ربيع الثقافة

بقلم: سعد عبدالله الغريبي*

يأتي شهر مارس كل عام مؤذنا بدخول فصل الربيع، معلنا عن قدومه بتفتح وروده وأزاهيره، وذيوع شذاها معطرا الأجواء مبهجا النفوس. ولا أحسب البحتري حين رحَّب بمقدم الربيع وفرح بقدومه إلا يعبر عن شعور الناس جميعا على مر العصور بتعدد ثقافاتهم وتنوع طبقاتهم وتباين أعمارهم:

أَتاكَ الرَبيع الطَلق يَختال ضاحِكاً مِنَ الحسنِ حَتى كادَ أَن يَتَكَــــــلما
وَقَد نَبهَ النَيروز في غَلَسِ الدُجى أَوائِلَ وَردٍ كُنَّ بِالأَمسِ نُــــــــوَّما

وللربيع في بلادنا الحبيبة وعاصمتها الرياض طعم مختلف، فهو يمتاز بربيع آخر فيه تنثر أغصان الثقافة زهورها فتعطر المكان بحبر المطابع، وتشنف الأذان بحديث الندوات والأمسيات.. إنه ربيع الكتاب؛ إذ يفتح معرض الكتاب الدولي أبوابه ليضيف إلى مواسم الثقافة موسما ويتيح للبهجة منفذا.
وربيع الكتاب لهذا العام يختلف عن كل عام سبقه في أنه جاء متزامنا مع وعد أطلقه معالي وزير الثقافة؛ صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود.. إنه الوعد بإطلاق استراتيجية الثقافة في السابع والعشرين من شهر مارس الجاري.
كانت أولى أمنيات المثقفين استقلال الثقافة عن الإعلام في وزارة تهتم بشؤون الثقافة والمثقفين من أدباء ومثقفين، ومؤلفين وناشرين، وقد استبشروا خيرا بصدور المرسوم الملكي في شهر رمضان الماضي القاضي بفصل وزارة الثقافة عن وزارة الإعلام، وظلوا ينتظرون بكل الشوق إلى الخطوات التالية!..
لقد ظلت شؤون الثقافة في المملكة على مدى أكثر من ستين عاما موزعة بين مؤسسات التعليم والشؤون الاجتماعية ورعاية الشباب، وتائهة بين الرياضة والفنون والإعلام. والآن تعددت قنوات الثقافة أكثر من ذي قبل، فهناك المراكز الثقافية والأندية الأدبية ومعارض الكتب، وهناك المهرجانات الثقافية والمؤتمرات الأدبية التي أرجو ألا تبتعد عن حضن وزارة الثقافة.
أمام وزارة الثقافة جبال من المهمات، لكن الأمل معقود على عزائم رجالها المخلصين. هذه المهمات المنتظرة تكونت مع مرور عقود من التطلعات والأمنيات لم يتحقق منها إلا النزر اليسير، وما على من يريد أن يتعرف إلى مطالب المثقفين من وزارتهم – أو أهم مطالبهم على الأقل – إلا أن يلقي نظرة عجلى على توصيات مؤتمرات الأدباء الفائتة.
وأيا كانت مهمات الوزارة فإنها يجب ألا تغفل عن مسألة في غاية الأهمية. إنها إيجاد قاعدة للأدباء والكتاب والمؤلفين، وتحديد مجال كل منهم حتى إذا احتاجت لاستكتاب أو ترشيح لمؤتمر, أو أمسية أو معرض تنطلق من هذه القاعدة بدلا مما هو سائد حاليا ومعمول به إذ يبدأ المسؤولون بالبحث عمن يعرفون، فتتكرر الأسماء في كل عام وفي كل مناسبة!.
لقد قلت: “الأدباء والكتاب والمؤلفين” ولم أقل: “المثقفين” لأن الثقافة بحر واسع ليس له ساحل، وكم من مثقف ليس له كتاب مطبوع أو صوت مسموع، ومن الصعوبة بمكان أن نقسم الناس – حتى الأدباء – إلى فريقين: مثقف وغير مثقف. أما المؤلفون والكتاب فيسهل معرفتهم وحصرهم، فلدى الوزارة بيانات كل مؤلف من خلال فسوحات المؤلفات، ولدى كل صحيفة ومجلة قاعدة بيانات لكتابها. وبعد حصرهم يصدر لكل منتمٍ للأدب بطاقة عضوية أو انتساب تكون بمثابة تعريف وانتماء، لأن معرفة الجمهور المستهدف في أية منشأة وعددهم يسهل التعامل معهم والاستفادة منهم وسهولة تقديم الخدمات لهم.
قبل سنوات كان في الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافة والإعلام (أيقونة) يدخل منها الزائر ليسجل اسمه وبياناته ضمن مثقفي المملكة، لكنها لم تكن مفعلة، فلو أردتَ استعراض القائمة أو البحث عن اسم بعينه فلن تجد شيئا، وأعتقد أن التسجيل الإلكتروني للمثقفين سيكون خطوة أولى لتأسيس قاعدة المعلومات.
وفق الله وزارتنا وأسعدنا بربيع ثقافي مزدهر.

كاتب سعودي*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *