عبدالله الأسمري.. في رحاب الهايكو !

حاوره: علي بدوي الشهري ـ جدة

في المدار:

الشاعر عبدالله الأسمري، أديب سعودي له حضوره في المشهد الثقافي المحلي والعربي، حاصل على بكالوريوس كلية الآداب والعلوم الإنسانية “جامعة الملك عبد العزيز”، عضو الجمعية السعودية لعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية “جامعةالإمام محمد بن سعود الإسلامية” وله العديد من عضويات المؤسسات الثقافية، أصدر: ديوان “حوراء” صادر عن نادي أبها الأدبي، وديوان “ما لم أقله للبنفسج” صادر عن نادي الأحساء الأدبي، وديوان “أناشيد مرتلة في رحاب الهايكو” ديوان صادر عن نادي الباحة الأدبي.، ودراسة “مبادئ علم الإجرام” صادر عن دار نجيب محفوظ للطباعة والنشر والتوزيع وكتاب “شذرات من شعر الهايكو” عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، ملحق بمجلة الرافد الإلكتروني، وله كتب إصدارات أخرى تحت الطبع.

 

الحوار:

فزاعة الطير، تذروها الرياح، مناجل الفلاحين، البئر، الفلاح، غبش الفجر، حلزون، يعسوب، الثعلب، حقول الحنطة، هذه المفردات وأكثراستخدمها الشاعر عبد الله الأسمري، هل ما يزال الزمن الجميل يسكنه؟أم أنت الذي تسكنه؟!  

كلانا مسكون بالآخر، الدلالات المعجمة الواردة في النصوص هي روح النص الشعري، وجذوته الطبيعة حاضرة في كل التفاتة حرف في قصائدي، أرسم أبيات شعري على الأفق لأنني قضيت أجمل أيام عمري فوق سفوحه، فهو الحاضر إدهاشاً في المقلتين، لقد عشتُ طفولتي بين رحيق الأزهار، ورقصات الأغصان، وشقشقة الطيور، تنقلت في رباها وخمائلها، وتجولت بين مروجها وجداولها، لما استفقتُ من صدمة الميلاد تركوني على وجه الخميلة وحدي فنسجتُ من الزهرقافيتي ولحني.      

 

(ربما أكون الأول)

صوت الطاحونة

      يعانق السماء

      أنين الجياع

هل أستطيع القول أن الأستاذ عبد الله الأسمري هو أول الجاذبين أوالمستوردين لهذا النوع من الكتابة لقصيدة الهايكو بتفرده بنشر ديوان شعر(أناشيد مرتلة في رحاب الهايكو) والصادر عن دار الانتشارالعربي، والنادي الأدبي بالباحة للعام 2017م؟! وهل ترى أن الهايكو والومضة وغيرها تضيف للمحتوى الأدبي العربي وتواكب هذا العصرالمتجدد باستمرار والمفتوح على مصراعيه لمن أراد أن يخوض في كل بحر، وهناك خيطاً رفيعاً بينها وبين الومضة على الأقل؟!

شعر الهايكو ليس بجديد على الساحة العربية فالعراق، وبلادالشام، والمغرب العربي، يزخر بالشعراء واتحادات الهايكو، والروابط مثل: رابطة الهايكو العربي، ورابطة الهايكو الحُر، أما بالنسبة للسعودية ربما أكون الأول الذي خاص التجربة وأصبحت عضواً في رابطة الهايكو العربي، ونشرت في مجلات الهايكو العربي كثيراً مننصوصي، ثم صدر لي ديوان “أناشيد مرتلة في رحاب الهايكوعن نادي الكبار الأدبي، و “شذرات من الهايكو عن دائرة الثقافة بالشارقة، ونشر لي نصوص في مجلة الفيصل، وصحيفة الوطن، وصحيفة اليوم، وثلاث مقالات حول الهايكو في المجلة العربية، ومجلة اليمامة، وصحيفة الجزيرة الملحق الثقافي.

وقصيدة الومضة: هي لحظة أو موقف أو إحساس شعري خاطف تعبر عن هموم الشاعر وتكتب  بألفاظ  قليلة تعبر عن الذات .

أما قصيدة الهايكو: فهي القبض على اللحظة من مشهدية الطبيعة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة و تستخدم فيها فصول السنة والمواسم، الشجر، والحشرات، الطيور، والليل، الهايكو يعتمد علىالتكثيف و يُعطى مشهداً جميلا لتجسيد المشهدية على جدار الروعة والإبداع .        

 

(العصامية وجمال الحياة)

آه حوراء .. قصة من فصول

  يا سؤالاً لا ينـحنـي للــجواب

الهجرة من القرى للمدن الرئيسة والذي تماس والطفرة الاقتصادية الأولى للمملكة العربية السعودية وما بعدها، برغم ما في تلك القرى وبخاصة قرى الجنوب من جمال أخاذ يكمن في جبالها وغاباتها ووديانها، بالإضافة للطابع العام لساكنيها والذي يتمثل في البساطة بشتى صورها، كل هذا وغيره ماذا أعطى الشاعر عبد الله الأسمري، وماذا سلب منه؟!      

لقد ولدت خارج أسوار العالم، وليس ببعيد عن الترف الذي يرفل بواسع أثوابه بين شاهقات القصور، أنا ممن ولد قرب البيادر وبيدي منجل، تأنس روحي للغة السنابل وهمس الرياحين، وبوح الجنادب، أنا ممن ابتاع البُر في سوق العشيرة كي ابلغُ رسل الحرف، واستعين بثمنه على إماطة أذى الجهل، أعطاني الريف العصامية وجمال الحياة والكفاح وأعطيته قليلا من الشعر حين أقف على عتباته.        

وجدتك متصالحاً مع كل ما حولك، محبوباً من الجميع ولله الحمد، فما السر وراء كل هذا؟! أم أن الشاعر بحراً يخفي بداخله ما يخفيه؟!  

التصالح مع الذات هو أن تتقبلها بكل عيوبها دون أن تحكم عليها أوتنتقدها وأن تحاول تعديل ما يمكن تعديله من السلوك النافر، وأن تقف في نقطة التفاؤل والثقة بالله، وعليك تقبل الآخر كما هو لا كما تريد ولعل شعري المتواضع الذي أحاكي به الزهر والبشر والليل والقمرأعطاني حب اللذين تعجبهم كلماتي المتواضعة، لقد مّد الشعر جسراً مضيئاً بيني وبين الناس.          

 

(حورية العسيري، وغمرة طالع، حالية مضواح)

 

الأمكنة وجذوة الشعر، عنوان لمقالة نشرتها صحيفة اليمامة (العدد2494)، قلت فيها: (ومن التجذر العميق في اللاوعي، فالمكان هومنطلق الشاعر ومنتهاه في تشكيل نفسية الشاعر)، كيف يرى الشاعرحظوة الأمكنة في الشعر الجنوبي وحتى على مستوى الأدب عامة من رواية وقصة وغيرها..؟!            

يقال إن المكان مهاد دائماً للذاكرة ومهاد أيضاً للمخيلة، فالمكان بما يحويه من دلالات وما يشي به من وجدانيات، يشكل في  ذاكرة الشاعر الحنين إلى المكان بكل تفاصيله، وبما أن المكان يتجاوز الحد الجغرافي الوصفي إلى ما يسميه باشلار: «سمات المأوى التي تبلغ حدَّا من بساطة، ومن التجذر العميق في اللاوعي فالمكان هو منطلق الشاعر ومنتهاه في تشكيل نفسية الشاعر» العلاقة بين الشعر والمكان علاقة عميقة الجذور ومتشعبة الأبعاد، ونأخذ الشعر والرواية في عسيرنموذجًا، فالمكان في شعر أحمد عسيري قصيدة حورية السراة، وجبل تهلل في شعر أحمد التهامي، وجبل غمرة والمع في شعر إبراهيم طالع، ورواية إبراهيم مضواح جبل حاليه، فالمكان يحمل قيمة ورموزاً ودلالات، يشكل في أحايين كثيرة باعثاً للشعراء على امتطاء صهوة القصيدة.

 

 

(فرقد و عبقر واللجان الثقافية السبع)

 

 

كيف تقيم التجارب الشعرية الشبابية اليوم، وهل ترى أن الاجتهادات والمبادرات الثقافية التطوعية التي تقوم بها النوادي الأدبية ممثلة في نادي جدة الأدبي (منتدى عبقر الشعري)، ونادي الطائف الأدبي (جماعة فرقد الإبداعية) بمجلتها ومناشطها المختلفة، وما تقدمه منأسماء جديدة وأفكار خلاقة ستؤتي ثمارها يوماً؟! أم أنه ما يزال هناك عائقاً يحول دون النضج والكمال الذي ننشده كأفراد، وتنشده اللغة، وينشده الوطن؟!        

من ناحية تقييم الشباب أنصحهم بالقراءة خاصة في كتب التراث والأدب قراءة جيدة حتى يكتسبوا من روعة اللغة وقوالبها ويعتادوا علىأساليبها وطرائق تعبيرها، أما التجارب الشبابية تستحق التشجيع والدعم فالنوادي الأدبية وروافدها مثل منتدى عبقر الثقافي، وجماعة فرقد، واللجان الثقافية السبع التابعة لنادي أبها الأدبي، تُعد رافداً ثقافياَ مهما حيث تفتح الأبواب للشباب وتضعهم على أول الطريق بدعمها وتشجيعها وطباعة النتاج الأدبي لهم، ولعلها مع الوقت تضع حلولاً لكل المعوقات وتتقبل كل ما يطرح للمناقشة، وقد سجلت هذه المنتديات نجحات كبيرة حيث تُعد رافدًا للأندية الأدبية.

       

بيني وبين الأمس ألفُ حكاية

 مشحونة

 وفي غدي الشيء الكثير ..

 أين وكيف يكون استثمار المثقف الحقيقي اليوم؟!                      

ذكر عمرو موسى في مقولة تنسب له بأن المثقفين اليوم هم قياديوهذه الأمة فقال:”المثقفون اليوم هم جنرالات المعركة المقبلة وقادتها ومحددو نتائجها، لقد بات عليهم من الآن فصاعداً القيام بدور محوري في معركة الدفاع عن الأمة وحضارتهاومن خلال هذه المقولة التياستثارت الفكر حول دور المثقف المعاصر اليوم في ظل هذه النكبات والقضايا الشائكة التي تعاني منها الأمة وتقاطعات المصالح الذاتية والاجتماعية فضلا عن الداخلية والخارجية.  

 

(في ثناياها العصبية والتفاخر والتكسب بالمديح)

 

في لقاء أجرته معك صحيفة الشرق الأوسط اللندنية حيث قلت: أنه في ظل الحشد الجماهيري للشعر النبطي والشيلات زادت عزلة شعراء الفصحى، في تصورك ألا ترى أن هذا الحشد الجماهيري لم يأت من باب الصدفة بل أتى كنتيجة طبيعية لضعف المخرج اللغوي التعليمي ولسيادة صوت القبيلة عما حوله من أصوات، والهزل والوهن العام الذي يعاني منه الإعلام، وبالتالي تفشي اللهجة العامية على حساب لغة القرآن الكريم ؟.      

ظاهرة تفشي الشيلات وترسيخها أمر طبيعي، في ظل وجود إرث ثقافي كبير تزخر به الجزيرة العربية من الشعر النبطي، والذي هوأنيس المجالس، واستحسان الناس منذ قرون للشعر النبطي، ومع ثورة المعلومات والبث الفضائي وجد النبطي مساحة أكبر وجمهوراً عريضاً،  حيث أن الشيلات أخرجت جمال بعض قصائد النبطي من جمال المفردة إلى صخب عارم يرهق السامع ويبرز في ثنياها العصبية والتفاخر والتي سوقت لها الشيلات من باب التكسب بالمديح، وأظن أنها رسخت التفاخر المقيت ودمرت الذوق العام وأضعفت الفصحى ولم تشنف الآذان ولم تطرب القلب.  

يقول أبو صخر الهذلي أبان الدولة الأموية:

  هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى

  وزرتك حتى قيل ليـس لـه صبـر

 ويقول قيس بن الملوح في صدر الإسلام:

  فيا ليت هذا الحب يعشق مرة

  فيعلـم مـا يلقـى المحـب مـن الهجـر

 ويقول عنترة بن شداد في العصر الجاهلي:

  لو كان قلبي معي ما اخترت غيركم

  و لا رضيت سواكم في الهوى بدلاً

 الحب فطرة، وجين سائد من جينات بني البشر إن صح القول، ألا ترى بأن هناك في عصرنا هذا من يخشى أن يقول ويجاهر بحبه، بعكس  ما قرأناه وعرفناه على مر العصور السابقة؟! ولماذا؟!    

الشعر العذري على مر العصور من عهد كبش المرقش الأكبروأسماء، والذي قال فيه طرفه بن العبد .

كما أحرقت أسماء قلب مرقش يحب كلمح البرق لاحت مخايلُه، (وهر) التي قال فيها امرؤ القيس وهر تصيد قلوب الرجال .

وأفلت منها ابن عمرو حُجُر، والأحنف بن قيس وفوز، وابن زيدون وولادة، أما الشعراء الآن فالدواوين تنبض بالحياة والحب.        

 

(حسن الزهراني غسل قلوبنا)

 

قرأت يوما عبارة للشاعر الكبير قدرا ومقاما، الأستاذ حسن محمد الزهراني رئيس نادي الباحة الأدبي يقول فيها: “لا زلت أحلم أن يغسل شعراء العالم بشعرهم قلوب العالمين، هل ترى أن الصورة النمطية التي كوَّنها العامة عن الشعراء والأدباء والمثقفين تخدم هذا الحلم أو الأمنية التي قالها الأستاذ حسن الزهراني؟! وكيف يمكنها أن تتبدل هذه الصورة لدى المتلقي إن كانت كما أرى وأتصور علىالأقل؟!  

الشاعر حسن الزهراني غسل قلوبنا بشعره الجميل، وكيف للشعر أن يغسل قلوب العالمين، في زمن أضحى الأسى  فيه يطحن الناس من مطلع الشمس إلى مغربها، أصبح واضحاً أن الفجيعة أكبر من مساحة أحداق الشعر، العالم يغتسل الآن بالحديد والنار والفقر و التشرد وتوحش الرأسمالية .  

 

الشاعر الأستاذ عبد الله الأسمري، هل لديك عتب على وزارةالثقافة؟! وهل فعلاً الوزارة خذلت المثقف السعودي، ولم تأخذ بيده لينسج حلة أجمل بإبداعاته والتي تخدم المشهد الثقافي السعودي وبالتالي تصل للعالمية في ثوب اللغة والترجمات والإبداعات الأدبية بشتى صورها؟!    

هيئة الثقافة خرجت من عباءة وزارة الإعلام، وأظن أن دار لقمان لازالت على حالها، نتفاءل بخطة ثقافية تواكب رؤية 2030 لتجعل المشهد الثقافي السعودي يكون له حضوره العالمي والعربي ليواكب الرؤية، وتمد جسور التواصل الأدبي و الثقافي مع المثقفين في شتى مناشط الثقافة ورفع مستوى الأدباء وتكريم منزلتهم، والأخذ  بأفكارهم في مختلف شؤون الفكر والأدب.  

الدفقة الأولى للقصيدة عادة، كيف تكون عند الشاعر الأستاذ عبدالله الأسمري؟! وأي نوافذ الشعور(الأغراض الشعرية) تفتح له أولاً؟!  

عندما يأتي هذا الهتان لابد أن  تفتح له نوافذ الخيال وتقرب له المعاني وتترك القصيدة حتى تكتمل، وقد حددت مسارها مسبقًا، أميل إلى محاكاة الطبيعة ومحاورة الذات.      

دائما ما يجنح الشاعر للسلم وللحب وللجمال كتعبير لرفض الواقع المتخم بالحروب والنزف والتنازع، هل أستطيع القول بأن هذا الجنوح ما هو إلا هروب واعتراف ضمني بعدم قدرته على تغيير هذا العالم؟!  

الشعراء على مر العصور في حالة الحرب يستنهضون الأمة أوالقبيلة كما في حال عمرو بن كلثوم، وشعراء فلسطين وغيرهم من الشعراء العرب يستنهضون الأمة بشعرهم ولا نسمع إلا صدى، وهل سمعت أن شاعرًا على مر العصور من حرب البسوس وداحس والغبراء إلى يومنا هذا، وهل سمعت أن الشعر أوقف حربًا أو غير من موازين القوى أشك في ذلك.                

 

(شاهد من أهلها و حتى نلتقي)

 

ما جديد الشاعر عبد الله الأسمري؟!، وهل سنرى لك قريباً عملاً أدبياً (رواية أو قصة)، تثير من خلالها الدهشة كما فعلت في الهايكو؟!    

أعمل الآن على كتاب بعنوان الشنفرة شاعر البطش والغفاردراسة تحليله للامية العربأنجزت كتابا بعنوان كبار السن عطاء بلاحدود وكذلك أعمل على ترجمة لشعر الشاعر الياباني باشو، رائد شعر الهايكو بلا منازع، والذي جلبت مراجعه من بريطانيا مترجمة من اللغة اليابانية إلى اللغة الإنجليزية وسوف أترجمها إلى العربية، كما تستكتبني مجلة اليمامة في زاوية شاهد من أهلها، وتارة زاوية حتى نلتقي في المجلة العربية .                

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *