فعلا، أنا عندي حنين

بقلم: شاهر النهاري*

ما أصدق وأرق تلك النغمة السماوية الفلسفية المغزولة من عمق شعيرات العواطف الإنسانية، حينما نكون ودون أن ندري، نبحث عن شيء غائب ينقصنا، ونحن لا نعرف ماهيته، رغم أنه ينبض بأجوافنا، ويشغل أذهاننا، ويعصر قلوبنا، ويستدعي ذكرياتنا، ويفشل في الوصول إلى أجوبة محددة، فكأنما هو سر إلهي مغروس في بذرة الذات البشرية، التي تمتد بنا إلى ملايين السنين، في وسط تراكم وجودي، معرفي، في نَمَانِمُ خرائط شفراتنا الوراثية، نعيشها، ونشهد تأثيراتها، ولا نكاد نلتقيها حقيقة.

كم منا من يقف حائرا أمام لحظة الحنين هذه، بمشاعر مدمجة، فلا هي بالفرح، ولا بالحزن، ولا بالندم، ولا هي بالشوق، وكم يحاول إغلاق عينيه محاولا فك أسرارها، وكم يسال نفسه، هل هي حاجة مادية يبحث عنها، مع أنها أكبر وأعظم من كل مادة.

ويسأل روحه هل هي ذكرى عشق دفين، حصل في أيام طفولة أو مراهقته أو شبابه، ولم تتمكن الحياة من محوها رغم تلبد سماء السنين، وتعذر الإجابة، أو أنها لحظات تمني يعيشها دون أن يدري بكنهها، ويجهد مشاعره وعقله بجواب محتار.

كثير منا عندما تنتابه لحظة الحنين هذه تدمع عيناه، ويسأل تاريخ وجغرافية كيانه، فهل هو حنين لمكان عزيز، أو رغبة بدائية للعودة لزمان مضى، وكم يحاول الإمساك برأس الخيط، فلا يجد نسيج علوم الأرض تسعفه لتلقي أنوار انكشاف السر.

ويعمل فكره بتمعن ويستجديه، فهل هو شوق لصحبة إنسانية كانت تحتويه بمحبة ووئام، قبل أن تسدل على روعتها ستائر النسيان، فتظل خافية.

ويسأل السماء، والنجوم في عرض الكون، فهل هو حنين رجعي لملاقاة الخالق، والتمتع بجنة كانت لنا، فلا نكاد نصل إلى مرافئ سكينة نحوها.

روح الإنسان سحابة صغيرة بيضاء، باردة لدرجة الندى، منتشيه لدرجة الحب، تزهو بين الأنواء والبروق والشموس، وهي لا تمتلك ذاتها، ولا تتمكن من معرفة نقطة حنينها، التي تسابق الرياح لتصلها، في موعد لقائها، مع أحضان جذور الأرض الدافئة.

فيروز ثبتت اللحظة إبداعا في ضمير الزمن، رغم عدم ثقتها في مصداقية الحلول، وهنا يبدأ الإبداع ويستمر، ويجتاحنا بآهات تختزل أصالة مشاعرنا، مهما بلغت حكاياتنا من درجات الغموض، فمجرد البوح بها أمر يساعدنا على بلوغ الراحة، والعودة للجهل، في عصر يحتاج للنسيان، قبل أن تتراكم علينا فيه الظروف، فلا نعود ندري، كيف نعيش، وسط بلبلة قلق، تمنعنا حتى من لحظة تساؤل بسيطة، عن حنين حميم ما زلنا نجهله.

مجرد تمتعنا بالمشاعر الإنسانية نعمة من الله، لا يجب أن نستخف بها، ولا ننكرها، ولا أن نكذب وندعي سخافتها، لأنها بلا شك تظل تربطنا بمعاني الإنسانية، وتجعل الفرح يبهجنا، حتى ولو كان مغسولا بدمعة حزن مغبون، لا نعرف من أين أتانا.

الإنسان في داخلنا يتعرض للموت المعنوي، بسبب ما يدور حولنا من منازعات وحروب وسياسة، وخيانات، ومؤامرات، وعقول صلدة تحاول السيطرة على إيمان ومعتقدات الآخرين، بما يؤمنون به هم، مهما كان إيمانا غبيا، يفتقد المنطق والعقل والأمان والحرية الفكرية والاختيار.

عني أنا، فحنيني يستدعيني لأعيش لحظات حرية ومصداقية بيقيني، ودون أن أجبر على ما لا أقتنع به، حتى ولو كانت قناعة الجميع من حولي.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *