنسب  مقالة أو موضوع  أو خاطرة ليست لكَ فأنت قد تعديت على حقوق وملكية الغير، وهذا يُعد جريمة في حق الفكر والأدب الإنساني، وتعدٍ عظيم على حق شخص في المجال  الثقافي و الفكري، وأيضآ هو استنزاف قدرات الغير والسطو على إبداعاتهم الفكرية، وأنا أرى أن عقوبة هذه الفعله يجب أن تكون رادعه، ولكن للأسف هناك بعض الكتاب الصغار يقومون بالتربح من وراء ما يكتبون لأناس قادرين على الشراء من قصص ومواضيع حتى قصائد شعريه يقومون بنسبها لأنفسهم ؛ فمن يرتكب مثل هذه التجاوزات يجب أن تطبق في حق كل من يسرق الفكر والكلمة، عقوبة مشدده لأن سرقة الأفكار الأدبية، لاتقل إجرامآ وأهمية عن سرقة  الأموال، ويُعزى سبب انتشار ظاهرة السرقة الأدبية إلى عدم وجود رقابة، وأيضاً يشكل اللهاث وراء الشهرة أمراً  أساسياً في سرقة ونسب الكتابات الأدبية من بعض الأشخاص، إلى أنفسهم، ومن الصعب حماية الكتابات الأدبية من قِبل أصحابها بمفردهم، ولابد من تكاتف جهات تُعني بهذا الخصوص، ووضع ضوابط تحفظ للأدباء والكتاب والمثقفين حقوقهم ومن أهم المطالب لوقف هذة الظاهرة: التشهير بمن يعتدي على الحقوق الأدبية للغير، ووضع مظلة تحمي الكتابات الأدبية، تكون مقرًا رسميًا للمفكرين والأدباء.

ويرى من الحلول لحفظ الحقوق:

وضع ضوابط تحفظ الحقوق الأدبية

رفع مستوى الثقافي بطرح أمسيات توضح الحقوق الأدبية وكيفية المحافظه عليها، وتوضيح اللوائح الصادرة بهذا الخصوص

عدم اللجوء إلى أخذ المحتوى الجاهز من الإنترنت  في حال احتجنا لموضوع وصيغة معينة؛ بل يجب الاعتماد على النفس في كتابته من أجل صقل مهارة الكتابة.

*الرغبة في الشهرة السريعة دعم للظاهرة 

وترى الأديبة والمترجمة نادية عبدالوهاب خوندنة أن أسباب تفشي هذه الظاهرة: قد تكون من عدة أسباب مجتمعة منها الديني والنفسي والاجتماعي و التربوي و الاقتصادي وغيرذلك .. فضعف الوازع الديني وانعدام مخافة الله عز وجل قد تجعل سرقة عمل الغير و نسبته للذات أمرًا جائزًا، كذلك الرغبة في الشهرة السريعة بدون عمل جاد للوصول إليها عن استحقاق، قد تسهم في هذه الظاهرة ..

ومثل ذلك أيضاً الجشع المادي مثل المشاركة في مسابقات أدبية بعمل لا يُراعي فيه أبسط حقوق الملكية الفردية، رغبة في الحصول على المكافأة المادية المعلنة للفائزين.

و حقيقةً فإننا كمجتمع ربما نكون عاملًا مساعدًا في قلة الوعي بخطورة هذه الظاهرة، و ذلك عبرالمراحل الدراسية المختلفة فمثلاً قبول المعلمين و المعلمات بأعمال فنية أو وسائل تعليمية يعلمون حق العلم أن الطلاب لم يقوموا بعملها بأنفسهم بل عن طريق مكتب عمل وسائل تعليمية، أوعندما يقبل الأستاذ الجامعي ببحثٍ مكرر، ربما قدمه أكثر من طالب في نفس المقرر أو بتكاليف كتابية واضح من أسلوب كتابتها أنهانسخ و لصقمن مواقع على الانترنت، فالشاهد هنا أن بعض من أفراد هذا النشء الذي يعتاد على استسهال نسبة عمل الآخر لنفسه، و وجود القبول الأدبي والمكافأة بالدرجات العالية، هو نفسه المصدر الذي يمكن أن يخرج منه من يسمي نفسهباحثاً“، وهولا يطبق أدبيات وأخلاقات البحث العلمي بضرورة التوثيق وإثبات مصادر المعلومة و يلجأ إلى السرقات العلمية. وعن وسائل التواصل ودورها في دعم هذه الظاهرة تقول الأستاذة نادية:

وسائل التواصل الاجتماعي وسائط تقنية لها فوائد كثيرة جداً إن أحسن استخدامها والاستفادة من فضائها العالمي اللا محدود.. ولكن للأسف قد يُسئ البعض أو القلة، استخدامها فتصبح ذات تأثير سلبي بحيث تطغى ما تسمى بثقافة التفاهة، و قد تدفع بالشخص المهزوز نفسياً إلى هذا السلوك الشائن بالسرقة العلمية.

والحمد لله أن زاد الاهتمام بحماية الملكية الفكرية وقد حرصت حكومة خادم الحرمين الشريفين على تأصيل ذلك و ترسيخه بإنشاء (الهيئة السعودية للملكية الفكرية) حيث وضعت آليات محددة لتسجيل الأعمال و حمايتها و تحديد العقوبات و تطبيقها بحق المخالفين و نشر ذلك في وسائل الإعلام و التواصل الاجتماعي. ولا شك أن وجود هذه القوانين لها دور كبير في حفظ الحقوق، وكذلك لابد من زيادة الوعي بخطورة الأمر وأنه يتنافى مع تعاليم الدين الإسلامي الذي يوصي بالأمانة في كل مظاهر السلوك الإنساني وتعاملاته.

* الحزم والحسم في تطبيق قانون الملكية الفكرية

ويعلق الشاعر والناقد د. بسيم عبدالعظيم من جمهورية مصر العربية  على قضية العدد بقوله:

السرقات الأدبية ليست جديدة، بل قديمة قِدم الإنسان الذي يسعى للخلود، ويبحث عن الشهرة وذيوع الصيت وبلوغ المنزلة العليا في الحياة، فقديما عرفت السرقات حين كان الفرعون يمحواسم سلفه من على الأثر ويكتب اسمه، وهذا نوع من السرقة المكشوفة المفضوحة قديماً وحديثاً، فمما لا شك فيه أن المعاصرين لها يعرفونها وإن غضوا الطرف عنها رغبة أو رهبة، وقد كشفت الدراسات التاريخية والأثرية هذه السرقات في العصر الحديث.

وقد خصص علماء الأدب قديماً مبحثاً للسرقات الشعرية حتى إن بعضهم ألف في سرقات المتنبي، وهم يقصدون بالسرقة هنا اقتباس الحكمة أو المثل أو تضمين القرآن الكريم والحديث الشريف أوأقوال الشعراء السابقين، وهو ما عرف حديثاً بالتناص حيث يرى بول فاليريأن الليث ما هو إلا عدة خراف مهضومة” وأن النص الأدبي هو تفاعل بين مجموعة من النصوص السابقة التي اطلع عليها المؤلف وهضمها وتأثر بها فنضحت على لسانه وقلمه.

وهذه الظاهرة المشينة والمسيئة لأصحابها قد تفشت في الآونة الأخيرة بدافع البحث عن الشهرة وعشق الأضواء، وخصوصاً في عصر الوسائط المعرفية التي يسرت الحصول على المادة الأدبية والعلمية، وقد انتقلت مع الأسف من النصوص الإبداعية إلى البحوث العلمية والأدبية وغيرها من البحوث في شتى المجالات، وقاعات المحاكم تغص بهذه القضايا التي هي سبة في جبين لصوص الفكر والإبداع، وهي تؤثر سلباً على الحركة الأدبية والثقافية والعلمية.

ومما يدعو لمزيد من الأسف أن هذه الظاهرة تتخفى بشتى السبل، ولكن التقنيات الحديثة تكشفها بسهولة عن طريق محركات البحث، فنجد شاعرا ًمشهورا ًيسرق شاعراً مشهوراً أو أقل شهرة فيذيع صيته ويعلو نجمه ولكنه منحط أدبياً وثقافياً، كما نجد شاعراً مغموراً يسرق شاعراً مشهوراً ويتقدم ببعض نتاجه ليحصل على عضوية نقابة مشهورة فيفتضح أمره، وهناك مكاتب لصناعة الرسائل الجامعية في المدن والعواصم العربية مهمتها تزوير الرسائل ليحصل من لا يستحق على لقب علمي يتبوأ به مكانةً اجتماعيةً ووظيفيةً لا يستحقها فتقع الكوارث من جراء ذلك، وهناك أشخاص متخصصون في صناعة الرسائل لضيق العيش كما يتحججون، وهم يأكلون سحتاً لأنهم يعرفون عاقبة صنيعهم وأثر هذا الصنيع على المجتمع.

ولهذا فإن الأدباء والمثقفون والمؤلفون مطالبون بتسجيل أعمالهم في الجهات المنوط بها ذلك مثل دور الكتب من خلال أرقام الإيداع أو الشهر العقاري أو ما شابه ذلك من مؤسسات حماية الملكية الفكرية حتى يحموا أنفسهم من سطوة هؤلاء اللصوص.

وهناك قوانين لو طبقت وكانت ناجزة لتكفلت بالقضاء على هذه الظاهرة أو على الأقل أسهمت في تقليلها، ولكن إجراءات التقاضي في بلادنا، وتراخي قبضة القانون أمام الفساد وسطوة هؤلاءاللصوص الذين هم غالبًا من الطبقة المخملية التي تبحث عن الشهرة والمكانة الأدبية والاجتماعية عن طريق الانتساب للأدب والثقافة زوراً وبهتاناً، أو عن طريق الانتساب إلى المثقفين والعلماء، ولايعنيهم بعد ذلك افتضاح أمرهم فهم قد نزعوا برقع الحياء، وقد قابلت كثيراً من هؤلاء أثناء حياتي المهنية في مصر وخارجها.

وأرى أنه لكي نقضي على هذه الظاهرة فإنه لا بد من الحسم والحزم في تطبيق قانون الملكية الفكرية، وتطبيق نسب الاقتباس في الرسائل العلمية وكذا في المقالات وغيرها من النتاج الفكري والثقافي والأدبي، وضرورة تغليظ العقوبة على اللصوص وفضحهم أمام المجتمع ليكونوا عبرة لغيرهم ممن تسول لهم أنفسهم اقتراف هذه الجريمة النكراء، وبالنسبة لتزوير الماجستيروالدكتوراه فإنه يجب سحب الشهادة وإلغاء ما ترتب عليها من حقوق مادية أو معنوية، بل يجب الفصل من الوظيفة نهائياً فمن يزور رسالته لا يمكن أن يؤتمن على وظيفته، والصحف تنشر كل يوم سيلاً من هذه السرقات، فأين القانون من ذلك؟

وإني في ختام ردي أذكر هؤلاء اللصوص بالله وحسابه للمرء على ما جنته يداه، وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه.

*من الذي في مرآتك ؟!

ويدلي الكاتب والمدرب عماد شيكاري برأيه حول قضية السرقات الأدبية بقوله:

عندما تنظر في المرآة فأنت تنظر إلى نفسك، وتنظر للحياة من خلال نفسك، لا أقصد النظر إلى ظاهرك الذي تُجمّله لغيرك، بل النظر لباطنك الذي لا يعرفه غيرك، ولا يعرفك إلا أنت {بل الإنسان على نفسه بصيرة}، ونعم هناك من ينسى نفسه الباطنة، ويجهل دواخلها، فهل أنت قريبٌ من ذاتك لتعرف نفسك؟!

نُجري سحب التأمّل لنسأل ذواتنا .. ما هو الذي يحرّكنا؟! وما الذي يدفعنا لإثبات ذواتنا؟! إن التعمق في مثل هذه الأسئلة يبعدنا تماماً عن الاستهلاك السطحي لطاقاتنا، عندما يصل بك الحال أن تكون صادقاً مع نفسك، عندما يصل بك الحال أن تخجل من نفسك قبل أن تخجل من الآخرين عند فعل ما يعيب، عندما يصل بك الحال أن تستحضر رقابة الله من ذاتك، لا يقودك من حولك، أو تدفعك موجة، أو يجرفك تيار، فأنت تعيش الحياة بمعناها الحقيقي وبما ينبغي لك أن تعيشها، من ابتعد عن ذاته وتجاذبته السطحيات جعل همه الناس والتعلق بهم لدرجة أن يلبس ثوب غيره ليتجمّل بما ليس له ولا من حقه، والمنحدر المظلم والملطخ بروث الهوام، أن يصل الأمر إلى سرقة سطور وعمق وأدب غيره ثم ينسب ذلك له، مادت بنا سرقات السطور والأفكار والأدب بقلبٍ باردٍ وضميرٍ خامل، والتزيّن بها في الظاهر والبواطن فارغة إلا من رحم ربي، كم من محبٍّ للخير سطر وكتب، ثم يجد سطوره وكتاباته منسوبة لغيره! وعلى قدر فرحه بنشر الخير.. يتألم لدناءة الطباع وهبوط الهمم، كيف يرضى عن نفسه من يفعل ذلك؟!

أول قطرات العلاج هو الكشف عن ابتذال هذه الصفة، وتصعيد الوعي بالصدق مع النفس والرضا عن الذات بالقيم لا بما يراه الناس مني وليس لي، والمعدن مصيره الظهور مع الزمن والواقع سوف يشهد ولن يطول الغطاء،

ليس للأدباء والمثقفين إلا أن يؤمّنوا لسطورهم وأفكارهم، فعلى قدر توسع صفحات التواصل إلا أن هناك طرق لاعتماد منصاتهم وجعلها رسمية، وكذلك وضوح المعرّفات وربطها بالهواتف الشخصية، وتضمين الاسم في المقالات، واللجوء للاجراءات القانونية للردع، مع العلم بأنه لا يمكن منع السرقة تماماً طالما الشرّ موجود، وطالما أن بعض الضمائر ميتة، وبعض العقول ضعيفة، وبعض الأفكار مغلوطة، نحن نحدّ من الشر بما نستطيع، ونؤمن بأن الحق لا يضيع، ولكي نحظى بتقلّص هذه الظاهرة، لابد أن تتوجه التوجيهات نحو الأساس، وهو تقريب الناس من ذواتهم وتعزيز المصداقية، والتحفيز للوسائل التي تعمق ذلك كالقراءة العزلة وذم السطحية والاستغراق في المظاهر، وأن يعي الناس بمسارات حياتهم، فهناك مسارٌ إيماني بينهم وبين الله، ومسارٌ ذاتي بينهم وبين أنفسهم، ومسارٌ مجتمعي بينهم وبين المجتمع، وإعطاء كل مسارٍ قدره المستحق،والاضطراب يكمن في الخلط،

أخيراً اللحظات الحالية طابعها الإثارة والجَلَبة، وأما القيم فتُعزّز بالتراكم، وثمارها تظهر بعد حين، فالعبرة بالعواقب، ويُحمد العقل على قدر تلمّح العواقب.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: