أدب الحوار

بقلم: سعد عبدالله الغريبي*

لا أدرى ما الذي يجعلنا متحفزين للرد حتى قبل أن نفهم. استمع إلى أي حوار (إن لم تكن أنت نفسك طرفا فيه) وتأمل كيف لا يستمع الطرف الآخر لمحدثه، وإذا استمع لم ينتظر حتى يستكمل حديثه. كأنه يحاول منع المتحدث من إخراج كلماته من فيه، وكأنها إذا خرجت أصبحت حقيقة راسخة لا يمكن ردها. أو كأن السامع يتوقع ما سيقوله محدثه فيدعي أنه فهم ما قال، أو ما سيقول.
والغريب أن هذا الاستعجال لإنهاء المتحدث كلامه والرد عليه يحدث سواء أكان المستمع موافقا ومؤيدا لما يقول محدثه أم معارضا مستنكرا! ففي حالة موافقة المحاوِرِ كلامَه وتأييده إياه يبدو السامع كأنه يملك معلومات وحقائق تفوق ما لدى محاوره، ولذلك تجده يصدر رده بعبارة: “واسمح لي أن أضيف.” أو: “وتأييدا لكلامك…”
أما إن كان معارضا لكلامه فسيقطع على محدثه كلامه قبل أن يتمه بعبارات أكثرها أدبا: “يبدو أنك واهم”. أو “تصحيحا لمعلومتك”.
لكن الغالب أن يتجاوز الحوار هذه الحدود إلى تسفيه الرأي الآخر؛ بل إلى تسفيه صاحبه، وليس ببعيد أن يمتد الاستنكار إلى اتهامه في فكره أو ثقافته أو انتمائه وربما في عقيدته!
وخير مثال تتضح فيه هذه السلوكيات البغيضة هي وسائل التواصل الاجتماعي؛ لا سيما (تويتر) و(الفيسبوك) إذ تساعد عوامل كثيرة في تشجيع سوء الأدب الحواري؛ من بينها أن المتداخل قد يستخدم اسما مستعارا يتخفى خلفه، أو أنه لا يعرف محاوره معرفة تؤهله لحواره ومناقشته، وقد يكون غير مطلع على موضوع الحوار، أو تكون لديه فكرة مسبقة عن محاوره يأبى أن يقتلعها من ذاكرته ولو مؤقتا!
وأسوأ من ذلك كله أن يكون المتداخل متسرعا حريصا على الرد لذاته، فيقتطف جملة من عبارة المتحدث ويعلق عليها، ثم تتوالى المداخلات من كل حدب وصوب حتى من أناس لم يقرؤوا الموضوع الأصلي. فقط رأوا صورة المتحدث وبناء عليها تبدأ الردود الهمجية: “ضف وجهك” أو: “طالع وجهك في المراية” أو يحكمون عليه من صورته بأنه علماني أو داعشي أو…
وقد يكون المتداخل مريدا للمتحدث، أو صديقا له، فيرد على المعلِّق بعبارات مثل: “ومن أنت حتى ترد على شيخنا؟” أو أديبنا”.
وقد ترددتُ في أن أضرب مثالا حيا من واقع ما طالعناه في تويتر هذه الأيام قبل أن ينتقل إلى الصحف المحلية حتى لا ينصرف قراء هذا المقال إلى موضوع التغريدة التي سأتحدث عنها وينسوا أن حديثي عام وليس خاصا بهذه الحالة.
تابعنا هذه الأيام تغريدة للشاعر دخيل الخليفة قال فيها ما معناه: “إن الشعر العمودي لا يلائم المرأة لخشونته كما يلائمها شعر التفعيلة والشعر المنثور”.
لم ينفِ شاعرية المرأة ولا قدرتها على قول الشعر، ولم يقصد أفضلية الشعر العمودي ولا صعوبته عن غيره من ألوان الشعر، كما لم يقصد إهانة المرأة والتقليل من شأنها ودورها في الحياة مقارنة بالرجل. لكن الردود التي قرأتُ من النساء شاعرات وغير شاعرات، ومن الرجال المناصرين لقضايا المرأة تركت مناقشة ما قاله الخليفة ودراسته وتطبيقه على الواقع، ومطالبته بالدليل المادي على ما قال، وبدلا من ذلك اتجهت إلى تسفيهه وتسفيه رأيه؛ بل وتسفيه كل من أيَّده، مع أن منهم أدباء ونقادا كبارا، حتى اضطر صاحب التغريدة إلى حذف تغريدته؛ ليس تراجعا عن رأيه – كما قال – ولكن درءا للشر، وإيقافا لسيل الردود الجارفة. وقد ظن أنه بحذفه للتغريدة ستختفي كل الردود، وما درى أن الحذف لم يطل سوى تغريدته!
متى نتعلم أدب الحوار؟!

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *