ومن النمل لحكمة

 

 

  • شذ الجاسر

 

جعل الله حكمته في الأرض جميعا ولم يخصها في بني البشر، وجعلها تتنوع من حيث الإبلاغ، فمنها لغوي ومنها غير اللغوي، ولقد ذكر ذلك في القرآن، حيث أتت بعض الحكم التي صدرت من غير البشر ومنها، إرسال الله سبحانه وتعالى الغراب لكي يخبر البشرية بكيفية ستر الميت، قال عزّ وجل: “فبعث اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ”. المائدة آية 31

كما أرسل الله تعالى النملة للبشرية من خلال حوارها البسيط العظيم المعاني في سروة النمل لتوضيح أهم مشكلة نواجهها في هذا الزمن. ففي قوله تعالى: “حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ” النمل: آية 18

أتت تسميتها بالنمل لوجود أحد عشر معجزة لهذا المخلوق الصغير:

  1. بكونها نادت فقالت (يا).
  2. بكونها أبهمت فقالت (أيها).
  3. بكونها نبهت فقالت (أيها)، حيث جاءت الهاء للتنبيه.
  4. بكونها سمّت فقالت (النمل).
  5. لأنها أمرت فقالت (ادخلوا).
  6. لأنها حددت فقالت (مساكنكم).
  7. لكونها حذرت فقالت (لايحطمنكم).
  8. لكونها خصصت فقالت (سليمان).
  9. لكونها عممت فقالت (وجنوده).
  10. لأنها اشارت فقالت (وهم).
  11. لكونها التمست العذر فقالت (لا يشعرون).

فكانت بهذا الأمر بمثابة المعلم للأدب في التعامل والذوق في الحوار، بالأخص (العذر) الذي يعتبر مشكلة هذا الزمن، ومحور هذه المقالة، فشملت كلمة “لا يشعرون” حسن النية التي هي الأساس في قبول عمل العبد لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى” أخرجه البخاري ومسلم.

ثم حسن التعامل بإعطاء العذر لأولائك الحشود والجنود الذي يتبعون سليمان عليه السلام، فلم تقل “نحن صغار” مثلا، أي لم تتشاءم، ولم تتذمر من واقعها. ولم تقل “لن ينتبه” مقللة من شأن سيدنا سليمان وإعطائه صفة الكبر، أي الاتهام غيبا وظلما، بل قالت “وهم لا يشعرون” أي التمست العذر، نافية تهمة الكبر، حيث كان عليه السلام مترقب ومتتبع لكل جنوده وحشوده؛ بدليل ملاحظته الدقيقة لغياب الهدهد، وكان ذلك بسبب انشغال فكره بأمر الدين. وهذا ما نحتاجه في زمننا الحاضر “العذر”. فلانه لم تحضر بالتأكيد إنها كذا وكذا، وكثير من الأمثلة، وللأسف إن هذا الأمر يقود لبعض المشاكل التي تؤدي لقطع الرحم، بسبب سوء الظن وعدم إعطاء العذر. ولقد أخبرنا الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بأن نلتمس للمسلم سبعين عذرا. لكن للأسف في هذا الزمن قد غاب العذر وكثر اللغو والقيل والقال، فكثرت عبارات (سأعطيك خبر فلان) وكثرت الآذان المصغية له، ولو تحقق الفرد منهم من الأمر لوجد أنه ليس به من الخير شيء، بل يكمن بين طياته الشر الذي يؤذي النفس، فتتحكم النفس الأمارة بالسوء مبدية عدم العذر متخذة قرار الابتعاد أو المواجهة. فتحصل المشاكل وينقطع الرحم من أرواحنا فيتحجر القلب. فهذه المخلوقة الصغيرة العظيمة أعطتنا حكم العيش كما أمرنا الله سبحانه وحثنا عليه نبيه عليه الصلاة والسلام. فكأنما تقول لنا من خلال كلماتها البسيطة تلك:

  • اعذر. فليس لديك علم بخفايا البشر.
  • برر. لتذهب غمامة سوء الظن, وهذا ما فعله سيد البشرية عليه أفضل الصلاة والسلام حينما مرّ من جانبه رجلان من الأنصار فأسرعا بخطواتهما حينما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقدم المساعدة لزوجته صفية خلال زيارتها له ليلا اثناء اعتكافه, فأخبرهما: (على رسلكما, إنها صفية بنت حيي), فقالا: سبحان الله يا رسول الله!, فقال: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم, وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا- أو قال شيئا-). متفق عليه, واللفظ للبخاري. فما نحن عند الرسول عليه الصلاة والسلام؟!

ومسالة التبرير لها مواقفها التي يجب أن نبرر لها ونوضحها. فيجب التبرير في المواقف التي تمنع قطع الرحم وسوء الظن وليس في كل صغيرة, والتي لا تحتاج لتبرير من الأصل.

  • اعمل بما تُنصح. فمهما بلغ بما الأمر من العلم والقوة إلا يجب الأخذ بعين الاعتبار كل من يقدم النصيحة ومهما كانت منزلته العلمية أو الاجتماعية, فخبرة الحياة والحكمة ليس لها درجة علمية معينة وليس لها مستوى اجتماعي محدد. ونحن لسنا أفضل علما وقوة ومكانة من حبيبنا وسيدنا عليه الصلاة والسلام, فقد كان يأخذ بالمشورة ساعة الحروب وهو النبي والرسول والدليل اخذه بمشورة الحباب بن المنذر بجعل مياه بدر خلفه. وفي الختام أوجه سؤالا لنفسي قبل أن يكون لمن يقرأ.

أين نحن من هذه الآية العظيمة “آية النمل” التي سميت السورة ياسمها؟!

+ ألف شكر لدكتورتي أميرة القايدي التي كانت السبب بإلهام فكرة هذا المقال من خلال محاضرتها المقررة وتحليلها لسورة النمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *