ابتهال تريتر وعلاماتها الشعرية

 

د. مصطفى الضبع

كلية الآداب – جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل بالدمام

كل نص هو مجموعة من العلامات التي سبق استخدامها في سياقات موازية وسياقات متوالية، وكل علامة هي كيان يحقق وجوده في النص / النصوص وفق سياقات محكمة تفضي إلى دلالة واضحة يعتمد وضوحها على دقة السياق أولا وعلى قدرة المتلقي على استكشاف الطاقة الدلالية للعلامة حين الحضور وحين التحقق.

لا يخترع الشعراء العلامات الشعرية، فالعلامة بداية مفردة لغوية لها حضورها في الثقافة الإنسانية ولها نظام عملها الفاعل، غير أنها حين تنتقل إلى النص يكون لها فعلها عبر نظام خاص، نظام القصيدة، وهو ما يعني كونها اختيارا جماليا واعيا من الشاعر، مما يجعله معيارا صالحا للحكم على شاعريته.

الشاعر حين يقيم نظامه يعتمد على توظيف مجموعة من العلامات، ينتج غابة من العلامات التي يدخلها المتلقي فتكون إما غابة منظمة، منسقة، تتحقق فيها أسباب الضوء فيستطيع إدراك ألوانها، وطرقها وروائحها، والمساحات الفاصلة بين دروبها، وإما غابة تضيع فيها المعاني، وتتوه فيها الأفكار، ويصعب عليه تتبع مسالكها أو دروبها أو اكتشاف جغرافيتها.

إن علامة واحدة يوظفها الشاعر لقادرة على الحكم على شاعريته، والكشف عن قدراته الجمالية والبلاغية والموضوعية، حيث الموضوع مجرد إناء يكون مقبولا، ودالا كلما استطاع الشاعر انتقاء العلامات وتنظيمها ومنحها القدرة على العمل والإنتاج.

العلامة الشعرية ليست موضوعا وإنما بوصفها تقنية حيث الشاعر لا يكتب عن العلامة وإنما هو يكتب بها مما يعني كونها وسيلة جمالية لاستكشاف النصوص والوقوف على قدراتها الجمالية.  

يشكل الشاعر نصه من مجموعة من العلامات التي تشكل بدروها معجمه الخاص

في قصيدتها ” معزوفة الغيم الخالد” تحسن الشاعرة السودانية ابتهال تريتر توظيف علاماتها مستنفرة طاقاتها الشعرية لاستصفاء الصورة الدالة.

تأتي القصيدة في مقطعين أساسيين، ينقسم الأول منهما– وفق إيقاعه التقفوي – إلى سبعة مقاطع تترابط مكونة الإيقاع الكلي للقصيدة، وتترابط المقاطع عبر مجموعة من العلامات التشعبية حيث تمد العلامة خيوطها لتلتقي بعلامة أخرى تعمل معها على الجمع بين المقطعين، والرابط ليس يكمن في التشابه وإنما يمكن أن يتحقق في التضاد بحيث يبدو المقطعان وجهين لعملة واحدة لا يستغني وجه عن مقابله:

في المقطع الأول تقول الشاعرة:

“في مشهد الشمس

عَامَانِ إلَّا أرْبَعَةْ
نَبَتَتْ عَلى جَسَدِي الظُّنُونُ
وَفَـارَقَتْنِي غَيْمَـتِـي
وَأنَـا ارْتَدِيْتُكَ جُبّـةً
بِدَمِ الغِـيَـابِ مُرَقَّعةْ”

فتتشكل الصورة من مجموعة أساسية من العلامات: الشمس + الزمن +الذات في تعبيرها عن نفسها عبر ضمير المتكلم + الجبة + مرقعة بوصفها علامة على الجبة في دلالتها المجازية)

وفي المقطع الثاني تتوالى العلامات في تقابلها وتشابهها مع العلامات في المقطع السابق:

“اللَّيلُ يَسْألُ “أيْنَنَا” 
وَصِياحُ أزْمِـنَـةِ العُبُورِ
أنَامِلُ المَطَرِ الحَلالِ
عَلَى الجُرُوفِ مُوَقَّعَةْ”

فتتشكل الصورة من مجموعة علامات أخرى: الليل + الأزمنة + المطر + الجروف + الأنامل الموقعة)، تترابط العلامات عبر طرائق عدة:

  • التضاد: الشمس + الليل.
  • التشابه: الزمن = الليل.
  • الامتداد: الذات في المقطع الأول وامتداداها في الأنامل.
  • الإفراد ثم الجمع: الذات عبر ضمير المتكلم (جسدي) + ضمير المخاطب (ارتديتك) ثم الجمع بينهما في المقطع الثاني عبر ضمير المتكلمين (أيننا).

يتشارك المقطعان في تقديم مجموعة العلامات التي يقوم عليها جغرافية المكان المؤهل لاستيعاب الصورة في مجازيتها وعلى اتساع دلالتها، والشاعرة تقيم مجموعة من العلاقات بين العلامات، تحقيقا لسردية النص التي تتجلى عبر مظهرين:

  • الإحكام: وهو ما تقوم عليه صنعة الشعر بشكل عام، ويعد واحدة من خصائص القصيدة الشعرية عبر زمنها الممتد، ويكفي الإشارة على مجموعة العلامات التي تؤطرها الشاعرة في مقاطع قصيدتها المتوالية.
  • الحكي: وتجلى في كثير من مقاطع القصيدة ، وتكاد المقاطع تشكل حكاية كبرى ، أو سردية جامعة لمجموعة من السرود ، حيث الشاعرة تعتمد كل مقطع بوصفه مشهدا سرديا يتضام مع غيره من السرود لتقديم النص في كليته ، وإذا كانت المقاطع السابقة (الأول والثاني يمثلان مدخلا للعالم المسرود والقائم على شخصيتين : الذات والمخاطب ) فإن المقاطع التالية للقصيدة تؤسس للحكاية عبر تفاصيلها المتوالية فيأتي المقطعان الثالث والرابع شاهدين على الحدث المنفلت من الحكاية في تقليديتها مؤسسها للحكاية في تجربتها العمل خارج دائرة القيد ، بعد أن طرح المقطعان الزمان والمكان بوصفهما خارج نطاق الواقع في محدوديته تنتقل الساردة المتضمنة في القصيدة إلى دائرة أضيق تحصر فيها الحدث التالي :

“البَابُ يَسْجِنُ لَهْفَتِي
فَلِمنْ يُخَبِّئُنِي إذَنْ
وَمَعِي
مَفَاتِيحُ الهُروبِ إليكَ 
بَعْضُ الأقْنِعةْ
وَمَعِي اغْتِيالاتُ الحَنِينِ
هِياجُ أنْفاسِ الكَلَامِ.. 
ويَدٌ على كَيْفِ احْتِشادكَ
في انْتِزاعِكَ مُقْنِعــةْ”

معبرة عن امتلاكها من العلامات ما يجعلها قوة قادرة على امتلاك اللحظة أولا، وما يجعلها قادرة على التحكم في المشهد والسيطرة عليه عبر امتلاكها ثلاثا من العلامات: معي مفاتيح الهروب + معي اغتيالات الحنين + هياج أنفاس + يد، ويكون لتعداد العلامات وتواليها وتعددها وتنوع أشكالها أثره في التدليل على القوة الذاتية للشاعرة وهي تشكل عالمها، وتبني مجازها للإحاطة بالعالم ـ وترتيب تفاصيله ، تؤخر منها ما يجعل المتلقي في حاجة للمعرفة ، معرفة ما يجب أن يتوصل إليه للوقوف على العالم ، فالعلاقة المتوقعة بين الذات والآخر هي الحب ، غير أنها لا تظهره مبكرا في سياق القصيدة وإنما تؤخره للمقطع الخامس جامعة بينه وبين مجموعة العلامات الواقعة في سياقه مما يجعل دائرة الحب تتشكل من ثلاث علامات أساسية : الحب – السؤال – الوجع  ، و كلاهما : الحب والسؤال موجعان ، يستحقان الوقوف للتأمل ومكاشفة العمق النفسي للذات والعمق التركيبي للأسلوب في صياغة الشاعرة للعلامات المنتجة لعالمها :

عَامَانِ إلَّا أرْبَعـةْ
والآنَ يَنْفَتِحُ السُّؤالُ
وَدَمْغَـةُ الحُبِّ التي
أنَّى اتَّجَهْتُ تُعِيدُني لكَ
رغم طَيفِكَ مُوجِـعَــةْ
وبإطراح السؤال تتعدد الأسئلة في تصويرها للحالة وفق رؤية الشاعرة أو وفق رؤية الذات التي تمثل سفيرة للشاعرة في القصيدة وصوتها المطروح عبر القصيدة.

على المتلقي وصولا لنص الشاعرة في خصوصيته ان يجتهد في متابعة العلامات وتبدلاتها واستئثارها بمواقعها لإنتاجها تلك الصور التي تتفرد بها شاعرة لها قدراتها، ولها قصيدتها الخاصة ذات الطعم الخاص.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *