العالم في ذاته و العالم كما يبدو لنا

بقلم: محمد الدخيل*

1- لو سقطت شجرة في غابة ليس فيها أحد هل سيكون لسقوطها صوت؟ أو لو سقط كأس زجاجي من على الطاولة في غرفة خاوية هل سيكون لسقوطه صوت؟
2- هل ما نراه وندركه هو العالم في حقيقته أم هو شيء آخر؟
نحن- في الحقيقة – لا نرى الأشياء ذاتها وإنما الضوء الذي يخرج أو ينعكس منها ويصل إلى أعيننا، ومن المعروف أننا لا نستطيع أن ندرك كل موجات الضوء وإنما نطاق ضيق ومحدود منها و من تلك الموجات (ما بين الأحمر والبنفسجي)، وبالتالي فكل ما ينعكس من هذه الأشياء خارج النطاق قد لا نراه، أي أننا لا نرى الصورة الكاملة لما حولنا وإنما جزء منها. ويقال إننا لا نرى أكثر من عشرين بالمائة من الأشياء التي حولنا فكل ما ينطبق على البصر ينطبق على بقية الحواس ، فحواسنا السمع والشم .. الخ، لها نطاق محدود. علمًا أن الكائنات تتفاوت في هذه الحدود فبعضها يملك أنظمة حسية متطورة تتجاوز النطاق الضيق لحواسنا مثل حاسة الشم لدى الكلب والسمع لدى الخفاش ويمكن لبعض الكائنات أن تدرك  أو تبصر) الصورة ببعدين فقط : طول وعرض دون بعدها الثالث وهو الارتفاع (ترى كيف سيكون إدراكه للعالم مقارنةً بإدراكنا؟!) وبعضها قد لا يرى إلا في نطاق ضيق جدًا (لونين أو ثلاثة فهو يعيش في ظلام شبه دامس) فمثلاً لو أنك تمددت مرة في الصحراء في ليلة غير مقمرة وأخذت تنظر إلى المشهد الساحر المهيب للسماء حيث هناك آلاف النجوم!! تُرى هل الصورة التي تشاهدها صورة حقيقية وقائمة للآن ؟! بالتأكيد لا. لأن ما تشاهده هو تاريخ هذه النجوم وليس حاضرها فالمسافة التي تفصل بينك وبينها مسافات هائلة تصل إلى عشرات وربما مئات السنوات الضوئية و ما تشاهده هو الضوء الصادر منها قبل مئة أو مئتي سنة وربما يكون قد أنفجر أو حصل له تغير ما، لا نستطيع أن تتأكد من ذلك إلا بعد أن يصلك الضوء الصادر منها ربما بعد مئة سنة من الآن، فمعرفة ذلك شبه مستحيلة.
أمر آخر: هل الأشياء التي نراها حمراء وخضراء و زرقاء هي فعلاً كذلك؟ وهل اللون صفة أصيلة في المادة ؟
فنقول حينما يقع الضوء على السطح الخارجي للأشياء يقوم بامتصاصه كله عدا لونًا واحدًا(الأخضر مثلا) فيقوم السطح الخارجي للشيء بعكس هذا اللون فيبدو لنا أخضرًا وهكذا.
لكن السؤال الأهم هو: هل اللون الأخضر أخضر أو اللون الأحمر أحمر في حقيقته؟! هل بقية الألوان كذلك؟! هل العالم الطبيعي في حقيقته هي الصورة التي تبدو لنا؟ أم أنها مجرد موجات ذات ترددات مختلفة نسميها بالضوئية وصوتية وكهرومغناطيسية .. إلخ؟
في الواقع إن العالم مجرد أمواج أو موجات مختلفة، ولنأخذ كمثال الموجات الضوئية (أو ما نسميه الألوان) في الواقع لا توجد ألوان بل موجات (ضوئية) ذات أطوال مختلفة ولكي يميز عقلنا بين هذه الموجات يقوم بتسميتها فيعطيها ألوانًا مختلفة (مثلما نسمي الأشياء للتعرف عليها أو التمييز بينها) فتصبح الموجة ذات الطول الأصفر والموجة ذات الطول الأحمر وهكذا.
إذن فإن العالم في حقيقته شيء آخر مختلف تمامًا عن العالم في وعينا أو فيما ندركه ونتمثله. كما أن إدراكنا للعالم هو الذي يوجده بالطريقة التي تظهر لنا.

الفيلسوف (كانت)  ميز بين عالمين، هما عالم الظواهر: العالم كما ندركه أو كما يتمثله وعينا (الفينومينن) وبين العالم في حقيقته أو الشيء في ذاته (نومينن) وبَّين أن معرفتنا تقتصر على  الأول ، أما العالم في حقيقته أو الشيء في ذاته فإننا لا نستطيع أن نعرف عنه شيئا.

كما أن مبدأ العلة الكافية ( الزمان، والمكان، والسببية ) أمر موجود في أذهاننا وليس في الخارج وهو مبدأ ينتمي إلى العالم الظاهر وليس إلى العالم في ذاته المتجاوز للمكان والزمان ومبدأ العلية أو السببية.

 

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *