الحراك الثقافي في أحياء المدن والأرياف بالمملكة

الحراك الثقافي في أحياء المدن والأرياف بالمملكة

مراكز الأحياء تحدي حضاري

تهاني الصبيح: الثقافة انعتاق فكري ورقي ذوقي ملك المثقف الحقيقي فقط

علي الغوينم: من الممكن نقل الأنشطة المدرسية إلى المساء مع تطويرها وزيادة مساحة الممارسة عليها

محمد الشمري: لابد من تغيير مفهوم الحراك والتنمية الثقافية في أذهان المجتمع

أحمد المطر: المحافظة على جودة الحياة الحضرية وحماية الهوية الحضرية تحدي يواجه نهضة الأمم

نبيل زارع: أتمنى الاتجاه إلى المؤسسات الثقافية كالأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون

عبدالحفيظ الشمري:مراكز الأحياء تصنع من جيل الشباب ومرتاديها لبنة قوية في طريق الوعي

إعداد: علي أحمد الصويلح

                   

دور الأحياء في المدن والأرياف في الحراك الثقافي؛ مناشط وفعاليات؛ تنمية الحراك الثقافي والعلمي، وتحفيزه داخل المجتمعات الصغيرة (أحياء ـ قرى)؛ تتطلب تغيير المفهوم لتنمية الحراك الثقافي، في ذهنية المجتمعات العلمية والفنية لدينا؛ بحيث يتوجب على القائمين على المراكز الثقافية والعلمية والتعليمية، إعادة التفكير في طريقة تنشيط هذه المحافل العلمية والثقافية، وإخراجها من بيوتها القديمة، إلى أفق أوسع من خلال حدائق ثقافية وعلمية وفكرية؛ تعشعش وتفرخ المواهب، وتكون قريبة من المجتمعات الصغيرة؛ فالملاحظ أن الكثير من المواهب تضيع هباءً؛ دون أن تجد من يأخذ بيدها، ويصقل مهارتها؛ بل الكثير من هذه الأحياء داخل المدن الكبيرة والقرى، تكون بمعزل عن الأنشطة والفعاليات العلمية، والفنية، وغيرها من المجالات الثقافية؛ لذا ما هي السبل لفتح مراكز تستقبل المبدعين، والمواهب المتعددة في أحياء المدن والقرى؟، وهل نقل الأنشطة المدرسية إلى المساء، والعمل على ديمومتها؛ طريقة ناجعة لزيادة الحراك الثقافي؟، وما  دور النخب الثقافية في تحريك العملية الإبداعية في هذه المراكز داخل المدن والقرى؟.

للإجابة على هذه التساؤلات شاركنا في هذا التحقيق نخبة من المثقفين؛ الذين تألقوا في طرح أراهم من خلال تشخيص الواقع، ومزجه بالتطلعات؛ لاستشراف مستقبل زاهر لأجيال الغد المبدع.

تقول الأديبة تهاني حسن الصبيح:

لا أعتقد أن هناك أي عوائق من فتح مراكز ثقافية في الأحياء داخل المدن والقرى؛ لتكون مهمتها استقطاب الموهوب، وصقل موهبته، وإعانته على النهوض بها؛ شريطة وجود من يضطلع بهذه المهمة الصعبة، على خير وجه، مع مساندة مادية من جهات مسؤولة، أو تعاون اجتماعي من وجهاء المنطقة؛ لخدمة هذا الهدف السامي، وأعتقد أن في أندية الحي المتعلم، التابعة لإدارة تعليم الأحساء مراكز ثقافية متعددة؛ بدأت تؤتي أُكُلها من خلال برامجها النشطة في هذا المجال، والتي تفوق الأنشطة الدراسية المقيدة بزمان ومكان وبنود محددة، مع تأييدي التام لنقل الأنشطة المدرسية الصباحية إلى الفترة المسائية، وترك حرية الالتحاق بها للطالب؛ حسب ميوله، وحسب الوقت المتاح له للحضور.

أما بالنسبة للنخب الثقافية ودورها الرائد في تحريك عجلة الإبداع؛ فأنا أعتقد أن المثقف هو شخص صاحب رسالة وهدف؛ يحملهما على عاتقه، ويعمل على تحقيقهما؛ عبر رسائل تثقيفية ينتفع بها الجيل الحالي، وتكون مناسبة لتطلعاته، وحماسه، وجاذبة لبيئته المتحضرة؛ فالثقافة انعتاق فكري، ورقيّ ذوقي؛ يملكهما المثقف الحقيقي فقط؛ كي يعرج بنا إلى مدارج التحضر والنماء.

ويعقب مدير فرع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالأحساء الفنان علي عبدالرحمن الغوينم بقوله:

بالنسبة إلى سبل فتح مراكز تستقبل المبدعين والمواهب المتعددة في الأحياء داخل المدن والقرى؛ فإن مراكز الأحياء موجودة، وتشرف عليها إدارة التعليم، ومخصصة للطلاب، وعملية استغلال هذه المراكز في حد ذاته جميل، وسوف يكون أجمل حينما يتم توسيع قاعدتها؛ بحيث يشتمل على كافة أفراد الحي، وليس مقتصر على الطلاب فقط؛ فينبغي على القائمين على هذه المراكز؛ تغيير وتطوير العديد من البرامج الموجودة فيها؛ لتناسب مختلف أطياف الإبداع؛ لتقدم فيه الأنشطة الثقافية، والأدبية، والفنية، والاجتماعية، والرياضية؛ وبهذه الطريقة يكون قد كسبنا شيئيين:

اولاُ: اتساع هذه المراكز ليشمل الجميع كباراً وصغاراً، وأطفالاً وشباباً، وكذلك سيدات، وما إلى ذلك.

ثانياً: تكون المدرسة عنصر جذب للطلاب والطالبات؛ لما تتضمنه من أنشطة متنوعة؛ مما يصب في خدمة اتساع دائرة الابداع، مع البرامج الأخرى التي تقدم للكبار، ولمختلف الأعمار الموجودة في هذا الحي أو ذاك؛ والتي أمل بأن لا يتم اهمالها؛ فيكون مركز تنويري تثقيفي للحي؛ من خلال اتساع البرامج، وتطويرها داخل هذه المدرسة.

أما فيما يخص هل نقل الأنشطة المدرسية إلى المساء، والعمل على ديمومتها طريقة ناجعة لزيادة الحراك الثقافي؟:

بالنسبة إلى نقل الأنشطة المدرسية إلى المساء لا يتحقق ذلك كلياً؛ حيث أن هناك أنشطة لا بد أن تكون أثناء العمل التربوي؛ وذلك لاحتياج الطالب إلى نوع من الأنشطة؛ خلال تلقيه العملية التربوية والتعليمية؛ ولكن ممكن أن ننقل أغلب الأنشطة المدرسية إلى المساء؛ بحيث تكون امتداداً للأنشطة الموجودة داخل المدرسة، مع تطويرها بشكل أفضل وأكبر، مع زيادة مساحة الممارسة عليها؛ كمثال برنامج الرياضة بدلاً من أن يكون 45 دقيقة في الأسبوع؛ فعندما تنقل للمساء تعطى مساحة أكبر؛ وتكون فرصة لاكتشاف المواهب، وعلى ذلك قس مثال الأنشطة الإذاعية، والمسرحية، والفن التشكيلي، وغيرها من العمليات الإبداعية.

وفيما يتعلق بدور النخب الثقافية، في تحريك العملية الإبداعية في مراكز الأحياء: طبعاً عندما تتغير البرامج؛ لابد أن يكون هناك توجه من قبل النخب الثقافية والفنية بالمجتمع؛ حيث أن العملية ليست مرتبطة بالعملية التعليمية، أو التربوية فقط في هذه الأحياء أو مراكز الأحياء؛ فشعراؤنا، ومفكرونا، أدباؤنا، مثقفونا، وفنانونا؛ لا بد أن تكون لهم مساهمة فاعلة؛ في تحريك الأنشطة الثقافية في هذه المراكز؛ لرسم رؤى وأفاق ترتقي بالعملية الإبداعية؛ من خلال هذه  المراكز؛ فإن عملية دعوتهم للمشاركة في هذه المراكز؛ ستجد ترحيباً، واستعداداً، وابتهاجاً من قبلهم؛ فلن تجد ممانعة؛  فمشاركتهم سوف تثري الفعل الثقافي في المجتمع.

وأختم مشاركتي بالتأكيد بأن هذه المراكز الثقافية ليست مجرد مدارس فقط، أو مقرات تمارس فيها الأنشطة؛ لابد أن يكون هناك تحولاً ملموساً؛ بحيث تصبح مراكز إشعاع ونور، في داخل الحي، يناسب كافة مستوياتهم، الفكرية والثقافية والاجتماعية، واستقطاب المتميزين والمتخصصين، وحثهم على المشاركة البناءة في هذه المراكز.

ويؤكد مدير عام العلاقات العامة والاعلام بأمانة محافظة حفر الباطن محمد بن عقيل الشمري:

بأنه لا ينبغي أن تغفل الكثير من المدن السعودية والقرى؛ عن دور الأحياء ومراكزها، في التطوير والتنمية؛ على الرغم من أهميتها، في تغيير سلوكيات الحياة إيجابياً، وخلق مجتمعات متصالحة، وتجميل مظاهر المدن والقرى؛ من خلال إسهام أبناء المراكز في التنمية والتحسين، والمحافظة على البيئة، وتسخير المواهب والقدرات البشرية، واستغلال الطاقات الوطنية؛ عن طريق تنمية الحراك الثقافي، والعلمي، وتحفيزه داخل المجتمعات الصغيرة، كالأحياء والقرى.

إلا أن ذلك يتطلب بشكل أساسي؛ تغيير مفهوم الحراك والتنمية الثقافية، في أذهان المجتمع عبر اطلاق مراكز متخصصة، واعادة  تنشيط المراكز المتواجدة، وإخراجها من الفكر القديم؛ المقتصر على التعليم والتلقين؛ الذي يتلقاه الأبناء في المدارس، إلى أفق أوسع من خلال حدائق ثقافية، وعلمية، وفكرية؛ تلامس احتياجات المجتمع، وتصقل المهارات الشابة؛ بأنشطة تهدف إلى تنمية القدرات البشرية، والاسهام في خدمة المجتمع، وتنشئة جيل واعي يساهم في تحقيق أهداف معظم الجهات الخدمية؛ كالقطاع البلدي في تحسين المشهد البصري، وأنسنة المدن، والحفاظ على البيئة، والمشاركات المجتمعية، اضافة إلى الجهات التربوية، والتعليمة، والمؤسسات الوطنية .

ويرى المعماري ومنسق الأحساء المبدعة في اليونسكو، ومدير مكتب التراث العالمي بواحة الاحساء، المهندس أحمد بن عباس المطر:

 أن مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للإسكان والتنمية الحضرية المستدامة الموئل الثالث؛ ناقش عدة تحديات تصب في نهضة الأمم؛ ومن بين هذه التحديات في الوضع العالمي الذي يتميز بعدد كبير من المناطق الحضرية؛ المحافظة على جودة الحياة الحضرية، وحماية الهويات الحضرية، وتعزيز التنوع الثقافي، والفنون، والتراث؛ كركائز للتنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة.

لذا فإن الثقافة هي الأساس في جعل المدن جاذبة، وإبداعية، ومستدامة؛ ومن العوامل التي تساعد على تحقيق ذلك المطلب؛ تفعيل دور مراكز الأحياء في المدن والقرى، بالتعاون مع المنظومة التعليمية؛ التي لديها المقومات الاساسية لذلك النجاح.

فلا يمكن أن نغفل دور الثقافة وتفرعاتها؛ في نهضة أي أمة؛ فالتاريخ يُثبت بأن الثقافة هي قلب التنمية الحضرية، ويتضح ذلك من خلال المعالم الثقافية، والتراث، والتقاليد؛ حيث أن أي مدينة أو قرية بدون الثقافة؛ لا تعد أماكن نابضة بالحياة، وإنما مجرد مباني من الحديد والفولاذ؛ عرضة للتدهور الاجتماعي والتمزق.

من هنا لا بد من دراسة الوضع الحالي؛ من خلال تقديم مقترحات مبتكرة تساعد على تطوير نمو الثقافة لدينا؛ من خلال تطوير السياسات، والمعايير، والمبادئ، التي تنهض بالثقافة من الحضانة؛ حتى المراحل المتقدمة في التعليم.

وهناك تجارب ناجحة في العالم التي اعتنت بالأشبال منذ نعومة أظافرهم؛ مما أحدث فارق كبير في المستوى الثقافي والحضاري، لدى هذه المجتمعات.

ويعلق الكاتب نبيل حاتم زارع:

أتمنى من الجميع الاتجاه إلى المؤسسات الثقافية؛ سواء الأندية الأدبية، أو جمعيات الثقافة والفنون، ويشارك بالحضور، ويساهم بالآراء والأفكار، والمقترحات، ويقدم ما لديه من إمكانيات فكرية وأدبية.

ويستطرد زارع: أما فيما يتعلق بمراكز الأحياء؛ فلها نشاطاتها، ولها مجالها، ولها برامجها التي لا يجب أن تغفل، وتترك دون تفعيلها، والتحليق بها إلى آفاق ثقافية رحبة.

بينما يرى الأديب عبدالحفيظ الشمري:

أعتقد أننا بحاجة إلى مراكز اجتماعية في كل حي وقرية؛ إلا أن هذه المراكز بحاجة ماسة إلى دعم مادي كبير، وربما سيحول هذا المطلب دون انطلاق مثل هذه الأعمال، التي تفيد المجتمع، وتصنع من جيل الشباب ومرتاديها، لبنة قوية في طريق الوعي.

أما أمر فتح المدارس بعد الدوام الصباحي للعمل اللا صفي؛ فقد يكون مناسباً من حيث التنظير العام؛ أما الواقع فإن الطالب والطالبة في العالم العربي؛ قد لا يكون مستعداً للعودة إلى المدرسة؛ لأن أجواء أو بيئة المدرسة للأسف الشديد طاردة؛ وقد لا يقبلون على أي نشاط؛ اجتماعي، أو ثقافي، أو مسرحي، أو حتى ترفيهي؛ لذلك من المهم أن يتم إنشاء مراكز اجتماعية عامة، وتبتعد عن فكرة التخصص؛ لأننا لو نظرنا إلى فشل الأندية الأدبية، في تسويق مشروعها الفكري والثقافي؛ هو جمود العمل وسطحية القائمين عليه؛ حتى باتت الثقافة عسيرة الهضم، وغير مرحب بالأديب وما يطرحه على مدى عقود؛ وتأسيساً على ذلك فإن هذه الرؤية، تؤكد على أن القراءة، والنشاط الثقافي والأدبي، في مأزق حقيقي لا يمكن أن تتخلص منه؛ ما لم يكن لدينا مشاريع حديثة ترعى الثقافة والإبداع، وتكون بعيدة عن المجاملة، والذرائعية والتسطيح؛ أو حتى تجاهل الثقافة وأهلها، والنظر إليهم بلا مبالاة أو اهتمام.

كما أن هذه المراكز إن قامت؛ فإنها بحاجة إلى طاقات مستنيرة ومدربة، وإلى دعم مالي، وأياد نظيفة تحافظ على مثل هذه المشاريع، التي تصنع الوعي، وتؤسس له ليكون مصدر إشعاع، علمي ومعرفي ينير العقول في مجتمعنا.

 

 

 

 

 

One thought on “الحراك الثقافي في أحياء المدن والأرياف بالمملكة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *