عهد جديد للتبادل الثقافي والتعاون العلمي بين الهند والسعودية

بقلم: الدكتور معراج أحمد معراج الندوي*

إن الظاهرة التي تجلى فيها التبادل الثقافي والتعاون العلمي بين الهند والمملكة العربية السعودية تعتمد على العلاقات الهندية العربية التي قامت منذ فجر التاريخ وتواصلت عبر العصور والقرون. تولدت العلاقات الثقافية بين الهند والمملكة العربية السعودية انعكاسا بعلاقاتهما التجارية والفكرية ثم تطورت هذه العلاقات على التبادل الثقافي والحضاري فضلا عن التبادل التجاري لأن العلاقة التجارية لم تكن مجردا لنقل البضائع بل حملت معها الثقافة والمعرفة والحضارة.
تمتع البلدان بعلاقة صداقة وود تجسد الروابط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمتد إلى العديد من القرون الماضية. وإن القرب الجغرافي والروابط الحضارية والتقارب الثقافي والتواصل الطبيعي والروابط الحيوية بين شعبي البلدين والتحديات والفرص المشتركة قد أضافت زخماَ إلى الروابط القوية بين البلدين. تربط الهند والمملكة علاقات تعاون وصداقة متينة عن التاريخ والقرب الجغرافي الذي يربط كلا البلدين الأمر الذي جعل من الإرث الحضاري للهند وما يقابله من تاريخ معرفي ومنجز عربي كبير مساحة للحوار والتلاقي والتواصل على مختلف المستويات. إن العلاقات الثقافية والتعليمية بين البلدين تبلورت وتطورت بشكل ملحوظ وارتقت لمستوى عالٍ واتخذت صورا مختلفة ومتنوعة منها المشاركة في معارض الكتاب والندوات والمؤتمرات والفعاليات والتبادل الثقافي والتعليمي والأكاديمي.
إن جمهورية الهند والمملكة العربية السعودية شريكتان قديمتان في التجارة حيث علاقاتهما التجارية تعود إلى عدة قرون. واليوم يجري توسيع العلاقات التجارية الثنائية وتعزيزها بشكل متواتر من خلال استمرار التفاعل والتعاون مع تبادل الوفود التجارية بشكل مستمر. واليوم تعتبر الهند المملكة العربية السعودية ركيزة أساسية لأمن الطاقة وشريكا اقتصاديا هاماً للاستثمارات والمشاريع المشتركة ونقل المشروعات التكنولوجية.
العلاقات التجارية: وقد ساهمت التجارة ذات المسافات الطويلة في تعزيز العلاقات الثقافية بين الهند والدول العربية عبر القرون والعصور، كانت الهند ملتقى لعديد من الثقافات. وامتصت الهند أفضل هذه التأثيرات وبقيت كمستودع مثالي لجميع الثقافات المختلفة على مدى قرون طويلة. إن الهنود كانوا أمة عريقة ومتقدمة في العلوم والفنون. كانت لهم حضارات قديمة وثقافات مشرقة فجذبت هذه كلها اهتمام الأقوام المختلفة بما فيها اليونانيون والفرس والعرب إليها ولفت انتباههم. والعرب من الأمم التي أقامت علاقات تجارية وثقافية مع الهنود في زمن سحيق بصفة مباشرة. وبعد ظهور الإسلام قد تعززت هذه العلاقات وتوثقت الروابط بين العرب والهنود فيبدأ تاريخها بعد ظهور الإسلام وتحديدا مع تأسيس الخلافة العباسية في منتصف القرن الثامن الميلادي. وكانت هذه الفترة بداية لتاريخ طويل من التواصل الثقافي الذي استمر عدة قرون. وكانت عملية التبادل الثقافي تمت تعميمها في مجال العلوم والفنون والدين والفلسفة والقيم الاجتماعية والأفكار الفلسفية.
وإن العلاقات التجارية السائدة بين الهند والعالم العربي في الهند المستقلة تزدهر وتزداد يوما بعد يوم في كل مجال من مجالات الحياة. سارت الشعوب العالم العربي والهندي جنبا إلى جنب في كسب الحياة والمعيشة، وفي مشاركة ومبادلة منتوجاتهم التجارية. وهكذا توثقت الصلة بصورة متينة مادية وروحية فكرية. وبما أن الماضي لهذين العالمين جزء لا يتجزأ من حاضرهما. وفي العصر الحاضر، قد أصبحت المصالح العربية والهندية مشتركة و متشابكة بكثير مما كانت عليه في العصر الماضي. استمرت الهند والعالم العربي بتوثيق الصلات القديمة عن طريق الصداقة والتجارة والثقافة. ثم ابتدأت الصلات وتعززت العلاقات في مختلف مجالات الحياة من أمر جديد بعدما حازت الهند استقلالها. حاولت كل منهما البناء على إرثهما التاريخي وإحياء صداقتها القديمة. واستمرت الهند بزيادة التفاهم وتوثيق الصلات مع العالم العربي عن طريق اتفاقيات الصداقة والتجارة والثقافة. وتسود اليوم المؤسسات الثقافية في تقدم الجسور الثقافية بين الهند والمملكة العربية السعودية. ابتدأت العلاقات التجارية بين الهند والمملكة العربية السعودية من أمر جديد عندما حازت الهند استقلالها. ويجدر هنا بالذكر أن التواصل بين زعماء الحركة الوطنية في البلدين كانت جارية منذ أواخر القرن التاسع عشر. وبعد استقلال الهند دخلت العلاقات الهندية العربية في عصر جديد في كل مجالاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية. وحاول الفريقان البناء على أرثهما التاريخي وإحياء صداقتهما القديم من جديد.
العلاقات الفكرية والدينية: يرجع تاريخ الصلات الفكرية الدينية بين الهند والعالم العربي إلى زمن ما قبل التاريخ كما يرجع تاريخ الصلات التجارية والثقافية إلى زمن عتيق. وفي العصور القديمة كان العرب والهنود يشتركون في الوثنية وعبادة الأصنام والأجرام السماوية. ونقل السيد مكاوي اكاديمي ومصري، رواية عن مايكل رأس عن موافقة الهنود والمصريين في عبادة الأصنام والبقرة: وهو يقول: “إن عبادة البقرة “حتحور” في مصر بدأت قبل عصر الأسرات وحتحور تعنى لغويا” بيت حورس” كناية عن تبتني المعبود حورس للبقرة كأمه. أما في الهند فما تزال البقرة مقدسة حتى اليوم” كذلك أنه نقل رواية أخرى عن الموافقة بينها، وهي: تمثيل المعبود المصري “أوزويس” والمعبودين الهندوسين كريشنا ورام على شكل جسم إنسان. فكانت للهنود والعرب سبعة بيوت معروفة مبنية على الكواكب السبعة، وهي: بيت فارس على رأس الجبل بأصفهان، وبيت ملتان بالهند، وبيت سدوسان من أرض الهند، وبيت نور بهار من بمدينة بلخ، وبيت فرغانة وبيت غمدان في صنعاء اليمن، وبيت الكعبة في مكة المكرمة.
وكان الهنود يحترمون الهياكل ومعابد العرب، فهم كانوا يعظمون الكعبة ويسافرون إليها ويرسلون إليها الهدايا ويعتقدون بأن الكعبة بينت على طالع زحل، ومن الطرف الآخر تأثر العرب بعد احتكاكهم مع الهنود بالأفكار الهندية وأخذوا منها في معتقداتهم ونقلوا نظرية التناسخ من الهند إلى اليونان ومنها إلى مصر القديمة. وبعد ظهور الإسلام في الجزيرة العربية في القرن السابع من الميلاد، قد قامت العلاقات الفكرية بين الهند والعالم العربي من نوع جديد، تتحول العلاقات والروابط من الفكرة الوثنية إلى الفكرة الإسلامية الوحدانية. فالمسلمون العرب جابوا البلاد شرقا وغربا يحملون رسالة الإسلام ويدعون الناس إلى الإسلام. وبدا دخول المسلمون العرب في الهند في العصر النبوي و بقى نزولهم واسفارهم إلى هذه البلاد كالنهر الذي يجري دائما. فدخلوا في المرحلة الأولى كدعاة ومبلغين ونشروا التعاليم الإسلامية ومبادئ العقيدة الإسلامية وحملوا معهم الفكرة الإسلامية. وكان لهؤلاء المسلمين أثر عميق على الهنود والديانة الهندوسية. إذ اعتنق عدد كبير من الهنود هذا الدين الجديد وتركوا ديانتهم القديمة وعبادتهم الوثنية. وهذا الانتقال من الفكرة الدينية الوثنية إلى الفكرة الدينية الإسلامية يجري بكل حيوية حتى اليوم.
إن الهنود والعرب قد أثّر الشعب الواحد منهما في الآخر عبر التاريخ في مجالات الحياة المختلفة الاجتماعية والفكرية. فقد نتجت عن ذلك صور معينة للشعب والأوّل وانعكست على الآخر. فالصورة التي كانت عند العرب للهند هي صورة احترام وإكبار لما كان عند الهنود من فلسفة وعلوم وآداب. وقال جواهر لال نهرو وهو يعترف بتأثير الإسلام العميق في العقلية الهندية وفكرة الهندوس الدينية: “إن دخول الإسلام والشعوب المختلفة في الهند التي حملت معها أفكار طريقة وأساليب مختلفة للحياة، قد أثرت على عقيدتها كما أثرت في هيئتها الاجتماعية.
العلاقات الثقافية: تمثل الثقافة رسالة حضارية وقوة ناعمة تعكس صورة الدولة العصرية أمام المجتمع الدولي وتعبر عن واقعها في هذا المجتمع. ومن هنا تستثمر الدول الذكية هذه القوة المتمثلة في العنصر الثقافي في صياغة رسائلها وتكثيف برامجها ومبادراتها حول العالم من أجل صناعة صورة ذهنية إنسانية حضارية وإيجابية. فقد تأثرت الهند بالحضارة العربية الإسلامية كما أصبحت الثقافة الهندية مختلطة اختلاطا وثيقا بالثقافة العربية. وقد تطورت تلك العلاقات وتبلورت حسب تقلبات الزمن حتى صارت اليوم موثقة. يمتاز هذا العصر بتعزيز العلاقات الثقافية إلى جانب العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين الهند والمملكة العربية السعودية.
تأثرت الهند بالعرب حضارة وثقافة ولغة وأدبا. فكان من الطبيعي أن تتأثر لغات الهند المحلية والوطنية والرسمية التي ينطقها العرب المسلمون من العربية نتيجة نفوذ الإسلام والقرآن في عقلهم وتعاملهم ومعاشرتهم، إضافة إلى الصلات التجارية والثقافية والسياسية والدبلوماسية التي لم تكن مقتصرة على الديانة والاعتقاد الإسلامي فحسب، بل تتعدى إلى سكان الهند من الهندوس الآخرين. تأثر المسلمون الهنود بالعادات العربية في الطعام واللباس وتقاليدهم الدينية والثقافية والاجتماعية خاصة وبعلومها وفنونها. وقد شاعت علومها وفنونها في جميع أنحاء الهند لعلاقاتهم العلمية مع الهند.
إن العلاقات الثقافية موثوقة بالعلاقات التجارية والسياسية التي سادت بين البلدين. وقد أسست في الهند المدارس والمعاهد والمؤسسات والجامعات لتعزيز العلاقات الثقافية والفكرية والدينية مع الدول العربية كما انجبت الهند ولا تزال تنجب نخبة من المؤلفين والمترجمين الذين اعتنوا باللغة العربية نطقا وكتابة وتأليفا وترجمة ولم يدخروا وسعا في تطوير اللغة العربية وإثراءها بكل من الترجمة والتأليف والصحافة وإنشاء المجلات.
التعاون العلمي بين الهند والمملكة العربية السعودية:
استمرت الهند بزيادة التفاهم وتوثيق الصلات مع المملكة عن طريق اتفاقيات الصداقة والتجارة والثقافة. وبفضل هذا التجاوب الذهني تمكن الشعبان في العصر الحاضر أن يستهلا عصرا جديدا من التبادل الثقافي والتعاون العلمي والتفاهم العام. أرادت الحكومة الهندية بعد استقلال الهند على توسيع نطاق التعاون الثقافي مع العالم العربي بصفة خاصة فعقدت الحكومة الهندية بتأسيس برنامج متنوع الأهداف في الحقل الثقافي والتعاون العلمي والتفاهم العام كما عقدت الندوات والمؤتمرات للمفوضات السياسية والاقتصادية التي تنتهي إلى تدعيم العلاقات الثقافية. ومن مظاهر هذه الجهود التي يبذلها الطرفان في التبادل الثقافي والتعاون العلمي هي اهتمام كبير من العالم العربي بتنمية وتعزيز المجال الثقافي والأكاديمي إذ تحرص اليوم الدول العربية إلى افتتاح الملحقات الثقافية التي تعرض البرنامج الثقافي والعلمي والأدبي ومنها الموسيقى والغناء والرقص والأفلام والرسامة والفنون الجميلة المستحدثة في الهند كما تعقد اللقاءات الثقافية وتقوم بتنظيم الندوات الفكرية لتوسيع الأجواء الأخوية والاحترام المتبادل على الصعيد الدولي بين الشعبين. تحرص الهند والمملكة على المشاركة المستمرة في المهرجانات الثقافية والفنية وتحاول أن تتواجد فرصا جديدة لإحياء التراث التاريخي في التبادل الثقافي التعاون العلمي.
يعتبر كل من السعودية والهند دولتين لهما أبعاد حضارية وتنموية متميزة، وتشكل العلاقة الثنائية الجيدة أبعادا استراتيجية مهمة ودورا محوريا في استقرار الإقليم والنظام الدولي. وقد تميزت كلتا الدولتين بعدد من الموارد التي قد تشكل تكاملا غير مسبوق. قد دخلت الهند والمملكة العربية السعودية في عهد جديد لعلاقات الصداقة والتعاون بين البلدين التي تتسم بالثقة والتفاهم المتبادل وحسن النية واحترام مصالح بعضهما البعض في مختلف المجالات بما في ذلك التجارة والطاقة والأمن والمجالات الثقافية في تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين. لقد أعربت المملكة حرصها لاستثمار في الهند خاصة في مجالات الطاقة والتكرير والبتروكيماويات والبنية التحتية والزراعة، والمعادن والتعدين والتصنيع والتعليم والصحة. فنظرا لأهمية أمن الطاقة كركيزة أساسية للشراكة الاستراتيجية، أعربت الهند والمملكة عن رضاهما بنمو التجارة الثنائية بين البلدين في قطاع الطاقة لأن المملكة العربية السعودية هي أكثر موردي النفط الخام والغاز موثوقية في العالم وهي المورد الرئيسي للهند، وكذلك أعربت الهند حرصها على التعاون في مجالات الفضاء والعلوم والتقنية والاتصالات عبر الأقمار الصناعية.
إن عهدا جديدا في تعزيز العلاقات بين البلدين سوف تفتح أبواب التعاون الجديد في مجال التواصل الثقافي والحضاري وتلعب دورا بارزا في التقريب وتوحيد صفوف القيادات ونشر ثقافة التبادل والحوار كما ستطلع الزيارة وتظهر آفاقاً جديدة للتواصل والتبادل بين البلدين. يعتبر هذ العهد فاتح عهد جديد للمودة والمحبة والأمن والسلام بين الإنسانية والرابطة القوية بين الهند والمملكة العربية السعودية في مختلف المجالات من الثقافة والتفاهم المشترك.

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها*
جامعة عالية،كولكاتا -الهند

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *