أهازيج الغبار

 

مشعل محمد العنيزان*

يُطِلُّ مِنَ الذّكرَى كتارِيخِ عُزْلةِ
لَهُ أعيُنٌ ثكلَى  وإطرَاقُ مُخبِتِ
أرَاهُ .. كعرجُونٍ قَدِيمٍ مُهجَّرٍ ..
منَازِلُهُ .. آوَتْ مُحَاقَ الأَحِبَّةِ ..
لَهُ صُورَةُ الموتَى .. يجِيءُ مُكفَّنًا ..
بأورَاقِ تقويمِ الزَّمَانِ المُشتَّتِ
ففِي وَجهِهِ الباكِي بقايَا مدينَةٍ ..
مِنَ الحُزنِ لَمْ يسكُنْ بِهَا غيرُ طِفلةِ
علَى صَوتهِ تبدُو تجاعِيدُ نبرَةٍ ..
وقَدْ غُزِلَتْ يومًا حُدَاءً لِغُربةِ
كحنجُرَةٍ مثقُوبَةٍ شفَّهَا الأسَى
فراحَتْ كمزمَارٍ لشَيخِ المعرَّةِ ..
إِلى حُزنِهَا تأوِي ريَاحٌ غرِيبَةٌ ..
إِذَا ما تغنَّى للأحِبَّةِ .. غنَّتِ :
ومَا ذاقَ طعمَ الموتِ من ماتَ مرَّةً
وَفِي العِشْقِ مَنْ قَدْ ذاقَهُ ألفَ مرَّةِ
يقُولُونَ : لا يأتِي وحِيدًا ورُبَّمَا ..
كأُمِّ اليتَامَى .. قَدْ أتَى ذَاتَ طعنَةِ
لكَ اللهُ يَا عُمْرًا مُذابًا بدمعَةٍ ..
كأنَّ بنِي الإنسَانِ دَمْعُ المجرَّةِ ..
لأنَّ خُطَاهُ مِنْ سرَابٍ تورَّمَتْ
بأسفَارهِ الآمَالُ فِي كُلِّ صبوَةِ !
أتَى مُعتِمًا تمضِي بهِ ظُلْمَةُ السُّرَى
يُبَصَّرُ مِنْ ثُقبَيْ قنادِيلِ شهوَةِ
لأنَّ الخُطَى منْهُ فرُوعُ خطِيئَةٍ
سيُظلِمُ فِي نُورٍ ويُهدَى بِظُلْمَةِ
أتَى راكِبًا ضَوءَ الخُرَافاتِ داخِلاً
بِنَا ظُلمَاتٍ .. فوقَ صهوَةِ نجمَةِ ..
قطَعْنَا لآلافِ المرَايَا حقيقةً ..
إِلى أَنْ تشظَّيْنَا كوَهْمٍ مُفتَّتِ ..!
لنَا فِي الرّيَاحِ السّارِيَاتِ سُلالَةٌ ..
منَ الرَّمْلِ تذرُونَا إِلى غيرِ رجعَةِ
فأعمَارُنَا مِنْ غمضَةٍ .. فِي سكُونِهَا
لمَحْنَا أهازِيجَ الغُبَارِ المُؤقَّتِ ..
مضَغْنَا شرَايِينَ القِفَارِ ولَمْ نجِدْ ..
لأطرَافِ هذا التِّيهِ مُرخَى أعِنَّةِ
لكَ اللهُ يَا عُمْرَ التَّوجُّسِ لَمْ تزَلْ
مُحاطًا بآفَاقِ الفنَاءِ .. كلعنَةِ ..
سنحيَى بعُمْرٍ واحِدٍ غيرَ أنَّنَا ..
بِحُبٍّ سنحيَى كرَّةً بعْدَ كرَّةِ ..!
سنمضِي لأدغَالِ الخلُودِ كأنَّنَا
علَى صهوَاتِ النَّارِ نمضِي لجنَّةِ ..
عصِيٌّ علَى النِّسيَانِ حُبٌّ مُقدَّسٌ
سيبقَى لأفوَاجِ القصيدِ ككعبَةِ .!
سنستدرِجُ الأمطَارَ فِي فلواتِنَا ..
ونَنبُتُ فِيهَا .. زهرَةً إِثْرَ زهرَةِ
سنعبُرُ صحرَاءَ المجازِاتِ أَنهُرًا
تُحَلِّي جُزيئَاتِ البحَارِ بقطرَةِ .!
ونكتبُ فِي بَدْرِ البدُورِ قصائِدًا
يُردِّدُها شَدْوًا .. هِلالُ الأهِلَّةِ
ونفتَحُ للتَّارِيخِ .. نافِذَةً لنَا ..
نُطِلُّ عليهَا للزَّمَانِ .. بِطَلَّةِ ..!
سنعتَادُ أَنْ نبقَى طوِيلاً لأنَّنَا
بجِينَاتِ هذا الكَوْنِ جِئنَا كطَفْرَةِ

 

شاعر من السعودية*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *