تناص الأمثال العربية في شعر محمد الثبيتي

تناص الأمثال العربية في شعر محمد الثبيتي

محمد مهاوش الظفيري

تحت إشراف الدكتور : عبد الكريم أحمد مغاوري محمد

المثل , باختصار , هو ” قول قصير مشبع بالذكاء والحكمة ” [1] وهناك اعتقاد بأن ” كل مثل يصلح بأن يكون موضوعًا لعمل أدبي كبير , إذا استطاع الكاتب أن يتخذ  من المثل  بداية لعمله , فيعيش تجربة المثل , ويعبر عنها تعبيرًا تحليليًّا دقيقًا ” [2] , وعلى هذا الأساس يلجأ الشاعر لتوظيف الأمثال لتقوية بناء النص الشعري لديه , من أجل أن تصل الفكرة للمتلقي بشكل موجز , وهذا الإجراء المتبع في مثل هذه الأحوال يدخل تحت مظلة التناص الشعري .

 هناك من الناس من يخلط بين المثل والحكمة , رغم التشابة الكبير بينهما , لأن المثل يمثّل خلاصة تجربة إنسانية معينة ، وقد فرقت الباحثة نبيلة إبراهيم بين الحكم والأمثال – دون أن تسمي الحكم باسمها , مكتفية بالقول عنها باسم ” التعبيرات الشعبية الشائعة ” التي هي بطبيعة الحال : الحكم , حيث تقول : من الواضح أن هذه التعبيرات تمتلك بعض الخصائص الفنية للمثل، ومع ذلك فهي لاتعد أمثالا فنحن لا نتفوّه بها في نهاية تجربة عشناها وإنما نتفوه بها على سبيل تأكيد الموقف وتوضيحه، فهي أقرب إلى باب الكنايات والتعبيرات الشعبية منها إلى باب الأمثال ومن ثم فلا يحق لنا أن نخلط بينها وبين الأمثال بأيّ حال من الأحوال[3] .

يقول الشاعر محمد الثبيتي[4]

أعلَمُ أنَّكِ

شببْتِ عن الطَّوقِ

غَامَرْتِ فِي حَلَبَاتِ التَّحَدِّيَ

صِرْتِ وُعُوداً تُثِيرُ الغَضَبْ

وصِرْتِ وُجُوداً يُحَرِّكُ فِي الليلِ

أفْقاً جَدِيداً

ويَخْفقُ أَجْنحةً مِنْ لَهَبْ

يظهر التناص في قول الشاعر ” شببْتِ عن الطَّوقِ ” مع المثل العربي القديم ” شبَّ عمروٌ عن الطوق ” ويُضرب هذا المثل لتزيين الكبير بزينة الصغير , وقد قاله الملك جذيمة في عمرو بن عدي[5]

يتواصل توظيف الشاعر لأنواع مختلفة من الأمثال العربية , كقوله :

إبتداءً من الشيبِ حتى هديل الأباريقِ

تسترسلُ اللغة الحجريةُ

بيضاء كالقارِ ..

نافرة كعروق الزجاجةِ[6]

ويتجلى التناص في قوله ” إبتداءً من الشيبِ ” و “بيضاء كالقارِ ” وفي هذا الشأن يقول الجاحظ : ” وقد جرى المثل في تبعيد الشيء : لا ترى ذلك حتى يبيض القار ويشيب الغراب ” [7] , حيث يتضح مدى تمكن الشاعر الثبيتي من توظيف التراث , وإعادة خلقه من جديد بروح تتماهى مع العصرنة والحداثة .

 يختلف استحضار المثل في شعر الثبيتي , ظهورًا واخفاء , ومن أوجه هذا الاختفاء , قوله :

لدى سادن الوقت تشرق بي

جرعة الماء..

تجنح بي طرقات الوباء ..

تلاحقني تمتمات البسوسْ[8]

حيث تظهر صورة ” البسوس ” بشؤمها المعروف الذي حمل اسم ” حرب البسوس ” تلك الحرب العربية – العربية التي دارت رحاها بين بعض أحياء بكر وتغلب , استمرت أربعين سنة واشتملت على عدة أيام , هي : يوم النهى ,  يوم الذنائب , يوم واردات , يوم عنيزة , يوم القصيبات ,  يوم تحلاق اللمم [9] , ونظرًا لِمَا حملته من شؤم اقترن بها المثل العربي ” أشأم من البسوس ” [10] , وقد قام الشاعر بتوظيف هذا المثل القديم خير توظيف , مستعينًا بثقله الرمزي وإيحائه الأسطوري , ولسان حاله يقول : ما أشبه الليلة بالبارحة !.

هذا الاستحضار لمدلول الشؤم في تجربة الشاعر , لا يقف عند هذا الشاهد التاريخي , حيث يقول في نص آخر[11]

وداحس !؟

ماذا دهاه

أما زالَ يحجل من كبوات الرّهانِ

ويمسح آثامهُ في جبينِ

الزّمانْ

 من المعلوم أن حرب داحس والغبراء نشبت بين قبيلتي عبس وذبيان , وكانت الحرب بينهما سجالاً , وقد اشتملت هذه الحرب على أيام بين الطرفين , هي : المريفب , وذي حساء , واليعمرية , والهباءة , وفروق , وقطن [12] , حتى ضربت فيها العرب المثل , فقال : ” أشأم من داحس ” [13]  , وقد كان هذا الاستحضار منسجمًا مع ما وصلت إليه الأمة العربية من تشظيات وتصدعات عدة على مختلف الأصعدة , إذ توقف الشاعر عند شكل من أشكال النزيف العربي – العربي المتواصل

يوم بجفر الهياءة

 تحمل أوزاره غطفان[14] 

وهذا اليوم , وهو يوم ” جفر الهباءة ” يوم لعبس على ذبيان فقد وضعت فيهم بنو عبس السلاح , وقتلوا منهم رجالاً كثيرين , منهم سيد غطفان , حتى ناشدتهم بنو ذبيان البقية [15] , إنما استحضره من قبل أن العرب أصبحوا يفقدون رجالهم بأيديهم , أكثر بكثير  من فقدانهم على أيدي أعدائهم وخصومهم .

يتواصل الثبيتي مع مسلسل عالم الأمثال , حيث يقول[16] 

كان يثوي بقربي حزينا

ويطوي على ألم ساعده

قلت من ؟!

قال : حاتم طيء.. وأنت؟!

قلت : أنا معن بن زائدة!!

ففي هذا الكلام جمع الشاعر بين رمزين عربيين , الأول : عربي جاهلي اشتهر بالكرم , بينما الثاني : عربي مسلم اشتهر بالإباء ومجاهدة أعداء الخلافة العباسية  , والذي قال فيه الشاعر مروان بن أبي حفصة[17] 

معْنُ بنُ زائدة الذي زادت بِهِ

 شرفًا على شرفٍ بنو شيبانِ

لكن الرمز ” حاتم ” بلغت شهرته الآفاق , أكثر من ” معْنُ بنُ زائدة الشيباني ” رغم علوّ كعب الأخير وعظيم قدره , حيث جاء في حاتم المثل العربي ” أجود من حاتم ”  وهو حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي [18] الذي صار مضربًا للكرم والجود عند العرب في جاهليتهم وإسلامهم .

كذلك يتواصل استحضار المثل عند الثبيتي , كلما يتوغل المرء في تصفح أعماله الشعرية , حيث يقول[19]

ترى يا ابنةَ العمِّ

ماذا جرى؟

وهل حَمَدَ القوم عند الصباحِ

السُّرى

 أعاد الثبيتي توظيف المثل العربي القديم ” عند الصباح يحمد القوم السرى ” وهذا المثال يقال بأن أول من قاله الصحابي الجليل خالد بن الوليد لما بَعث إليه أبو بكر – رضي الله عنهما – وهو بالعراق : أنْ سِر إلى الشام . فأراد سلوك المفازة ، فقال له رافع بن عمير الطائي : قد سَلَكْتُها في الجاهلية ، وهي خَمْسٌ للإبل الواردة ، ولا أظنك تَقْدِر عليها إلا أن تَحْمِل الماء ، فاشترى مائة شَارِف فَعَطّشها ، ثم سَقاها الماء حتى رَويت ، ثم كَعَمَ أفواهها لِئلا ترعى ، ثم سَلَك المفازة حتى إذا مَضى يومان وخاف العطش على الناس والخيل وخَشِي أن يَذهب ما في بُطون الإبل نَحَرَ الإبل , واستخرج ما في بطونها من الماء ، فَسَقَى الناس والخيل ، ومَضَى ، فلما كان في الليلة الرابعة قال رافع : انظروا هل تَرون سِدرًا عظامًا ؟ فإن رأيتموها وإلا فهو الهلاك , فنظر الناس فرأوا السِّدْر فَكَبّر وكَبّر الناس ، ثم تجمعوا على الماء ، فقال خالد[20]

للهِ درُّ رافع أنَّى اهْتَدَىفوز من قراقر إلى سوى
خَمْسًا إذا سَار به الجيش بَكىما سَارَها من قَبْلهِ إنْسٌ يُرى
عند الصباح يَحْمَد القوم السُّرىوتَنجلي عنهم عيابات الكَرى

ومعنى هذا المثل بأن الذي يسْرِي – أي يمشي –  ليلاً يَحمَد مَسِيرَه إذا أصِبَح وطلع النهار , وهذا الكلام فيه حثّ المسير وعدم الخلود للنوم , والاستسلام لليأس .

من خلال ما سبق التطرق له يبدو أن الشاعر محمد الثبيتي حينما اتكأ على الأمثال العربية , بما تحمله من زخم تراثي , وعمق في التعامل مع الموروث بكل تداعياته , إنما كان يريد الرقي بالحس الجمالي والفني  لدي الإنسان فوق هذه الصحراء , وهذا واضح بجلاء من خلال استدعائه الكثير من أمثال هذه الشخصيات القومية والتاريخية والدينية , وكأن لسان حاله يقول بأن ” الشاعر في العالم العربي، وفي ظلّ الظروف الإجتماعية والسياسية السائدة مطالب بدورين: دورٌ فنيٌ، أن يكون شاعراً، ودور وطنيّ، أن يكون موظّفاً لخدمة القضية الوطنية وخدمة التقدم، ليس عن طريق الشعارات السياسية , وليس عن طريق الصياح والصراخ وإنما عن طريق كشف تراث هذه الأمة , وايقاظ إحساسها بالإنتماء , وتعميق أواصر الوحدة بين أقطارها[21].

المراجع

إبراهيم، نبيلة , أشكال التعبير في الأدب الشعبي , دار نعضة مصر للطبع والنشر , القاهرة .

البكري , أبو عبيد القاسم بن سلام, 1401 هـ , 1981 مـ, فصل المقال في شرح كتاب الأمثال حققه وقدّم له إحسان عباس وعبد المجيد عابدين , د. ط , لبنان , دار الأمانة ومؤسسة الرسالة .

    الثبيتي , محمد , 2009 مـ, ديوان محمد الثبيتي الأعمال الكاملة, ط1 , حائل النادي الأدبي بحائل .

الجاحظ, أبو عثمان عمرو بن بحر , الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، ط2 , مصر , شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاد .

الجاحظ , عمرو بن بحر , 1964 مـ , رسائل الجاحظ , تحقيق عبد السلام هارون،د.ط، القاهرة , مكتبة الخانجي .

جاد المولى , محمد أحمد وآخرون , 1361 هـ , 1942 مـ , أيام العرب في الجاهلية , د.ط،  عيسى البابي الحلبي .

العسكري , أبو هلال , 1408 هـ , 1988 مـ , جمهرة الأمثال , حققه وعلّق حواشيه ووضع فهارسه محمد أبو الفضل إيراهيم وعبد المجيد قطامش, ط2, بيروت , دار الجيل , دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع .

عطوان, حسين, شعر مروان بن أبي حفصة, جمعه وحققه وقدّم له, ط3 , القاهرة, دار المعارف.

  1. فاضل , جهاد، 1998مـ , قضايا الشعر الحديث، ط1, بيروت, دارالشروق .

[1] – إبراهيم، نبيلة , أشكال التعبير في الأدب الشعبي ، ص 144.

[2] – إبراهيم، نبيلة , أشكال التعبير في الأدب الشعبي ، ص 144.

[3] – إبراهيم، نبيلة , أشكال التعبير في الأدب الشعبي ، ص 153.

[4] – الثبيتي , محمد , ديوان محمد الثبيتي  الأعمال الكاملة , ط1 , ص  136.  

[5] – العسكري , أبو هلال , جمهرة الأمثال , ج1, ط2 , ص  547 .

[6] – الثبيتي , محمد , ديوان محمد الثبيتي  الأعمال الكاملة , ط1 , ص  67 .  

[7] – الجاحظ , عمرو بن بحر , رسائل الجاحظ ,ج1, 1964 مـ , ص 206 . وكذلك الجاحظ , عمرو بن بحر , الحيوان , ج5 , ص 528 .

[8] – الثبيتي , محمد , ديوان محمد الثبيتي  الأعمال الكاملة ,ط1, ص  65 .

[9] – جاد المولى , محمد أحمد وآخرون , أيام العرب في الجاهلية , 1361 هـ , 1942 مـ , ص 142 .

[10] – العسكري , أبو هلال , جمهرة الأمثال  , ج1 , ط2 , ص  556 .

[11] – الثبيتي , محمد , ديوان محمد الثبيتي  الأعمال الكاملة , ط1, ص  180 .  

[12] – جاد المولى , محمد أحمد وآخرون , أيام العرب في الجاهلية , 1361 هـ , 1942 مـ , هامش ص 246 .

[13] – العسكري , أبو هلال , جمهرة الأمثال  , ج1 , ط2 , ص  556 .

[14] – الثبيتي , محمد , ديوان محمد الثبيتي  الأعمال الكاملة ,ط1, ص  179 .  

[15] – جاد المولى , محمد أحمد وآخرون , أيام العرب في الجاهلية , 1361 هـ , 1942 مـ , ص 263 .

[16] – الثبيتي , محمد , ديوان محمد الثبيتي  الأعمال الكاملة ,ط1, ص  36 .  

[17] – عطوان , حسين ,  شعر مروان بن أبي حفصة , ط3, ص 106 .

[18] – العسكري , أبو هلال , جمهرة الأمثال  , ج1 , ط2 , ص  336 .

[19] – الثبيتي , محمد , ديوان محمد الثبيتي  الأعمال الكاملة ,ط1, ص  180 .  

[20] –  البكري , أبو عبيد القاسم بن سلام , فصل المقال في شرح كتاب الأمثال , 1401 هـ , 1981 مـ , ص 325 .

[21] – فاضل , جهاد , قضايا الشعر الحديث ، ط1, ص 358.

تحميل الملف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *