خيارات التعايش والسلام

الكاتب: وحيد الغامدي

إن المساهمة في نشر ثقافة التسامح والتعايش ليست من قبيل الترف الفكري الذي قد يتصوره البعض تجاه الغرب والشرق كنوع من التمظهر بمظاهر الانفتاح الحضاري والثقافي , بل هو حاجةُ معيشية ماسّة وعاجلة بات العالم بأسره بحاجة إليها لإنقاذ مستقبل الأجيال القادمة ووضعها على الطريق الصحيح , طريق البناء والتنمية اللتين لا يمكن السير فيهما بدون مبدأ التواصل مع العالم , ولا يمكن لذلك التواصل أن يكون دون ثقافة التعايش تلك .

إن الحاجة إلى الانسجام الإنساني مع كل البشر والأمم والحضارات لم يعد مجرد استعراض ثقافي في المحافل أو المقالات , بل أصبح حقيقة جادة تصرخ بكل مقومات الكراهية ومروّجيها تحت أي مبدأ , دينيّاً كان أم عنصرياً . لقد بات الواقع الزمني يفرض منطق التعايش كحقيقة ناصعة , وعلى ضوء التعايش يكون التسامح في تلك الاختلافات البينية والتي لن تنتهي بين البشر ولكن المشتركات الإنسانية والزمنية ومشتركات المصالح المتبادلة تحتّم ذلك التعايش وتنقله إلى مستويات التطبيق العملية كانعكاس للرغبة في الحياة الهادئة المستقرة المبنية على قواعد العيش المشترك والمثمر .

تظل مشكلة العقلية المتوجسة والمتوترة تجاه مفاهيم التعايش والتسامح أنها تعتقد أنها تمتلك النقاء الديني أو العقائدي أو المفاهيمي أو العرقي العنصري , ولذا فهي تتوتّر تلقائياً حين تشعر أنها يمكن أن تتساوى مع غيرها من الفئات التي لا تمتلك – وفق تصوّرها – ذلك النقاء المطلوب , ولذا فربما ترفض الحياة وتميل إلى العنف وثقافة نشر الموت بسبب الاعتقاد بأن ذلك النقاء يجب ألا يتلوث بالشراكة أو التعامل مع الآخرين ( الملوثين ) وفق نظرة تلك العقلية لذاتها وللحياة من حولها .

وبسبب ذلك الامتلاء بالنرجسية والاعتقاد بوهم التفوق على باقي البشر فإن تلك العقلية الرافضة للتعايش والتسامح والتواصل مع العالم تعيش في قلق مستمر تنظر إلى كل ما حولها على أنه مؤامرة عليها وعلى ما تشعر أنها تمتلكه وحدها فقط , وهو ذلك النقاء أو التفوق , وبالتالي يكون الجنوح للعنف كلما زاد منسوب ذلك التصور .

المطلوب اليوم من كل البشرية أجمع أن تدرك منطق الحاجة إلى السلام والتعايش والانسجام على أساس واحد وهو الإنسان , بصرف النظر عن لونه ودينه وعرقه ومفاهيمه الأيديولوجية , حيث الحاجة الإنسانية الواحدة إلى عالم مستقر متنامي خلّاق . أما الأفكار التي تساهم في تعزيز الكراهية وتقطيع أواصر العلاقات الإنسانية فقد باتت الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى لتجريمها وتشريع القوانين الضابطة التي تدفع باتجاه تصحيح تلك العلاقات , من أجل الدفع أيضاً بالاستقرار الذي سيدفع بدوره عجلة النمو والازدهار , وذلك لن يتحقق في بيئات تمتلئ بالكراهية والتوتر وتشريع الكراهية والتسامح مع مروّجيها .

أخيراً , بقي أن أشير إلى دور الفنون في تعزيز أواصر الصلة ين الشعوب , حيث إن الفنون يمكنها أن تصلح ما تفسده الممارسات السياسية أو ممارسات التطرف الديني , حيث المنبع الواحد للفنون وهو الإنسان ومعاناته المتشابهة عبر التاريخ , وبالتالي فيمكن للفنون أن تلعب دوراً هاماً في ردم فجوات الاختلاف الثقافي بين الشعوب , كما يمكن أن تنقل على نطاق واسع وأكثر عمليةً الرسالة الإنسانية والحضارية المأمولة في قالب بسيط يسهل إيصاله باللغة الأسهل فهماً , وهي لغة الفن بكل أشكاله وصوره .

One thought on “خيارات التعايش والسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *